النشيد الوطني ما بين شمائل الهدى ورفضا للوصايا تاريخا من الكفاح والنضال

النشيد الوطني ما بين شمائل الهدى ورفضا للوصايا تاريخا من الكفاح والنضال

من الآراء المتفق عليها ذلك الرأي عن الشعر بأنه أصدق من التاريخ فالشعر هو التاريخ الحقيقي حتى للتاريخ نفسه كونه يتصف بأنه انعكاس للحدث التاريخي

على نفس الشاعر ولقد عرفت الحضارات والشعوب قديما ضروبا من الشعر والاهازيج والغناء والإنشاد عبر عن مواقفها إزاء أحداث مرت بها او انتصارا استحقا ان يدون ليخلد بطولاتهم وامجادهم وقديما كانت القبائل العربية تردد الأناشيد عند توديع المحاربين أو استقبالهم واشتهر نشيد بني تميم كما اشتهر نشيد أهل يثرب عند استقبال الرسول الأكرم  صل الله عليه وسلم  مهاجرا إليها من مكة .
شمائل الهدى
وفي التاريخ الحديث ومع خروج العثمانيين من اليمن عقب هزيمتهم بالحرب العالمية الأولى 1914- 1918م استحسن أساتذة المدرسة الرشدية ثم مدرسة الأيتام بصنعاء فيما بعد نشيد ( شمائل الهدى تنير حكمة الوطن )  كتحية كل صباح وكان التلاميذ يرددون هذا النشيد عند دخول مدير المدرسة وعند زيارة وزير المعارف وعلى تقطيع هذه الأنشودة أوجد لها أحمد اليتيم لحنا موسيقيا كانت تؤديه موسيقى الجيش الساعة التاسعة مساء كل يوم وصبيحة كل أربعاء عند خروج الجيش (للمراوحة) وعند بداية استعراض كل جمعة وعند افتتاح الإذاعة وإغلاقها ليلة الاثنين وليلة الجمعة ثم عند افتتاحها وإغلاقها كل امسية من عام 1955- 1962م . وعندما أصبحت الإذاعة الملكية تبث كل مساء فكانت أنشودة (شمائل الهدى) بموسيقاها الصوتية والنحاسية بمثابة النشيد الوطني على امتداد مدة حكم الإمام يحيى حتى قيام حكومة الدستور عام 1948م ألف محمد المسمري أنشودة (عصر النور) على غرار الأنشودة اليثربية فجاءت أنشودة المسمري :
                    أيها النشء اليماني   
                               دمت رمزا للخلود
                    هلل اليوم وكبر
                          قد مضى عصر الجمود .
وكان طلاب الثانوية والمتوسطة يرددون هذه الأنشودة كل صباح وكل مساء وينشدونها عند زيارة أي مسؤول او ضيف وعند تحركهم لأية مهمة . وبعد وصول عبدالحكيم عابدين من مصر اختار نشيد الإخوان المسلمين بمصر الذي كانت تنشده (نور الهدى ) :
باسمك اللهم أقسمنا اليمين
              قسم القوة والعزم المتين
إننا شعب على الحق أمين
          ربنا فاكتب لنا النصر المبين .

زمجري بالنار
وبعد سقوط حكم الدستور نهاية أسبوعه الثالث 11 مارس 1948م . عادت الموسيقي العسكرية التي أوقعت على إيقاع (شمائل الهدى) تؤدي ذلك النشيد في اماسيها في العرضي وفي دار الإذاعة إلى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م. وفي 1958م اختارت الكلية الحربية بصنعاء قصيدة (زمجري بالنار يا أرض الجنوب) فعممت تلقائيا على المدارس حتى أصبحت لدى الشباب أشهر من النشيد الرسمي . ومع قيام ثورة الـ26 من سبتمبر 1962م لم يجد الثوار أمامهم نشيدا وطنيا منظوما مسجلا غير ذلك اللحن الملكي الذي كانت تؤديه موسيقى الجيش . فاختاروا موسيقى أنشودة محمد عبدالوهاب (يا إلهي انتصرنا بقدرتك ) وكانت موسيقاها معبرة بدويها الآلي وعلو رنينها الصوتي . فظلت موسيقى (يا إلهي انتصرنا) هي النشيد الوطني للجمهورية العربية اليمنية منذ قيام الثورة حتى عام 1979م .

