اليمن.. لعبة الدم والموت إلى أين؟!.. (97)

اليمن.. لعبة الدم والموت إلى أين؟!.. (97)

وفي ذات القصيدة , أو رائعته الشعرية ( الغزو من الداخل ) يتساءل البردوني بحُرقة ووجع عن مآلات الأوضاع المتردية , والحروب والصراعات العبثية المستمرة في بلد منكوب

ومضطرب كاليمن , ويتحدث بلسان حال الشاعر المُتمكن , والمفكر المستنير , والمؤرخ الحجة , والمحلل السياسي الواعي الفاهم لطبيعة ما حدث ويحدث على مرأى ومسمع منه , غير مُداهن لنظام حكم أو مُتماهياً مع مرحلة وعهد معين , وغير آبه أو مُكترث بملامة لائم , صادعاً بالحق والحقيقة كعادته وكما هو العهد به .
ويواصل بصراحته وشفافيته المحمودة ومنطقه السليم تحليل الحدث اليمني وتوصيفه في قصيدته البليغة ( الغزو من  الداخل ) , ويمضي فيها مُتسائلاً:
لماذا نحنُ يامربي
ويامنفى بلا سكن؟.
بلا حلمٍ , بلا ذكرى
بلا سلوى بلا حَزَنِ.
يمانيون ,  ( ياأروى)
و( سيف بن ذي يزن).
ولكنا , برغمكما
بلا يُمْنٍ بلا يمنِ.
بلا ماضٍ بلا أتِ
بلا سرٍ , بلا عَلَنِ.
وعلى نفس المنوال والأسلوب البديع , وعلى ذات اليقين والصدق والجهر بالحق , يستمر شاعرنا البردوني أيضاً في طرح السؤال عن ما جرى ويجري في اليمن , ويأتي بالجواب المفيد والشافي للغليل ضمن سياق رائعته الشعرية المذكورة التي لا يختلف على تميزه وخصوصية إبداعه فيها إثنان .
ثم يمضي البردوني في سياق قصيدته تلك في توجيه أسئلته الوجيهة للمعنيين بها بشكل مباشر  , والمُخاطب هذه المرة صنعاء حاضرة اليمن بما تمثله من رمزية وتجسده من معنى , ويقول مُتنبي اليمن بلغة الشاعر الحكيم :
أيا ( صنعاء ) متى تأتين
مِنْ , تابُوتكِ , العفنِ ؟.
أتسألني , أتدري؟ فاتَ
قبل مجيئه , زمني ؟!.
متى اتي , ألا تدري؟
إلى أين انثنتْ سُفني؟.
ويعاود البردوني الحديث عن صنعاء في بيت شعري ضمن قصيدته السالف ذكرها فيقول عنها :
لقد عادت مِن الآتيْ
إلى تاريخها الوثنيْ !.
فظيعُ جهل ما يجري
وأفظع منهُ أن تدري !.
ثم يُعرج البردوني في قصيدته التي تحمل عنوان ( الغزو من الداخل) , إلى حالة الإرتهان والتبعية للخارج , واصفاً هذه الحالة السيئة والمزرية وصفاً دقيقاً , يتجاوز به حد جلد الذات اليمنية , ويشدو بقوله عن ذلك قائلاً :
شعاري اليوم يامولاي
نحنُ نباتُ , إخصابك.
لأن , غِناك , أركعنا
على أقدام أحبابك.
فألََهْنَاكَ قلنا : الشمس
مِنْ أقباس أحسابك.
فنَمْ ( يابابك الخَرمي)
على ( بلقيس) يابابك.
ذوائبها , سرير , هواك
وبعض , ذيول ,أربابك.
وبسم الله , جَل الله
نحسُو كأس أنخابك.
ويشير البردوني صراحةً إلى ارتهان وتبعية النظام الحاكم في صنعاء لمشيخات وإمارات النفط الخليجية وعلى رأسها السعودية في مرحلة خلت من تاريخ اليمن الحديث والمعاصر بقوله :
أمير النفط نحنُ يداك
نحنُ , أحَدُ , أنيابك.
ونحنُ القادة العطشى
إلى فضلات , أكوابك.
ومسؤولون في صنعاء
وفراشون , في , بابك !.
ومِنْ دَمِنا , على , دمنا
تُمَوقِع , جيش إرهابك.
لقد جئنا , نجرُ الشعب
في,  أعتابِ , أعتابك .
ونأتيْ , كُلما , تهوى
نُمَسِح , نعل حُجابك.
ونستجديك ألقَاباً
نُتَوجها بألقابك.
فمُرنا كيفما شاءتْ
نوايا ليل سردابك.
نعم ياسيد الأذناب
إنَا , خيرُ , أذنابك !.
وفي قصيدته ( زحف العروبة ) المنشورة عام 1958م , يتحدث البردوني بشكل مباشر وصريح عن طبيعة الأحداث والأوضاع في اليمن في تلك الفترة , بما يتطابق مع الواقع المعاش ويعكس صورته الجلية واضحة بكل أبعادها , ويصف مايجري في اليمن آنذاك بقوله :
فهُنا هُنا اليمن الخصيب مقابرُ
ودمُ , مُبَاحُ , واحتشاد , ذئابِ .
قُل للإمام : وإن تحفزَ سيفهُ
أعوانك الأخيارُ , شَرُ , ذئابِ.
يومُون عندك بالسجود وعندنا
يومُون , بالأظفارِ , والأنياب.
هُم في كراسيهم قياصرةُ وهُم
عند الأمير , عجائزُ , المحرابِ.
يتملقون ويبلغون إلى العُلا
بخداعهم وبأخبث الأسبابِ.
مِنْ كُلِ , معسُولِ , النفاقِ كأنَهُ
حسناً تتاجِرُ في الهوى وترابي.
وغداً سيحترقون في وهجِ السنى
وكأنهم كانوا خداعَ سرابِ .
وتفيقُ صنعاءُ الجديد على الهدى
والوحدةُ الكبرى على الأبوابِ .
ولعل البردوني وبلا مُنازع ولا مُنافس لهُ على الإطلاق هو أبلغ الشعراء , وأكثر المفكرين قدرة على إعطاء الحدث واللحظة التاريخية المُعاشة والماضية حقها من التوصيف والتحليل والشرح والتعريف بها بما يليق بها وبمن عاشوها أو سمعوا بها , غير مُجافٍ بما صدر عنه للحق والحقيقة , ليبقى بذلك وحدهُ الأبلغ والأصدق والأفهم , والأكثر معرفة وإلماماً بخبايا الأمور وظواهرها , وما نبوءاته التي تضمنتها روائعه الشعرية إلا جزء من تلك المعرفة الشاملة , الكاملة .
وحسبهُ رحمهُ الله وهو الذي أحرمه الله من نعمة البصر وهو طفل صغير , أنهُ كان يرى ما لا نراه !.
..... يتبع ......