البحر الأحمر ملتقى الأطماع الاستعمارية (87)

البحر الأحمر ملتقى الأطماع الاستعمارية (87)

سبق أن ذكرنا أن البرتغاليين  كانوا في شوق للوصول إلى الحبشة والتحالف معها , ولكن ما حدث كان تحالفاً بين الند وغير الند إذ بعد أن مد البرتغاليون الأحباش بالأسلحة والخبراء والفنيين

لتأجيج الحرب بينهم وبين جيرانهم المسلمين بدأ ملوك الحبشة يشعرون بأن البرتغاليين يعملون على التدخل في شئؤونهم الداخلية ويفرضون سيطرتهم عليهم بل ويعملون على نشر المذهب الكاثولوكي بين الأحباش ليحل محل مذهبهم الأرثوذكسي فبدأ التحالف يضعف تدريجياً وبعد قليل تحول إلى فتور ونفور ثم إلى تخلص وقطيعة .
أما العثمانيون فقد عرفوا أهمية الساحل الأفريقي لهم بعد وصولهم إلى اليمن بقليل إذ طلب أحد الأمراء المسلمين هناك مساعدته بقوة عسكرية فأرسل أول والي عثماني في اليمن إليه ( 1540- 1545م ) هذه النجدة التي حققت له بعض النصرغير أن هذا الأمير طلب التخلص من هذه القوة بعد قليل وإعادتها إلى اليمن لأنه شعر بثقل وجودها في بلاده وقد زاد إحساس ثالث الولاة في اليمن أزدمر باشا ( 1549- 1554م ) بأهمية هذا الساحل فعمل بعد عزله من ولاية اليمن على إقناع السلطان سليمان القانوني بإرسال حملة تحت قيادته للسيطرة على ساحل البحر الأحمر الأفريقي المواجه لليمن ليتم للعثمانيين التحكم في مدخل البحر الأحمر الجنوبي , إغلاقه بوجه البرتغاليين , وقد نجح ازدمر باشا في مهمته وكون في تلك المنطقة ما عُرف باسم ولاية " الحبش " وارتبطت إدارياً بوالي جدة العثماني .
وهكذا يتضح أمامنا أن حوض البحر الأحمر قد فقد استقلاله وازدهاره الاقتصادي في أوائل القرن ( 16م - 10الهجري ) لأنه فقد ثوابته  "البحيرة , والممر"  فقد حرمه البرتغاليون آنذاك أن يكون ممراً وحوله العثمانيون إلى بحيرة فقط بعد أن فشلوا في أبعاد البرتغاليين عن حوض المحيط الهندي وقد يحتاج الأمر هنا إلى تسليط بعض الضوء على الأحداث لكي نفهم كيف حدث الانقلاب التجاري الذي أدى بدوره إلى الاستعمار الأوروبي وقد سبق أن أشرنا دوافع الأسبان والبرتغال التي قادتهم إلى البحر الأحمر كما ذكرنا أنهم غلفوا الأهداف الاقتصادية بشعارات دينية يباركها البابا ،لأنها تدور حول نشر الكاثوليكية ومحابة المسلمين وقد اتضحت أهداف البرتغاليين منذ رحلتهم الكشفية الأولى بقيادة فاسكو داجاما فقد تعامل بعنجهية وتعال مع السامري حاكم ولاية كاليكوت الهندية مما أدى إلى فشله في عقد إ تفاق تجاري معه, وكما أغرق بسفينة بضائع عربية أثنا رحلة العودة إلى البرتغال بعد أن صادر محتوياتها . وتابعت الرحلات البرتغالية السنوية إلى الهند نفس الخطة فكانت تطارد وتغرق السفن العربية أو الإسلامية أو أي سفن متجهة إلى السواحل العربية ونجحت الرحلة الثانية مباشرة في استغلال الخلاف بين السامري في كاليكوت وبين حاكم كوشن التابع له فأقامت  في الأخير قلعة ومحطة تجارية لأول مرة في تاريخ الساحل الهندي , وأصبحت أول مقر للبرتغاليين على هذا الساحل وكانت الخطوة الثانية هي تعيين " نائب ملك " في كوش لرعاية المصالح البرتغالية في المحيط الهندي فعمل " دا الميدا"  