بوح اليراع: إسلاميو المغرب ضحيَّةُ التذبذُب

بوح اليراع: إسلاميو المغرب ضحيَّةُ التذبذُب

على الرغم ممَّا عانته الأحزاب الإسلامية من تعسفات أنظمتنا العربية التي حظرت عليها المشاركة السياسية لعقود زمنية، فقد جاء الربيع العربي عام 2011 لمصلحتها،

إذ حمل بعض الأنظمة -تفاديًا منها لما قد ينجم عنه من أحداث دامية- على منح الأحزاب الإسلامية حق المنافسة السياسية، ومن الأنظمة العربية التي حبذت سلوك هذا الطريق نظام "المغرب" الشقيق الذي أجرى تعديلا دستوريًّا أتاح لحزب "العدالة والتنمية" ذو التوجه الإسلامي فرصة المشاركة السياسية، فاستطاع -ببرنامجه الانتخابي الملم الأكثر ملاءمةً للمجتمع المغربي المسلم- تصدر انتخابات 2011 البرلمانية تصدرًا منحه حق تشكيل وترؤس حكومة ائتلافية، فترأس زعيم الحزب "عبد الإله بن كيران" حكومة ائتلاف يسودها الخلاف في (مرحلة إقليمية ووطنية حبلى بالتحديات والإشكالات) بحسب ما ورد في مقالٍ للدكتور "إدريس لكريني" نشر في "مركز المستقبل للدراسات" في الـ14 من سبتمبر.

زيادة تعاطف الجماهير برغم التقصير
فبالرغم من أن حكومة "ابن كيران" لم تتمكن طيلة 5 سنوات (2011-2016) - بسبب ذينك المعوقين- من الإيفاء لجماهير الشعب بكل ما تضمنه برنامجها الانتخابي، إلا أن المغاربة -وفق ما نشر في موقع قناة "MBC" في 9 سبتمبر- (أعادوا تأييد حزب "العدالة والتنمية" في انتخابات 2016 بشعبية أكبر، إذ حصد نحو 31.65 % من مجموع المقاعد، بزيادة نحو 4 % عن مجموع مقاعده في انتخابات 2011).
ولعل تعزز ثقة الجماهير به برغم التقصير يرجع إلى ما كان يتسم به خطاب زعيمه "ابن كيران" من شفافية في الطرح وقدرة على إفحام الخصوم وحميمية في تبني الهموم، وقد أبرز هذه الميزة بوضوح الصحفي المغربي "عبدالسلام بن عيسي" في مقالٍ له نشر في "رأي اليوم" في الـ10 من سبتمبر بقوله: (يتذكر المغاربة أن "عبد الإله بن كيران" -حين كان رئيسا للحكومة- كان يُدافع عن مكانة رئاسة الحكومة، وبالتالي عن موقع الحزب الذي يقودها دفاعا مستميتا، لقد كان الرجل -بقدرته على الخطابة- يقارع خصومه مقارعة شديدة، ففي الجلسات البرلمانية التي كانت تخصص للأسئلة الشفوية، وحين كان برلمانيو الأحزاب المعارضة يقومون بانتقاد أداء الحكومة ويهاجمون قراراتها، كان "عبد الإله" يتصدى لهؤلاء النواب تصديا شرسا، وكان يبدو متفوقا عليهم، ومسيطرا على النقاشات في القبة البرلمانية.
وكانت فعاليات جلسات البرلمان تُنقل على شاشة التلفزيون المغربي، وبدلا من أن يكون رئيس الحكومة موضع نقد ومساءلة، وفي قفص الاتهام، كان "ابن كيران" يبدو، في الشاشة أمام الجمهور الذي كان يتابع بكثافة تلكم الفعاليات في موقع المتفوق والمهاجم الذي يضع خصومه في خانة المدافعين عن أنفسهم، الأمر الذي كان يجعل رئيس الحكومة -وقتها- يحظى بتعاطف كبير أمام الرأي العام المغربي.
وممَّا ميَّز "ابن كيران" (أنه كان يخلق انطباعا لدى الفئات الشعبية أنه مندمج معها، ويتكلم لغتها ويحمل همومها، فيكسب "العدالة والتنمية" تعاطفا شعبيا واسعا).

توقيع جُرم التطبيع من قبل مذعنٍ مطيع
لعل الملك "محمد السادس" قد أدرك أن شخصية "عبد الإله بن كيران" القوية ستظل عائقا أمام تنفيذ السياسات اللاعروبية، فاستغل إشكالية تعثره في تشكيل حكومة ائتلافية -بعد تصدر حزبه في 2016 نتائج الانتخاب البرلمانية للمرة الثانية- (فأعفاه من مهمة تشكيل الحكومة، وكلف أحد قيادات الحزب الأخرى وهو "سعد الدين العثماني" بالمهمة).
وبحسب موقع قناة "MBC" فقد (نجح "العثماني" في تشكيل إئتلاف حكومي عن طريق تقديم التنازلات التي كان "ابن كيران" قد رفضها بشكل بات.
ولم تتمكن حكومة "العثماني" من حل العديد من المشاكل الاقتصادية، ولم تستطع كذلك حل مشكلة البطالة المتزايدة).
ويرجح متابعون كثر ارتباط "العثماني" بالملك بعلاقة صداقة، وأن اختياره لتشكيل الحكومة كان في سياق الاستعداد لتمرير ما حصل -بعد ذلك- بين المملكة المغربية" وبين الكيان الصهيوني من اتفاق.
وبالإضافة إلى ما منيت به حكومة "العثماني" المحسوبة على حزب "العدالة والتنمية" من فشل ذريع فإن إذعانه المبالغ فيه للبلاط الملكي قد حمَّل حزبه -ممثلا بشخصه- وزرَ توقيع "اتفاقية التطبيع"، بالرغم من أنه -شخصيًّا- كان يعتبر أيَّ تقارُب مع الصهاينة الغاصبين تعارُضًا مع ثوابت الدين، فقد أورد موقع "MBC" ما يلي: (ويذكر المغاربة تغريدة شهيرة للعثماني في أغسطس 2020، قال فيها: "إن إقامة أية علاقة كيفما كان نوعها مع الكيان الصهيوني، لا يمكن إلا أن يصب في خانة دعم هذه الكيان المستعمر ويشجعه في التمادي على الشرعية الدولية والحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني".
إلا أن العثماني برر لاحقا موافقة حكومته على التطبيع مع إسرائيل بالقول: "إن قرار التطبيع مع إسرائيل مؤلم وصعب، لكن المصلحة الوطنية أعلى بكثير"، في إشارة منه إلى موافقة بلاده على التطبيع مقابل اعتراف أمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية).
وما من شك أن توقيع "العثماني" على تلك الاتفاقية قد أفقد حزبه حاضنته الشعبية ذات التوجه الإسلامي التي لا تتخيل مجرد التفكير بالتطبيع مع الكيان قبل تسوية منصفة تراعي الحقوق الفلسطينية.
وبهذا التذبذُب صارت خسارة حزب "العدالة والتنمية" في الانتخابات الأخيرة عقوبةً واجبة على جُرم توقيع اتفاقية تطبيع العلاقات مع الدولة الصهيونية الغاصبة.