كتابات | آراء

السادات جعل قضية فلسطين شأناً إسرائيلياً

السادات جعل قضية فلسطين شأناً إسرائيلياً

خروج مصر بجيشها وشعبها من معادلة الصراع العربي- الإسرائيلي في عهد الرئيس الراحل أنور السادات حول القضية الفلسطينية الى شان إسرائيلي داخلي وحتى لا يقال أننا نتجنى على مصر سنقف أمام ما حدث،

تسلم أنور السادات رئاسة مصر عقب وفاة سلفه المشكوك في أن وفاته كانت طبيعية ولم يكد يستقر على كرسي الرئاسة حتى بدأ ينفذ المخطط الأمريكي والسعودي في التخلص من الذين كانوا محيطين بالرئيس جمال عبد الناصر ومتأثرين بفكر القومية العربية وكانت الضربة القوية التي سددها لهم هي تلك التي وجهت إليهم يوم 15مايو عام 1971م قبل أن يكمل عامه الأول رئيسا لمصر فقد تم القبض على مراكز القوى وإيداعهم السجن وتمت محاكمتهم بحجة أنهم قاموا بمحاولة انقلابية ضده لتغيير النظام، وبذلك استطاع أنور السادات أن يفك الحصار عن نفسه وقرب إليه عناصر كانت معارضة لسياسة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بما فيهم جماعة الإخوان المسلمين وانتهج ما أطلق عليه سياسة الانفتاح ودخل في خلاف مباشر مع الاتحاد السوفيتي سابقاً الذي كان الداعم الأساسي لمصر في عهد عبد الناصر مشدداً على أهمية التواصل والتعاون مع أمريكا التي كانت تعتبر عدواً رئيساً لمصر الناصرية وإن كانت المفاجأة المدوية التي لم يكن أي طرف سياسي يتوقعها لا في داخل مصر ولا خارجها هي تلك التي تمثلت في قراره القاضي بطرد الخبراء العسكريين السوفييت في وقت كانت مصر بأشد الحاجة إليهم للمساعدة في استكمال بناء القوات المسلحة المصرية استعداداً للحرب مع إسرائيل، وقد علق هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك ووزير الخارجية فيما بعد على قرار طرد الخبراء الروس قائلاً: الرئيس السادات قدم خدمة لأمريكا مجاناً وكان بإمكانه أن يساوم أمريكا على طرد الخبراء والمستشارين السوفييت ويحصل مقابل ذلك على ثمن كبير وبما أن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قد استطاع خلال السنوات الثلاث التي تلت هزيمة 5 يونيو 1967م أن يستعيد بناء القوات المسلحة المصرية حيث أصبحت جاهزة لخوض حرب ثأرية ضد إسرائيل إلا أن أنور السادات ظل يماطل لثلاث سنوات أخرى رغم تهديداته في معظم خطاباته بشن حرب على إسرائيل لاستعادة ما استولت عليه من أراض مصرية في حربها السابقة وكذلك تأكيده بأن قطاع غزة الفلسطيني كان أمانة لدى مصر ومن حق مصر استرجاعه وتسليمه للفلسطينيين، ولكن كانت كل تهديداته فقط للاستهلاك المحلي والسيطرة على غضب الشارع المصري وتذمره من حالة اللاسلم واللاحرب وفي نفس الوقت لكسب تعاطف الدول العربية مع نظامه لاسيما النفطية منها لتقديم المزيد من المساعدات لمصر ولأن هنري كيسنجر في عهد الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون قد أصبح عراب السياسة الأمريكية حيث استطاع أن يُنهي حرب فيتنام ويُنهي الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي وانفتح على الصين الشعبية التي أقامت علاقات مع أمريكا لتصبح القوة الكبرى الخامسة في العالم وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي فقد اتجه هنري كيسنجر نحو العالم العربي وطلب من الرئيس السادات أن يحرك المياه الراكدة وينهي حالة اللاسلم واللاحرب بحيث تتاح لكيسنجر الفرصة للتدخل وإحداث تقارب بين إسرائيل والأنظمة العربية ويُنهي القطيعة بينهما ويخرج قضية فلسطين عن دائرة الاهتمام العربي فكانت الاستجابة كبيرة من قبل أنور السادات الذي كان يعمل بنصائح الملك فيصل ملك السعودية وبالتنسيق مع الرئيس السوري حافظ الأسد كانت الموافقة على تحريك الجمود ومن ثم الدخول في مفاوضات علُّها تفضي