بمناسبة الذكرى الـ58 لثورة 14 اكتوبر:ثورة أكتوبر رسخت مفاهيم وطنية عظيمة لشعب قاوم المستعمر

بمناسبة الذكرى الـ58 لثورة 14 اكتوبر:ثورة أكتوبر رسخت مفاهيم وطنية عظيمة لشعب قاوم المستعمر

يستلهم شعبنا منذ سبع سنوات من تضحيات شهداء ثورتي سبتمبر واكتوبر رمزية النضال وملحمة الكفاح
  إن تفجير ثورة ال14 اكتوبر عام 1963م من جبال ردفان كان ايمانا بالنضال والكفاح المسلح كطريق وحيد لتحرير الجنوب من الاستعمار الإنجليزي

وقوى الحكم السلاطيني العميلة للمحتل
لم يأت تفجير الثورة اكتوبر كصدفة بقدر ما أتت تتويجا لنضال شعبنا عبر مراحل تاريخية طويلة من الكفاح وكتعبير عن كل تلك المعاناة التي كان يعانيها شعبنا فكان لتصعيد الكفاح المسلح على امتداد جنوب اليمن من عمر الثورة حتى نال استقلاله.

طلائع النضال
كان لنضال جماهير شعبنا اليمني في الشطر الجنوبي من الوطن بقيادة الجبهة القومية التي تبنت الكفاح المسلح وقادت حرب التحرير الشعبية حتى النصر معتمدة على جيش التحرير الشعبي في الأرياف والمكونات القبلية وفدائي الجبهة القومية في عدن ونضال الحركة الجماهيرية والنقابية والطلابية والشبابية والنسائية كانوا في طلائع النضال البطولي منذ انطلاق اول شرارة الثورة في 14 اكتوبر 1963م من جبال ردفان. وقد ظهرت في بداية الثورة ومع استمرارها خلال خمس سنوات من عمرها حتى جلاء المستعمر ازدياد التمايز بين القوى التي انضوت في إطار الكفاح المسلح أو المناصرة له وبين تلك القوى التي وقفت الى جانب المستعمر المقالات القصيرة والتحليلية في الصحف الصادرة في مدينة عدن وفي العاصمة البريطانية لندن تصف الهجمات المكثفة لثوار الجبهة القومية بكونها تمردات قبلية لن تلبث القوات الإنجليزية أن تخمدها بسرعة.
ووصفت الصحف البريطانية الثوار بأنهم ( قطاع طرق) وكان الهدف من ذلك عزل مناضلي الجبهة القومية عن الشعب اليمني ومحاولة تمزيق صفوف المناضلين وتضليل الرأي العام الداخلي والخارجي ومنع قوى تقدميه من مناصرة الثورة دوليا ثم تعزيز التحالف البريطاني مع القوى المحلية التي ساورها الشك في قدرة السلطات البريطانية على وضع حد لهذا الكفاح المسلح الذي لم تعرفه من قبل .

تأييد موسكو
فيما كان اهتمام الاتحاد السوفيتي بقضية تحرير الشعب اليمني قد بدأ منذ انتصار ثورة 14 اكتوبر 1963م من خلال مرسوم السلام الشهير وحق الشعوب في تقرير مصيرها الذي أصدره لينين الذي قاد ثورة البلاشفة عام 1917م . ووقوف الاتحاد السوفيتي في المحافل الدولية دفاعا عن قضايا الشعوب العادلة دليل على اهتمامه ومساندته لثورة 14 اكتوبر من اجل جلاء الاحتلال الانجليزي من جنوب اليمن ووجود الخبرات السوفيتية في الجيش اليمني بشمال اليمن بعد ثورة 26 سبتمبر1962م فقد كانوا يتابعون سير العمليات القتالية لثوار الجبهة القومية ضد المحتل الانجليزي إضافة الى الدور الذي لعبه الطلبة الذين يدرسون في كليات ومعاهد الاتحاد السوفيتي في اطلاع الشعب السوفيتي عن تجربة ثورة جنوب اليمن
فيما يشير محمد سعيد عبدالله في كتابه ( عدن كفاح شعب وهزيمة امبراطورية ) في عام 1966م وابان اشتعال الثورة وفد إلى عدن بطريقة سرية بعثة عسكرية من كوبا الاشتراكية وظلت هذه البعثة في منطقة التواهي والشيخ عثمان وتجولت في مناطق العمليات العسكرية في مدينة عدن واطلعت عن قرب على تجربة حرب التحرير الشعبية في جنوب اليمن .

المصير المشترك
لقد تجاهل المحتل الإنجليزي عمق المتغيرات التي احدثتها ثورة 26 سبتمبر 1962م على ساحة اليمن كلها وانها فتحت المجال واسعا لعملية الترابط النضالي لقوى الثورة اليمنية وتحول شمال اليمن إلى قاعدة إسناد لثورة 14 أكتوبر. بينما أدرك الثوار ان مهام حماية نظام الثورة والدفاع عنه من خلال امتداد الثورة تجاه الجنوب لكبح التآمر لتحريره من الاحتلال الاستعماري البريطاني والعملاء الذين ارتبطوا به . ووجد الثوار دعما بأشكال مختلفة من قبل المسؤولين عن المناطق المتاخمة للمناطق الجنوبية كمحافظة تعز ومنطقة قعطبة التابعة لمحافظة إب ففي 5 يونيو 1963م عاد المناضل راجح بن غالب لبوزة ومجموعته من جبال الشرفين بحجة بعد مساندتهم للثورة الام سبتمبر وفي نفسه الحماس لتفجير ثورة في الجنوب تكون امتداد لثورة 26 سبتمبر.

