كتابات | آراء

دراما الدبلوماسية الأمريكية المتوترة وأجواء الترقب !

دراما الدبلوماسية الأمريكية المتوترة وأجواء الترقب !

, يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل" ليس كل التاريخ مؤامرة ولكن المؤامرة موجودة في التاريخ !" وأقول ثمة حالة عامة من اليأس والغضب والمهانة في الشارع العربي،

بالرغم من الآمال الطموحة لكن الخذلان كان على نحو بالغ السوء.. فالنظام القديم يرفض الموت والمستقبل لا يبادر إلى الولادة، إنه زمن باعث على التيه والحيرة والأسى، قد يبدو السلام أقرب إلى الحلم والأحلام تبدو ضرورة في الأزمنة العصيبة المحاطة بأخطار جسيمة، وما من حل له نصيب في النجاح إذا لم يفتقر الثبات والرؤيا، فما الذي يتوجب الآن فعله لالتقاط الأنفاس وواشنطن تسعر نيران الحرب ؟
لقد اعتبرت واشنطن سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه نجاحا كبيرا للسياسة الأمريكية التي لعبت دورا استخباراتيا كبيرا في هدم الاتحاد السوفيتي وإدخاله في حالة فوضى لتفكيك العناصر المؤسسية وإنتاج الأزمات الإقتصادية الحادة وقد بنت على أنقاض ذلك ما يعرف بالنظام العالمي الجديد الذي قوامه القطبية الأحادية وتوسعت على إثره لتعميم تعبير العولمة فكرا وممارسة ( الليبرالية الجديدة - تحرير التجارة - تسهيل حركة رأس المال ) التي تحرسها آلات عسكرية ضخمة عبر الاحتلال ونشر القواعد في مناطق واسعة من العالم، واستمرت هذه الاستراتيجية طوال حقبة بيل كلنتون. ومنذ مجيئ بوش الابن توسعت واشنطن في استخدام المفاهيم الفوضوية مثل الحرب على الإرهاب وربط الإرهاب بالإسلام بدفع وتحريض من الشركات الكبرى والبنتاجون والمجمع الصناعي العسكري، وتبني الحروب الاستباقية بعد أن أعلن بوش أن الاستقرار لم يعد يخدم المصالح الأمريكية كحل للتعامل مع المنطقة العربية  لتفكيك النظام الإقليمي العربي، ووضع النظم في حالة قلق مستمر وتهديدها بالتغيير - أي إعادة صياغة النظم بحيث تقوم أمريكا بدور الهدم، ثم تتركها لصراعاتها الداخلية بحيث تكون الحاجة لتدخلها ضرورة لابد منها.
 فالسياسة الإمبريالية التي تقودها أمريكا بامتداداتها الأوروبية وتحديدا البريطانية والفرنسية وأدواتها في المنطقة وبخاصة الأنظمة الوظيفية الخليجية وفي مقدمتها السعودية والإمارات لمخطط مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يهدف للسيطرة على كامل المنطقة وإعادة تقسيمها على أسس عرقية وطائفية ينتج عنها كيانات وكانتونات هزيلة متناحرة تدور كلها في الفلك الأمريكي لبلقنة  الجمهوريات وتقسيمها إلى جيوب طائفية وهي ذات الأجندة التي طرحها البروفسور  الإسرائيلي الراحل" شاحاك" لتحويل إسرائيل إلى قوة عالمية من خلال نشر الفوضى وإعداد المسرح في الشرق الأوسط للهيمنة الاسرائيلية. وفي مقاربة مع هذه الاستراتيجية تأتي رؤية الأكاديمي الأمريكي زبغنيو بريجنسكي قبل أن يصبح مستشارا للرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي في كتابه بين عصرين الصادر في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي الذي دعا فيه إلى الاعتماد على الأصوليات الدينية لمواجهة الخطر الشيوعي، كما دعا لهيمنة رجال الدين وإشعال حروب الأديان والطوائف وتقوية التيارات الدينية