اليمن.. لعبة الدم والموت إلى أين؟!..(96)

اليمن.. لعبة الدم والموت إلى أين؟!..(96)

وكأن موقع اليمن الهام (البلدة الطيبة), كما وصفها الله في كتابه العزيز بذلك, قدرها الذي يُطاردها باستمرار, وهو قدر لا مفر لها ولنا منه على الدوام.

وقد عَدَد الرواة والمُؤرخين والإخباريين وحتى الجغرافيين, ومعهم رجال السياسة وخبراء الاقتصاد والمحللين الإستراتيجيين مال هذه البلاد من مناقب ومحاسن وتفرد وخيرات كثيرة لا تُحصى ولا تُعَد.
وكأن هذه البلاد التي تُسمى اليمن بأهميتها وموقعها المتميز, وقيمتها الحضارية والتاريخية, قُدِر عليها أيضاً أن تكون وجهاً لوجه مع الأخطار وأطماع الطامعين مِنْ الغزاة والمستعمرين التي تستهدفها بين الفينة والأخرى عبر التاريخ, قديمه وحديثه, ولا تنفك عنها أو تلتمس لها عُذراً من الأعذار لتكون بمنأى ومعزل عن كل مَكَار يحيق بها وبأهلها مكره السيئ ويحاول استهدافها بشره وضُره وحقده وطمعه ويعتبرها لقمة سائغة له وهدف سهل المنال. وقد كلفت اليمن تلك المميزات والأهمية ثمناً غالياً, كانت ولا تزال تدفعهُ من أمنها واستقرارها ونمائها وخيراتها ودماء وحياة أبنائها وحاضرهم ومستقبلهم على أرضها الطيبة المعطاءة, ولا خيار لها إلا القيام بذلك رهبة ورغبة, ولا حيلة لأبنائها هُنا إلا أن يظلوا على هذا المنوال لأسباب كثيرة يطول شرحها, لتستمر حكاية قدر اليمن واليمنيين الجائر الذي يطاردها باستمرار!.
والانكى والأخطر والأدهى أن اليمنيين كانوا ولا يزالون هُم المُتسببين الرئيسيين في هذا الذي حدث ويحدث من فوضى واضطراب وعدم استقرار, ورواج وانتشار لثقافة العنف والكراهية, إن لم يكونوا هُم المسؤولين المباشرين عن كل هذا الذي نعاني منه أيما عناء ونشكو منه بمرارة وبمنتهى الوجع والألم. وما من بلد في العالم يظل في حالة استنفار واضطراب وقلاقل ودورات عنف متوالية كاليمن, وتبدو وكأنها موعودة ومحكومة بذلك, ولا يكاد يهدأ لها قرار أو وضع, وتستقر لحين حتى تضطرب مُجدداً بعد فترة وجيزة ونسبية من الهدوء والاستقرار الحذر والعارِض والطارئ والمرحلي الذي لا يدوم. وقد لخَضَ لنا البردوني, مُوضحاً الحالة والمشكلة اليمنية المُزمنة, وعكسها لنا في قالب شعري بديع وجميل ينطبق بما تضمنهُ من معاني وإسقاطات على الحالة والصورة اليمنية, بقصيدة عصماء مُعبرة (من منفى إلى منفى) نشرها في نوفمبر 1971م, قال فيها:

بـــلادي مــن يــدَيْ طــاغٍ
            إلــى أطْـغـى إلــى أجـفـى.
ومــن سـجـنٍ إلـى سـجنٍ
          ومــن مـنـفىً إلــى مـنفى.
ومـــــن مُـسـتـعـمـرٍ بــــادٍ
            إلــــى مـسـتـعـمرٍ أخــفـى.
ومـن وحشٍ إلى وحشيْن
         وهــــي الــنَّـاقـة الـعَـجْـفا
بـلادي فـي كـهوفِ الموتِ
             لا تَـــفــنــى ولا تَــشْــفــى.
تُـنقِّر فـي الـقبور الـخُرسِ
           عـــن مـيـلادِهـا الأصـفـى.
وعـــــن وعـــــدٍ ربــيـعـيٍّ
        وراء عُــيــونِـهـا أغْـــفـــى.
عــن الـحـلمِ الــذي يـأتـي
         عن الطيف الذي استخفى.
فـتمضي مـن دُجىً ضافٍ
        إلـى أدجـى … إلـى أضفى.
بـــلادي فــي ديــارِ الـغـيرِ
           أو فــــي دارِهــــا لَــهْـفـى.
وحــتــى فـــي أراضِـيـهـا
         تُـقـاسـي غُــربـةَ الَـمـنـفى.
بيد أن كفيف البصر الذي كان يُبصر ويرى مالا نراه نحنُ المُبصرين, عملاق الشـعر العربي الأستاذ عبدالله صالح البردوني, لم يفتهُ في رائعة أخرى من روائعه الشعرية, تشخيص الداء اليمني التاريخي العُضال, ووصف حالة اليمن واليمنيين ضمن إطارها وسياقها العام المعروف للجميع, بمنتهى الوضوح والصراحة.
حيث عبر صادقاً عن ذلك بما صدع به شعراً بقوله:
كـانـت تـُصـارع نـفـسي نـفسها وأنـا
         عـنها، بـتأريخ هـذا الـصمت مـنشغلُ.
وكـنـت أسـتفسر الـجدران: أيـن أنـا؟
         وكـان يـستجوب الإعـدامُ مَـن سـألوا؟.
كان الدجى يخلع المسرى ويُلبسني
        وكــنــت ألــبـس أنـقـاضـي وأنـتـعـلُ.
وكـنـت أســرد عـن (بـلقيس) أغـنيةً
           مــداد مــن كـتبوها، الـعطر والـعسَلُ
وكــنـت مِــن كـائـنات الـلـيل واحــدةً
             وكـــان أتــفـه مـــا اشـتـاقـه الأمــلُ!.
وفي أدق توصيف, لما شهدته وتشهده اليمن من صراعات دامية, وحروب متتابعة, ودورات عنف لا تتوقف, كان شاعرنا البردوني مُوفقاً في التعبير عن ذلك ضمن سياق بيت شعري ورد في قصيدته (زحف العروبة) بقوله:
فهُنا هُنا اليمنُ الخصيبُ مقابرُ
 ودمُ, مُبَاحُ, واحتشادُ, ذئابُ!.

... يتبع......