أرض الصومال دولة خارج الاعتراف الدولي تقترب من الاستغناء عن النقود الورقية

أرض الصومال دولة خارج الاعتراف الدولي تقترب من الاستغناء عن النقود الورقية

بقدر ما مثل الاستقرار والسلام عاملاً لانتقال عدد من دول العالم للتعامل بالعملة الإلكترونية إلى جانب العملة الورقية الرسمية،

فإن الحروب والمخاطر وتدهور الاقتصاد وانهيار سعر صرف العملة إلى أدنى المستويات دفعت دولاً أخرى البعض منها انشقت عنها دول رسمية "كأرض الصومال" أو ما تسمى ب:"صوماليلاند" التي انشقت عن جمهورية الصومال عام 1991، إلى التعامل بأنظمة تحويلات مالية عبر الهاتف المحمول لأسباب عدة منها أن قيمة " الشلن" - العملة الرسمية المتعامل به في تلك الدويلة غير المعترف بها دولياً و التي تعاني من اقتصاد ضعيف بفعل الحروب الأهلية والمجاعة- وصل إلى أدنى مستوياته وذلك في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وسوء البنية التحتية، حيث فقدت تلك العملة ثقة مجتمع الأعمال والمواطنين في آن واحد.

العبث بالعملة
ويعود السبب الأول إلى فشل جمهورية أرض الصومال المنفصلة عن الصومال في إدارة السياسة النقدية، إقدامها على طباعة كمية غير قانونية من العملة" الشلن" عام 1994، كما اتجهت لطباعة ما يصل 80% من العملة المزورة التي طبعت في دول شرق آسيا بكميات ضخمة، بشكل عشوائي وبدون ضوابط بناء على طلب مسؤولين في الحكومة، و قد بددت تلك الأموال على شراء الأسلحة وتمويل الحرب الأهلية التي خاضتها في مواجهة جماعات مسلحة معارضة لها، ما أدى إلى تدهور تلك العملة " الشلن " حتى وصل الأمر لحدوث حالة التضخم الجامح، بحيث أصبح شراء الاحتياجات الأساسية من أسواق عاصمة ارض الصومال بالعاصمة "هارغيسا"، بحاجة إلى حمل كمية كبيرة من النقود، فكان البديل التعامل بأنظمة تحويلات مالية عبر الرسائل الإلكترونية التي تقدمها شركات الهاتف المحمول وهو حل يتناسب مع ظروف أرض الصومال والخصوصية الثقافية والاجتماعية التي تفتقد لبنية تحتية أساسية وتعاني من شحة الموارد المستدامة، فمصادر دخلها الأساسي لا تتجاوز الملياري دولار سنوياً، بالإضافة للفساد السياسي المستشري، الذي كان نتيجته انهياراً اقتصادياً ومعيشياً كارثياً، ورغم أن التوجه للتعامل بالتحويلات المالية عبر الهاتف المحمول كان اضطرارياً و جاء لمواجهة مشكلة انهيار سعر صرف العملة، لكن أنظمة الدفع الإلكترونية هذه سهلت على المغتربين الصوماليين في قرابة 17 دولة في العالم إرسال حوالاتهم المالية إلى اسرهم وأهاليهم في ارض الصومال بالدولار دون مخاطر.

تأجير ميناء بربرة يطيح بالسلطة
وقد أدى تصاعد وتيرة التدخلات الإماراتية والأجنبية إلى انعدام استقرار النظام السياسي بسبب تأجير النظام السابق برئاسة رئيس ارض الصومال غير المعترف بها، أحمد محمد سيلانيو، ميناء بربرة لشركة موانئ دبي، ولذات السبب اشتد الصراع بين حزب الوحدة والتنمية الحاكم، والأحزاب المعارضة كالحزب الديمقراطي الشعبي المتحد " وداني ، والحزب العدالة والرفاة، ومؤخراً فازت المعارضة على الحزب الحاكم ب:59 مقعداً برلمانياً من أصل 82 مقعداً في برلمان الإقليم مقابل 30 مقعداً حصل عليها الحزب الحاكم، بسبب وقوف المعارضة أمام فساد الحزب الحاكم وفشله في الإدارة المالية العامة والسياسة النقدية وضلوعه في ارتفاع معاناة المواطنين في جمهورية أرض الصومال.