التي لا ترى العالم إلا من زاوية الدين والخلافات الدينية، أي اللعب على وتر الدين ليكون هو المدخل المناسب لتنفيذ المشاريع الأمريكية الصهيونية  في استراتيجية الفوضى الخلاقة المنسوبة لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس التي تتقاطع مع ما تم الإشارة إليه ومع مقولات  "الجديد على أنقاض القديم عند نيتشه" وهي أيضا العقيدة الاستعمارية البريطانية العتيقة فرق تسد ، لكن أمريكا تعمد إلى تفريغ هذه المقولات من مضامينها وتعيد شحنها بخطط وسياسات لتبني سياسة التفكيك، وكان " ناتان تشارنسكي" اليهودي الروسي قد لجأ إلى إسرائيل وعمل في الحكومة الأمريكية، وفي كتابه " القضية في الشرق الأوسط " تبنى فكرة مبدأ الهدم للوطن العربي الذي لا يراه إلا أقليات دينية وعرقية متناحرة، وذهب الرئيس السابق بوش إلى أن هذا الكتاب ما هو إلا جوهر السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
لكن من الخطأ النظر إلى امتدادات أمريكا في الخارج باعتبارها مجرد استنزاف لاقتصادها على العكس فالموارد الخليجية التي تذهب إلى البنوك الأمريكية تشكل الأعمدة الجوهرية في الاقتصاد الأمريكي، وهي مثل بريطانيا التي سبقتها أمة تجارية وتبادلية تحتاج إلى مناخ عالمي مستقر مفتوح لكي تنتعش فيه وقد كثر الخصوم والمنافسين وذلك ما استوجب على واشنطن إعادة قراءة دورها  أمام مغامراتها فهناك الطرق البحرية غير الآمنة والشركاء والمنافسين التجاريين الذين علا سقفهم، وأسعار النفط المتقلبة وانعدام الاستقرار الإقليمي المتفجر بالأخطار المحدقة .
الإشكالات الخارجية أضحت خطرا على أمريكا نفسها وعلى الدول التي تنهب مواردها، ولن تستطيع أمريكا دعم موقفها كقطب أحادي في الجوقة التي تفتعلها مع كوريا الجنوبية والهند واليابان وتايوان وهونج كونج في التحشيد ضد الصين، فهؤلاء ليس حالهم كحال العصابة الأوروبيين التي استنفدت طاقتها في المؤامرات على حساب مشاريعها الحضارية.
لقد استغرقت أمريكا من الزمن ما يكفي لتعتاش على اقتصاديات العالم وتبخترت في القوة على حساب نهب وقهر واستبداد العالم وتقطيع أوصاله، واعتمدت على دول الخليج في إسناد هذه التوجهات السياسية بتسخير الثروة النفطية والفائض المالي لدعم  المخططات الأمريكية سواء من خلال استثمار عائدات النفط أو الحصول على الأموال الفائضة واستخدام ذلك كله لتقوية المركز الأمريكي أمام أوروبا الغربية والعالم.
توصيف أزمة الأنظمة العربية يحمل الكثير من النقاط المشتركة وأهمها التسلط واحتكار السلطة والاستبداد والفساد وتكميم الأفواه بالقبضة الأمنية، وتهافت برامج وخطط التنمية وتداعياتها الوخيمة على مستويات العيش والإفقار المتزايد ومستويات متفاوتة من التعليم والتحصيل العلمي والثقافي تجعل المعطيات مختلفة من مجتمع عربي إلى آخر ومن دولة عربية إلى أخرى .
 ويؤدي الكيان الصهيوني دورا هاما كأداة إرهاب وورقة ضغط ومساومة بيد الامريكان لتأدية وظيفة الإنقسام العربي وحماية الأنظمة الموالية لأمريكا لتفجير النزاعات الطائفية وإثارة النعرات العنصرية ومن هنا كان ثبات السياسة الأمريكية في دعم الكيان الصهيوني بكل الوسائل وتشجيعه على شن الحروب والتهديد بها لاضعاف العرب وتخويفهم وإجبارهم على السير في ركب أمريكا.