بيان الثورة
ولما علمت السلطة البريطانية بعودة مجاميع من المقاتلين من شمال الوطن أمرتهم بتسليم أسلحتهم او تعرضهم لدفع غرامة مالية كبيرة وهو ما جعل المقاتل لبوزة ورفاقه يلجأون إلى الجبال . وفي اوائل اكتوبر تسلم المقاتل لبوزة رسالة انذار من الضابط السياسي البريطاني المستر (ميلان ) جاء مضمونها ( عليكم عدم العودة إلى الشمال وان عليكم وجماعتكم تسليم أسلحتكم وإلا ستدفعون غرامات باهظة ) وكان رد المناضل لبوزة على القوات البريطانية أن لا تتحرك ثلاثة كيلو مترات من معسكر الحبيلين ووضع في الرسالة طلقة رصاص ) . فكانت هذه الرسالة بمثابة بداية للتصعيد العسكري ففي الساعة الثالثة بعد ظهر 13 اكتوبر تقدمت قوات بريطانية تعززها المدافع الثقيلة نحو وادى المصراح بقيادة الضابط المستر ميلان فتحركت مجموعة المقاتلين يتقدمهم لبوزة إلى جبل (البدوي ) رأس وادى المصراح ( حيد ردفان ) حيث وضع مع رفاقه خطة المواجهة .
وفي صباح 14 اكتوبر1963م نزلت المجموعة بقيادة المناضل غالب راجح لبوزة إلى الوادي لصد القوات البريطانية المتقدمة حيث دارت معركة ضارية بينهم وبين القوات البريطانية دامت أربع ساعات من الساعة الثانية عشرة ظهرا حتى الرابعة عصرا أسفرت عن تراجع القوات البريطانية وإصابة المناضل لبوزة بثلاث شظايا فظلت جراحه تنزف حتى فارق الحياة , وفي مساء 14 أكتوبر 1963م أعلنت الجبهة القومية في بيان لها عن معركة ردفان بأنها انطلاقة لثورة التحرير وان المناضل لبوزة أول شهيد على طريق الحرية لتشمل تلك الثورة فيما بعد كل المحميات الغربية والشرقية ولتصل تلك الثورة ومعركتها إلى المستعمرة عدن قلب الادارة الاستعمارية البريطانية وحصنها المنيع .

 بوابة الاستقلال
لم يدرك المحتل لخطورة العمل المسلح في الريف فهو مستعدة لمقاومته سنوات طالما أنه لم يمتد الى عدن التي كانت بمثابة عروسة في البحر العربي .لذلك كانت عدن مركز اهتمام الجبهة القومية بوصفها المركز الاستراتيجي للقوات الانجليزية ومركزا لمصالحها الحيوي وهي المنفذ الإعلامي الذي كان المستعمرون يضللون ابناء الشعب والرأي العام الخارجي عن الحياة السائدة في جنوب اليمن كما كان لعدن أهمية استراتيجية عسكرية بالنسبة للمحتل الإنجليزي ولذلك شكل نقل العمل العسكري الى مدينة عدن انعطافا استراتيجيا لتنظيم الجبهة القومية والثورة محليا ودوليا فقد شكل العمل العسكري ضد المحتل في عدن عاملا حاسما في انهاء الاحتلال الانجليزي وساعد على إرباك القوات البريطانية وتخفيف الضغط على العمل العسكري في الريف وتشتيت قوات الاحتلال . واعطاء روح معنويه لثوار ومناصريهم بان الثورة قد انتقلت إلى عدن مما سيشكل حالة هستيرية سياسية وعسكرية للمحتل البريطاني وهو يرى ان معقله ومقر حكومته باتت تحت تهديد الثوار. وخلق وزن وثقل جديد للجبهة بين صفوف الشعب اليمني وعلى الصعيد العربي والدولي وبالمقابل خلق هالة من الذعر والخوف والقلق داخل صفوف الإدارة الاستعمارية وعملائها فكانت جبهة عدن تحول في مسار ثورة 14اكتوبر المسلحة وبداية الطريق نحو تحرير جنوب الوطن فابتداء من ديسمبر 1964م شملت الحرب المسلحة وبشكل مباشر مدينة عدن ويمكن اعتبار الانفجارات التي حدثت في مطار عدن في 10 ديسمبر عام 1964م والتي كان من نتائجها قتل مساعد القائد الأعلى لعدن واصابه القاعد الأعلى نفسه ( كينيدى تريفاسكس ) و22 اخرين . لتستمر نضالات الثوار ووهج الثورة خمس سنوات سمن المقاومة الشعبية حتي جلاء اخر جندي بريطانيا في 30 نوفمبر 1967م بعد تضحيات جسيمة وكبيرة وبطولات وطنية عظيمة وملحمة تاريخية لشعب قاوم المستعمر. ومازال شعبنا اليمني العظيم الموحد ارضا وانسانا يتوق للحرية والاستقلال ورافض الوصايا الخارجية والهيمنة البغيضة والمشاريع الاستعمارية القديمة والحديثة وهو يواجه محتلون جدد منذ سبع سنوات حيث يستلهم من تضحيات شهداء ثورتي سبتمبر واكتوبر المجيدتين رمزية النضال وملحمة الكفاح الوطني ويجسده وحدوية الهوية والوطن الواحدة وعراقة تاريخه ومجد حضارته ضد المستعمرون الجدد بمشاريعهم الاستعمارية الطامعة بموقع اليمن وثرواته.