1505- 1509م على الاستيلاء على " كيلوة "و" مماسا"وهما أهم مركزين عربيين تجاريين على الساحل الشرقي لأفريقيا وقد عمل خلال إقامته في كوشن على التدخل في شؤون الولايات الهندية الواقعة على ساحل الهند الغربي وفرض عليهم فتح أبواب التجارة مع البرتغاليين بالقوة وفي أواخر عهد هذا النائب وصلت الحملة المملوكية إلى شبه جزيرة " ديو" عند أقصى شمال الساحل الهندي , وحققت نصراً في البداية على بعض السفن التي كانت تتجول امام الساحل الهندي لإحكام السيطرة على حركة السفن أمامه إلا أنها لاقت الهزيمة أمام " دا الميدا" نفسه في معركة ديو البحرية المشهورة (فبراير 1509م )وعاد قائدها إلى مصر بماتبقى من سفنه وجنوده.
وحتى لا ننزلق إلى تفاصيل أحداث تلك الفترة نكتفي بالإشارة إلى بعض أعمال " الفونسو دا البوكريك " الذي يشار إليه انه مؤسس الاستعمار الغربي في الشرق , والذي قادت أعماله حقاً إلى تحطيم كيان حوض البحر الأحمر كما سنرى . وكانت مهمة البوكريك عند وصوله لأول مرة إلى الشرق ضمن حملة كبيرة هي الاستيلاء على جزيرة  سقطرى  واتخاذ  الجزيرة مقراً له لمطاردة السفن التجارية أمام السواحل العربية الجنوبية وقد مارس أشد أنواع العنف والقسوة خلال السنوات الثلاث 1506- 1509م التي قضاها في تك المهمة فلم يتوقف عند حدود إغراق السفن وأسر من فيها لاستخدامهم في سفنه , بل هاجم الموانئ الممتدة على ساحل الجزيرة العربية الجنوبي مثل مسقط وغيرها على ساحل عمان حتى وصل إلى جزيرة هرمز فكان يضرب المدن بمدافع السفن ويخرب مبانيها ثم يحرق ما يجده من سفن ويغرقها ثم يأسر الشباب للخدمة في سفنه أما الشيوخ والنساء فكان يقطع أنوفهم وأذانهم لإثارة الرعب والانهيار في نفوس الأهالي.
  وقد استفاد البوكريك  خلال تلك الفترة من دراسة طبيعة المنطقة لذلك وضع خطة جديدة عند تعيينه نائباً للملك في كوشن  (1509- 1515م ) قائمة على أساس أن السيطرة على مراكز التجارة أفضل من مطاردة السفن في عرض البحار , وقد استولى على ميناء " جو" بالقوة  1510م وهو ذا موقع متوسط على ساحل الهند الغربي وقام بتحصينه بالقلاع  فأضعف هذا من موقف باقي الولايات الهندية الممتدة على ذلك الساحل واضطرها  إلى عقد صلح معه بل وإقامة محطات تجارية محصنة على سواحلهم وكانت هذه الولايات إسلامية وغير إسلامية من كجرات شمالاً إلى كاليكوت جنوباً – هي التي شجعت المماليك على الوصول إليهم والوقوف إلى جانبهم ضد البرتغاليين والتي ظلت تراسل سراً السلطنة الإسلامية العثمانية بعد سقوط السلطنة المملوكية وإمعاناً في تنفيذ خطته بعد أن أحكم السيطرة على حركة التجارة أمام ساحل الهند الغربي أتجه شرقاً للاستيلاء على ميناء ملقى الذي يقع عند الطرف الجنوبي لشبه جزيرة الملايو والذي  كان أكبر مركز تجاري في يد المسلمين هناك إذ كانت تجتمع فيه تجارة جزر الهند الشرقية والصين , وقد جاء في خطبته الحماسية بين جنوده " وأني على يقين لو أننا انتزعنا تجارة ملقى هذه من أيديهم لأصبحت كلاً من  القاهرة ومكة أثراً بعد عين , ولا متنعت عن البندقية كل تجارة التوابل مالم يذهب تجارها إلى البرتغال لشرائها من هناك .