  ولابد لنا من أجل استكمال الإحاطة بالموضوع القول بأن النظرة إلى موضوع الإمبريالية في عالمنا الراهن يختلف حسب المنطلق الاقتصادي والسياسي والفكري والجغرافي والقومي،
فالبلدان الرأسمالية وأنصار النظرة الرأسمالية يرون أنها ممارسة طبيعية《 للاقتصاد الحر》ويسبغون عليها صفة الرسالة بينما يرى آخرون أن ذلك ممارسة جديدة انطلاقا من التطور الصناعي والاقتصادي الرأسمالي ومصالحه القومية وإقامته علاقات لا تتسم بالتكافؤ مع دول العالم الأخرى، وضلوعه إلى تقاسم النفوذ في العالم .
وفي دول العالم الثالث تنطلق النظرة إلى الإمبريالية من واقع المعاناة من نتائجها ومن كون النظام الإمبريالي نظاما عنصريا استغلاليا يستهدف الاستعباد واستلاب الإرادة والكرامة والحرية والحفاظ على التبعية والتخلف وهي تعتبر علاوة على ماتقدم بالنسبة للعالم الثالث بمثابة محاولة دائمة ومتجددة للهيمنة الأمريكية والنهب الرأسمالي الدولي كحرب دائمة لكبح أي توجه عربي نحو الازدهار واغراقهم بالتسلح ونهب الأموال والثروات سواء بواسطة الشركات الاحتكارية أو مصادرة المال العربي أو زرع الكيانات والدويلات المصطنعة أو إثارة النعرات والخلافات المفتعلة أو دعم الطبقات الطفيلية للسيطرة على مقاليد الأمور وهدر الثروات وتوجيه المجتمعات العربية في طريق المجتمعات الاستهلاكية بعيدا عن مستلزمات البناء والتطور والشخصية الحضارية القادرة على المساهمة في ركب الحضارة الإنسانية .
ما يظهر على الدبلوماسية الأمريكية في إدارة الأزمات اتخاذ القرارات السريعة لمواجهة التحديات والتطورات والنزاعات والصدامات للحفاظ على مصالحها وحلفائها لمنع الإخلال في موازين القوى لتجنب احتمالات المجابهة.
ونعني هنا بالدبلوماسية الأمريكية هي محاولات الاستمرار في السيطرة على المبادرات التي تحرك العمليات السياسية البنيوية لتتواءم مع الأهداف العليا لأمركة العالم فإذا كانت الأنظمة غير مهيأة للقيام بالوظيفة المطلوبة يصبح إخراجها من دائرة الفعل بتدميرها وجعلها في حالة نزف مستمر حتى تذعن لاشتراطاتها.
وتمارس الدبلوماسية بالمعنى الخطير لكبح أي تطور وبالذات في تلك الدول التي لا تتفق ومع التوجهات السياسة الأمريكية.
 وفي هذا الصدد يرى وزير الدفاع الأمريكي لويد اوستن التطور الحاصل في الصين مشكلة كبرى بالنسبة لأمريكا  بعد أن تجاوزت المنتجات الصينية الصناعية والتقنية والعسكرية بالأرقام الصناعات الأمريكية، وهذا التفوق اللافت جاء في اعتراف وزير دفاع أمريكا في مؤتمر صحفي خلال زيارته إلى اليابان فيقول:" لقد ازدادت الصين قوة أثناء انشغالنا بالشرق الأوسط فقامت الصين بتحديث جيشها واعتبر أن بلاده كانت مضطرة للانشغال بالشرق الأوسط، لكن الصين تمكنت من تقليص الفجوة في القوة العسكرية، وباتت أكثر عدوانية في شرق آسيا، وشدد على ضرورة الحفاظ على تنافسية عالية أمام العملاق الآسيوي أو أي طرف آخر يريد تهديدنا أو تهديد حلفائنا، كما أكد على مشاركة اليابان قلقها من السياسات والممارسات الصينية.