الدولرة بدل الشلن
كما أدى التضخم الكبير الناتج عن طباعة كميات كبيرة من العملة المحلية دون غطاء نقدي في أرض الصومال خلال العقدين الماضيين، إلى انهيار ثقة التجار بالعملة الرسمية واتجاههم نحو الدولرة لحماية أموالهم من التقلب والانهيار اليومي، ويقدر الخبراء استخدام الدولار في التعامل التجاري اليومي في أرض الصومال من قبل التجار والصرافين بنسبة 90% ، ونتيجة لفقدان " الشلن " قيمته المادية والرمزية أصبح مقتصراً على التعاملات الهامشية في المجتمع، حيث يدفع الفقراء وأصحاب الدخل المحدود ثمن ذلك، وعلاوة على التضخم الحاد الذي تعانيه العملة المحلية في أرض الصومال والتي لا يعد تتجاوز نسبة التعامل بها ال10% من إجمالي التداولات الورقية، ومع ذلك تكاد أوراق النقد من عملة "الشلن" أن تختفي من التداول، مهددة ببقاء فئة واحدة منها فقط قيد التداول، وهي فئة ال"1000 شلن"، ونتيجة أزمة السيولة التي تواجهها دولة أرض الصومال غير المعترف وعجزها عن رفع سعر تلك العملة أو إعادة ثقة السوق التي فقدتها بسبب عبث الطباعة المتواصل، ومع اتساع رقعة المطالب الشعبية بحظر طباعة العملة وتهريبها، لكن الطباعة دون ضوابط استمرت حتى بلغ سعر الدولار 80000 شلن ، وارتفعت الأسعار بنسبة 300% خلال العامين الماضيين.
ورغم كل الصعوبات والمعوقات إلا أن أرض الصومال تقترب اليوم من الاستغناء عن النقود الورقية في تعاملاتها المالية، و بشهادة مؤسسات نقد وبنوك دولية فإن "صوماليلاند" أصبحت تربة خصبة لانتشار أنظمة الدفع الرقمي التي تقدمها شركتا اتصالات "زاد" التي دشنت في عام 2009، و من بعدها "أي-دهب"، الخاصتان، وتقدم بذلك اقتصاداً بديلاً يقوم على تقديم الخدمات المصرفية عبر الهاتف.
وتحقق أنظمة التحويلات المالية عبر الهاتف المحمول انتشاراً واسعاً في هذه الجمهورية غير المعترف بها منذ 20 عاماً، والتي بدأت تجربتها عام 2014، بطرق تدريجية بمشاركة 5% فقط من السكان، بمساهمة عوامل أخرى كانت تبدو كارثية كموجة الجفاف التي ضربت أرض الصومال واستهدفت الريف قبل عامين وكذلك وباء كورونا العام الماضي إلى ارتفاع نسبة مستخدمي هذه الخدمة إلى أكثر من 50%.

مقاربات
و من الملاحظ أن واقع أرض الصومال البنيوي أضعف حالاً من اليمن، ومستوى معدلات الأمية يتجاوز ال 70%، وعدد مستخدمي الإنترنت أقل بكثير من عدد المستخدمين في اليمن و كما أن هذه العمليات الماليةوالمصرفية يديرها البنوك بنك حكومي وبنكان تابعان للقطاع الخاص مقابل أكثر من 17بنكاً يمنياً، ومع ذلك استطاعت شركتا اتصالات فقط أن تقدمان خدمة ميسورة وسريعة فلم يحتاج المستفيد من خدمة التحويلات المالية السريعة للإنترنت أثناء قيامه بتحويل الأموال من حسابة إلى حساب الشخص الآخر سواء أكان محلاً تجارياً أو بائعاً على قارعة الطريق أو حتى تعرفة النقل بين الأقاليم التي تتبع ارض الصومال، ويستطيع المستخدمون تحويل المال من حسابهم المصرفي على هاتفهم المحمول إلى حسابات آخرى عن طريق الاتصال بأرقام وإدخال رموز بالطريقة نفسها التي تضيف بها رصيداً لهاتفك المحمول عبر خدمات التحويل التي تقدمها خدمتي " زاد " أو" أي-دهب"، و أي هاتف جوال بسيط سيفي بالغرض.
ورغم ذلك، لا تخضع أنظمة الدفع عبر الهاتف المحمول لضوابط أو قواعد تنظيمية من قبل الجهات الحكومية رغم سرعة انتشارها واستخدامها من قبل شرائح واسعة في المناطق الريفية والحضرية معاً، وتخطو أرض الصومال أولى خطواتها نحو بناء أول مجتمع خال من النقود، في قلب القارة السمراء، وقد كشف بحث أجري في عام 2016 أن 88 % من الصوماليين اليافعين يمتلكون شريحة هاتف محمول واحدة على الأقل، ويستخدم 81 %من سكان المدن و62 % من سكان المناطق القروية في أرض الصومال خدمات التحويلات المالية عبر الهاتف.
رغم الوضع الكارثي الذي يمر به اقتصاد أرض الصومال لكنها حققت نموذجاً مهماًفي مجال أنظمة الدفع عبر الهاتف المحمول وتمكنت شركتا اتصالات أن تحل مشكلة انهيار العملة ووصولاً إلى التضخم الجامح الذي يستحيل معه حمل النقود إلى الأسواق بسهولة، كون تلك الأنظمة الأكثر يسراً وسهولة في التطبيق وتتناسب مع مختلف الشرائح الاجتماعية، لذا فإننا أمام تجربة يجب دراستها ومعرفة إمكانية الاستفادة منها لحل أزمة السيولة النقدية وحل الكثير من المشاكل المتعلقة بهذا الجانب.