أعلنت جمهوريتي
حيث تم تبني نشيدا وطنيا جديدا بعنوان ( قسما برب العزة ) من كلمات أحمد العماري وألحان الفنان علي بن علي الآنسي وكان اختيار هذه الأنشودة نتيجة جلسات ثقافية أثارها الدكتور عبدالعزيز المقالح والذي أصر على اختيار انشودة الآنسي وعليه تم اتخاذ قرار اعتماد النشيد الوطني الجديد آنذاك .
في ظل راية ثورتي
        أعلنت جمهوريتي
يمني السعيدة منيتي
         إني وهبتك مهجتي
بعزيمتي بإرادتي
      أنهيت عهد الظلمة
وبقوتي وبوحدتي
      حققت حلم الأمة .
وهذا النشيد يوحي بالانتماء إلى  الثورة والنظام الذي قام عليها ويؤكد التمسك بالنظام الجمهوري السبتمبري . وظل هذا نشيدا وطنيا للجمهورية العربية اليمنية حتى فجر يوم الثلاثاء  الـ 22 من مايو 1990م  يوم إعلان الوحدة اليمنية بين شطري الوطن .

وحدتي ... وحدتي
وفيما يخص النشيد الوطني لجنوب الوطن فإن مجلس الشعب في عدن قد اتخذ عام 1977م قرارا باختيار قصيدة (رددي أيتها الدنيا  نشيدي) شعر عبدالله عبدالوهاب نعمان نشيدا وطنيا بدلا عن نشيد الجبهة القومية التي تغيرت سياستها نتيجة اتحادها بالأحزاب الأخرى في ذلك العام :
رددي أيتها الدنيا نشيدي
            ردديـه وأعـيدي وأعـيـدي
واذكـري في فـرحتي كل شهيد
             وامنحيه حللاً من ضوء عيدي
يـا بلادي نحن أبنـاء وأحفاد رجالك
           سوف نحمي كل ما بين يدينا من جلالـك
إلى نهاية النشيد الوطني :
وحدتي ... وحدتي
يا نشيداً رائـعاً يملأ نـفسي أنت عـهد عالق في كل ذمة
رايتي ... رايتي
يا نسيجاً حكته من كل شـمس اخـلدي خـفاقة في كل قمة
أمتي ... أمتي
امنحيني البأس يامصدر بأسي وادخريني لك يا أكرم أمة
عشت إيماني وحبي سرمدياً
               ومسيري فوق دربي عربياً
 وسيبقى نبـض قلبي يمنياً
                لن ترى الدنيا على أرضي وصياً
وقد اعتمد هذا النشيد نشيدا وطنيا لليمن الموحد  بصوت الفنان الكبير أيوب طارش عبسي مع بعض التعديلات عما كان عليه في جنوب الوطن ( في جنوب وجدت أو في شمالك) ومن ذلك ايضا كلمة (أمميا ) إذ حلت مكانها ( سرمديا ) وكان إبعاد هذا البيت وامثاله مبررا بزوال الشطرية مع انه لكل بلاد موحدة جهات أربع .  فلا تلغي الوحدة السياسية جهات الوطن الواحد أو الموحد فلا تؤثر عبارة شمال وجنوب علي الوحدة لأن الجهات من لوازم كل مكان حتي للمدينة او الدار .

رفضا للوصايا
غير أن الحذف غير المبرر هو انتزاع ما يمثل صورة الأخلاق الوطنية التي يفصح عنها ذلك البيت او المقطع الذي جسد الشجاعة بقهر بالموت وبهر الخير بالتزام خير ما فيه :
                 قد قهرنا الموت بالموت اقتحاما
                                  وبهرنا الخير بالخير التزاما  .
فتعاقب السياسات وتعدد التعريفات الفنية هي من ابعدت ذلك المقطع عن النشيد الوطني  ورغم ذلك  كان لأحدى شطري ابيات النشيد الوطني رسم سياسة استقلالية الوطن من الوصايا والهيمنة الخارجية اين كانت تلك الوصاية  سياسية , اقتصادية ,فكرية , ثقافية , عسكرية ,اجتماعية وغيرها من الوصايا والتبعية التي تمس سيادة الوطن واستقلاله :
                        وسيبقي نبض قلبي يمنيا
                                     لن ترى الدنيا على أرضي وصيا ...