وتأتي زيارة أوستن إلى طوكيو بعد أيام من قمة غير مسبوقة جمعت قادة الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، وهي دول سعت على مدار سنوات لتشكيل حالة تنسيق مكثف ضد الصين على ذات السياق تأتي زيارة وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن إلى قاعدة أوسان في كوريا الجنوبية، بعد أن رفضت كوريا الشمالية الرد على الإدارة الأمريكية بخصوص الصواريخ الباليستية، وفي الوقت الذي  يجري فيه وزير الخارجية الأمريكية مباحثاته مع الصين في الاسكا حول قضايا عديدة من بينها ملف كوريا الشمالية وإيران وافغانستان، وعلى ذات السياق تتناقض المواقف الدبلوماسية مع هذه المساعي   مع طلب وزير الدفاع الأمريكي الذي يزور الهند للبحث عن سبل مواجهة التمدد الصيني في المحيط الهندي، بينما تتعامل مع إيران لفرض مزيد من  القيود لمنعها  من انتاج الأسلحة الباليستية وتطوير البرنامج النووي، إلا أن طهران جددت رفضها للاتفاق النووي في الصيغ الجديدة التي تريدها واشنطن .
لقد ظلت بلدان الخليج لعقود طويلة بحيرة آسنة للاستقرار السياسي فبنت شرعيتها على ثقافة سياسية قائمة على الطاعة والولاء في أبنية السلطة على حساب  قيم العدالة بمفهومها الشامل، لدعم أسس هذه الأنظمة الثيوقراطية في ظل المكانة العليا التي احتلها المشائخ والفقهاء وسطوة الشرطة الدينية، وأخذت العائلة المالكة على الاستحواذ الكلي لمداخيل الريع النفطي والرشا السياسي الخارجي على جله كان أحد المصادر المهمة لدعم الاستقرار الاجتماعي والسياسي فلم تعرف السعودية خلال أكثر من نصف قرن انتفاضات اجتماعية على غرار ما شهدته تونس ومصر والأردن والجزائر فيما يعرف بانتفاضات الخبز، أو ثورات الربيع العربي التي حدثت في بعض الأقطار العربية كل ذلك فرض سلما اجتماعيا في ظل غياب طبقة عاملة أو صراع عمالي تغذيه النقابات أو الأحزاب السياسية  التي مازالت في عدة بلدان عربية ممنوعة ومنها دول الخليج رغم ضخامة المال، فالعمال ينشاؤون على هامش الحياة الاقتصادية ويعملون في الأعمال غير الإنتاجية في خدمة الطبقة البورجوازية والعائلات المالكة وبالتالي يتعرضون للتعامل معهم كسائر السلع، إذ لم تعتمد البلدان العربية سياسة تصنيع عقلانية لتوطين التكنولوجيا واستخدامها في بناء نهضة صناعية وهي بأمس الحاجة إليها لإيجاد فرص عمل لملايين الشباب الذين نالوا تأهيلا عاليا  من أرقى الجامعات خارج أوطانهم، وامتلكوا مهارات تقنية كبيرة تساعدهم على تطوير البنى الاقتصادية في بلدانهم. وقد أدى تجاهل الأنظمة لدور الشباب وقدراتهم العلمية والتقنية إلى هجرة كثيفة للأدمغة العربية من دول الشرق الأوسط إلى خارج بلدانهم وتفجير انتفاضات شبابية طالت عددا من البلدان لتغيير الأنظمة الفاسدة فيها .