إلى حل فتم تحديد يوم 6أكتوبر من عام 1973م الموافق العاشر من رمضان لشن الحرب في وقت واحد عند الساعة الثانية بعد الظهر وكانت المفاجأة كبيرة جداً حتى للرئيس السادات نفسه عندما استطاع الجيش المصري تحت الغطاء الجوي أن يعبر قناة السويس ويقتحم خط برليف الحصين في عدة ساعات ليواصل هجومه بعد ذلك في صحراء سيناء حيث كان الهدف الوصول إلى المعابر دون توقف بقيادة رئيس هيئة الأركان العامة الفريق سعد الدين الشاذلي مكبدا الجيش الإسرائيلي خسائر كبيرة في العدة والعتاد ووقوع المئات من الجيش الإسرائيلي أسرى في أيدي الجيش المصري، وفي سورية لم يقصر الجيش السوري فقد أبلى بلاءً حسناً وحرر جزءاً من الأرض المحتلة وهنا وجد الرئيس السادات نفسه في مأزق مع أمريكا فلم يكن يتوقع أن يحقق الجيش المصري هذا النصر السريع الذي جعل الشعب المصري والشعوب العربية تسانده وتلتف حوله وتطالب بمزيد من التقدم حتى تحقيق النصر النهائي وتحرير الأرض المصرية التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي في حرب الأيام الستة في يونيو عام 1967م ليتم التفرغ بعد ذلك لتحرير فلسطين فما كان من الرئيس أنور السادات إلا أن أوعز إلى المشير أحمد إسماعيل وزير الحربية لافتعال خلاف مع رئيس هيئة الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي وتحميله مسؤولية ثغرة الدفرسوار التي تسلل منها القائد الصهيوني شارون إلى غرب القناة لمحاصرة الجيشين الثاني والثالث المصريين وتطور الهجوم الإسرائيلي ليصل إلى الكيلو 101 من القاهرة فتم عزل الشاذلي الذي كان يحلم بنصر كبير على الجيش الصهيوني وعين خلفاً له الفريق الجمصي الذي كان رأيه من رأي السادات وأحمد إسماعيل بأن لا يتجاوز الهجوم على الجيش الصهيوني تحريك الموقف فقط لتتاح الفرصة لهنري كينسجر للتدخل، وهنا سارع أنور السادات إلى إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد وبشكل فاجأ حتى الجيش المصري نفسه بحجة أنه أي السادات غير مستعد لمحاربة أمريكا مؤكداً أن واشنطن قد زودت تل أبيب بأسلحة حديثة لا يمكن مواجهتها وهو ما أعطى الفرصة للجيش الصهيوني للضغط على الجيش السوري في الجبهة الشمالية وسلبه بعض المكاسب التي كان قد حققها في الأيام الأولى للهجوم وكان الجيش الصهيوني قد عزز تواجده غرب القناة من خلال الدفع بمزيد من القوات وأصبح الجيشين الثاني والثالث المصريين تحت رحمته ولم تكن تمر تغذيتهما إلا عبره وتحت إشرافه كما يحدث اليوم في غزة مما اضطر السادات أن يقبل بوساطة هنري كيسنجر وزير خارجية أمريكا والتي قضت بنصب خيمة في الكيلو 101 بالقرب من القاهرة لتكن مقراً للمفاوضات التي قادها من الجانب المصري الفريق الجمصي لتنتهي بالاتفاق على انسحاب الجيش الصهيوني من غرب القناة وإطلاق الأسرى الصهاينة وفك الحصار الاقتصادي على إسرائيل الذي كان مفروضاً عليها من باب المندب مدخل البحر الأحمر الجنوبي بالاتفاق مع شطري اليمن سابقاً ولم يسمح إلا ببقاء قوات مصرية رمزية شرقي قناة السويس واستمرار المفاوضات حتى يتم إيجاد تسوية سياسية وإخراج مصر وجيشها من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي وهو ما جعل أنور السادات يعلن بأن حرب 6 أكتوبر 1973م هي آخر الحروب بين مصر وإسرائيل وأصبحت القضية الفلسطينية بعد ذلك عبارة عن شأن داخلي إسرائيلي بعد أن كانت قضية العرب الأولى وما تخلي الحكام العرب اليوم عن المقاومة الفلسطينية التي حققت ما لم تحققه الجيوش العربية مجتمعة في مواجهتها للجيش الصهيوني إلا تنفيذا لما فرضته أمريكا على الأنظمة العربية من اتفاقات سرية لا يستطيعون التراجع عنها وإلا طاروا من على كراسيهم.

أخبار الجبهات

وسيبقى نبض قلبي يمنيا
لن ترى الدنيا على أرضي وصيا