فالطبقة البرجوازية السعودية  التي جاءت من البوادي والعشائر القبلية ارتبطت تاريخيا بالمدينة ونشأت لتصبح جزءا من العائلات المالكة في زمام القيادة الاقتصادية والسياسية واستفادت استفادة قصوى من النظام الرأسمالي في قوة تملك الثروات العقارية والشركات الكبرى، ومع ذلك لم تسلم من الأزمات الإقتصادية التي عرفتها المنطقة تأثرا بالأزمة المالية العالمية مع انخفاض أسعار النفط وجائحة كوفيد-19 وارتفاع نفقات التسلح وغيرها، وقد دفعت الأزمات دول الخليج وعلى رأسها السعودية إلى إجراءات تقشفية حادة كان لها الأثر السلبي على مواطنيها في تفشي البطالة، وتدني خدمات الصحة، والتعليم وارتفاع نسب الفقر والبطالة والهشاشة في البوادي والقرى وضواحي المدن الفقيرة ليبقى الوضع الاجتماعي مصدرا للتهديدات الأمنية الداخلية على الأقل في مثل هذه المناخات، بالاضافة إلى التهميش المتعمد للفئات الواسعة من السكان يتميز بعدم الإنصاف في القضايا العادلة وقضايا حقوق الإنسان، والانحياز الواضح إلى إسرائيل إلى جانب المؤامرات التي تحاك لتقسيم سوريا والعراق والسودان واليمن وغيرها من القضايا الخطيرة كالتنسيق مع إسرائيل والدفع ببعض الأقطار لتطبيع العلاقات معها على حساب القضية الفلسطينية .
ومع صعود الشيعة إلى السلطة في العراق وسطوع نجم حزب الله في عدة محطات تاريخية كتحرير الجنوب اللبناني وحرب يوليو 2006م بدا وكأن الشيعة يعبرون بأشكال مختلفة عن مطالب اجتماعية وسياسية وحقوقية فإن تمادي بلدان الخليج في تجاهل التعاطي السياسي والاجتماعي مع هذه المشكلة ستدفع تلك المجموعات إلى المطالبة بحقوقها المجتمعية والسياسية، وقد تستثمر حساسيات المنظمات العالمية لحقوق الأقليات فترفع من سقف احتجاجها بشكل مرئي كما حدث في البحرين وتكون موضوع تعاطف عالمي بينما تعاملت السعودية معها بقوات درع الجزيرة.
هذه المسألة تدعو إلى تدعيم المساواة بين جميع الأفراد والمجموعات على قاعدة المواطنة واحترام حقوق الإنسان فهم يشكلون أبناء الوطن الواحد وهم عرب وسكان أصليون . هذه الانتهاكات هي من أبجديات معالجة المشاكل أما مواصلة تجاهلها والاتكاء على نظرية المؤامرة فهو إما أن يكون ناجما عن كسل فكري يعوق عن التحليل السليم أو المكر السياسي المتغطرس المتجاهل لمن حوله ستكون نتائجه وخيمة إن تمادى واستفحل.
اليوم على صناع القرار السياسي في الخليج التعاطي الايجابي مع تلك التحديات وهذا متعلق بالنخب الخليجية الاستماع إلى صخب المحيط الهادر وتأويله التأويل الصحيح والتقاط فهمه وفك شفرته،  فهذه المناخات المعطلة للحريات قد سئمها الشارع العربي. ثمة  ثقافة سياسية جديدة تتشكل ونخب سياسية ينبغي أن تكون أكثر جرأة وشجاعة لفرض استحقاقاتها على صناع القرار في الأنظمة العائلية لإصلاح نفسها من الداخل حتى وإن كان ذلك بعملية جراحية مؤلمة فذلك عربون صداقة مع شعوبها بالابتعاد عن الخيارات الضيقة العائلية والمناطقية والفئوية والمذهبية وأمام القوى السياسية الناشئة رغم هشاشتها استثمار المناخ العالمي الملائم لتشكيل المكونات السياسية وخصوصا وأن الربيع العربي قد وضع حدا لنظرية الاستعصاء الديمقراطي أو الاستثناء من ذلك مهما بلغ مستوى الخنق  السياسي. وفي اعتقادي حان الوقت للفئات المثقفة أن تتبنى خيارات العمل الديمقراطي للنضال السياسي السلمي مع بقية المكونات من أبناء شعوب المنطقة للمشاركة في إدارة شؤون أوطانهم.
تبدو الدبلوماسية الأمريكية بين مواقفها المتذبذبة لإيقاف الحرب رغم إعلانها لذلك وبين المناورات السياسية  للمبعوث الأمريكي إلى اليمن ليندركينغ  وتعديلات على الخطة الأممية لوقف إطلاق النار، ومنها تثبيت حق التحالف في تفتيش الطائرات الذاهبة والقادمة من مطار صنعاء بعد إعادة فتحه وفقاً للخطة المقترحة التي وصفها ليندركينغ بالمتماسكة وعدم الاعتراف بوثائق السفر التي يجري إصدارها في صنعاء من جانب الحوثيين.

وردت حكومة صنعاء رفضها لهذا المقترح الذي يتضمن الأجندات السعودية وليس وجهة نظر واشنطن للسلام.
وقال رئيس الوفد المفاوض عن سلطة صنعاء محمد عبدالسلام أن المقترح الذي قدمه المبعوث الأمريكي لليمن  ليندركينغ لم يحمل أي جديد، معتبراً أن المبادرة تمثل الرؤية السعودية والأممية منذ عام.
وأضاف أن المقترح الأمريكي ليس فيه وقف للحصار، ولا وقف لإطلاق النار، ويحمل التفافات شكلية تؤدي لعودة الحصار بشكل دبلوماسي.
وقال أن تقديم الأمريكيين للشروط التي سبق للسعودية تقديمها كمقترح أمريكي يؤكد أن أمريكا تثبت مجدداً أنها تقف خلف العدوان والحصار بشكل صريح.
وكانت الخارجية الأمريكية قد دعت يوم الجمعة لوقف فوري لإطلاق النار في اليمن عقب الهجوم العنيف التي شنته صنعاء على منشأة مصافي تكرير النفط التابعة لشركة أرامكو في العاصمة السعودية الرياض داعية جميع الأطراف إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، معلنة في وقت سابق من ذلك أن السعودية وحكومة هادي مستعدتان للاتفاق على وقف إطلاق النار.
 هذا الإعلان الذي جاء على لسان الخارجية الأمريكية ولم يأتِ على لسان حكومتي هادي والرياض اللتين يفترض أنهما المعنيتان بالحرب وهو ما يؤكد أن قرار وقف الحرب بيد الولايات المتحدة الأمريكية.
ورغم ذلك لم تتجاهل سلطة صنعاء تصريحات الخارجية الأمريكية ودعوتها، إذ سرعان ما أعلن عضو مجلس الرئاسة في صنعاء محمد علي الحوثي عن مبادرة وُصفت بالإيجابية في تجاوبها مع الدعوات الأمريكية التي لا تزال حتى اللحظة مجرد تصريحات، ودعا  “دول العدوان الأمريكي البريطاني السعودي الإماراتي وحلفائه” دعاها إلى وقف إطلاق النار الشامل في عموم الجمهورية اليمنية والحدود وفك الحصار، وأضاف في تغريدة على حسابه بتويتر أن تكون أول خطوات فك الحصار إدخال جميع السفن المحتجزة خلال الثمانية والأربعين الساعة القادمة هو ما سيثبت لصنعاء أن هناك جدية أمريكية للسلام وإيقاف المأساة الإنسانية.

هذه المرحلة التاريخية العصيبة التي تشهدها اليمن في ظل هذا العدوان الغاشم
 تتطلب مساندة المجتمع الدولي لوقف العدوان ورفع الحصار ومغادرة الأغراب أراضي اليمن واحترام السيادة اليمنية ككيان سياسي وجغرافي واجتماعي مستقل ومتكامل غير قابل للتواجد العسكري الأجنبي والتدخلات الخارجية والوصايا والحذلقات السياسية، ذلك ما سيشرع لبدء مرحلة جديدة في إعادة تطبيع الحياة وقابليتها لشروط الحوار وفق رؤية وطنية مستقبلية تشاركية لوضع خارطة بناء البيت اليمني الجديد الذي يعيش ويتعايش فيه كل اليمنيين تحت سقف واحد في مشروع حضاري وحدوي نهضوي وبدون ذلك فإن الفشل المبكر للدبلوماسية الأمريكية المنحازة لربيبتها السعودية هي تلك النتيجة المخيبة للسلام.

أخبار الجبهات

وسيبقى نبض قلبي يمنيا
لن ترى الدنيا على أرضي وصيا