الأخبار

اللعبة الكبرى ... سيناريو استعماري يعود !

26 سبتمبرنت /علي الشراعي ..

حينما يدرك المحتل أن الغزو المباشر واستمراره قد يؤدي إلى نزاع عام وتنافس دولي ومقاومة وطنية فيستبدله بقوى محلية عميلة تقوم بدور آليات تلك اللعبة الكبرى في إقامة نفوذ له باقل تكلفة وتكسبه نفس الفوائد الاستراتيجية  والسياسية والعسكرية والاقتصادية .

اللعبة الكبرى ... سيناريو استعماري يعود !

إن تعبير اللعبة الكبرى فن استعمله الضباط الإنجليز لأول مرة عندما كانوا يحاولون مد نفوذ بلادهم في أفغانستان وآسيا الوسطى في وجه التوسع الروسي في تلك المناطق في القرن التاسع عشر .

منافسة استعمارية

منذ أوائل الخمسينات من القرن الماضي تبنت بريطانيا فكرة اتحاد المحميات في جنوب اليمن  لعدة أسباب تتمثل في المتغيرات السريعة التي لحقت بها وأدت إلى انحسار نفوذها في منطقة الشرق الأوسط وتضاؤل دورها رغم خروجها من الحرب العالمية الثانية  منتصرة وقوة مهيمنة في المنطقة. إلا أن ذلك لم يدم طويلا حيث فقدت الكثير من نفوذها بعد الحرب عندما استقلت الكثير من مستعمراتها خاصة الهند في عام  1947م  وما تبع ذلك من استقلال معظم مستعمراتها في الشرقين الأقصى والأوسط . فالمحميات تشكل مع عدن جزءا لا يتجزأ من الوجهة العسكرية للدفاع عن الخليج العربي وأفريقيا والمحيط الهندي وبحر العرب حتى استراليا إضافة إلى أهميتها الاقتصادية المتمثلة بثروتها المعدنية والزراعية. فضلاً عن أن عدن تعد في المركز الأول لتصفية النفط البريطاني. كما شكلت عدن أهمية تجارية لأنها الميناء الوحيد المفتوح بين موانئ البحر الأحمر الغربية والشرقية والسوق المفتوحة لترويج السلع الانجليزية ومحطة تموين وصيانة للسفن الحربية والملاحية على الطرق البحرية المهمة، وقاعدة عسكرية مهمة وأحد مراكز السيطرة البريطانية على مياه المحيط الهندي، كما أن مطارات المحمية الداخلية تتيح لبريطانيا مع قاعدة عدن أن تكون نقاط انطلاق للطائرات البريطانية عند اشتباك بريطانيا في حرب في منطقة الشرق الأوسط .

 وقد زاد من هذه الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية مع تقلص النفوذ البريطاني المباشر في الشرق الأوسط والمحيط الهندي وبروز الدور الأمريكي والشيوعي في المنطقة  قلق الحكومة البريطانية ابتداءً من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أواسط الخمسينيات وخالجها الخوف من وقوع النفط في أيدي دول عربية عندما يتحقق شكل من أشكال الوحدة السياسية بين الدول العربية أو في يد الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة الأمريكية . وعليه سعت السياسة البريطانية لفرض مشروعها الاستعماري بما يتلاءم مع مخططاتها فقد حاولت صياغة ترتيب سياسي وفقا لمتطلبات مصالحها الاقتصادية والعسكرية يكون قادرا على كبح أي تهديد وطني وكانت اللعبة السياسية تتمثل في اقامة كيانات ودويلات في جنوب اليمن  ليشكل الضغط السياسي المحافظ على المصالح البريطانية وقد سار مشروع ما يسمى ( اتحاد إمارات الجنوب العربي ) بجنوب اليمن بخطي وئيدة حيث طرح لأول مرة بشكل رسمي 7 يناير 1954م .

مشروع انفصالي

ومن جانب آخر زادت الضغوط الخارجية المؤيدة لمعارضي الاتحاد ثم ما لبثت الجامعة العربية أن شجبت المشروع ووصفته بأنه نوع من الاستعمار الجديد ورفعت القضية إلى مجلس الأمن. وقد عقد حاكم عدن عدة جلسات مع حكام الإمارات غير أن رابطة أبناء الجنوب رفضت المشروع جملة وتفصيلا على أساس أنه مشروع انفصالي يهدف إلى تجزئة اليمن إلى دويلات تسير دائما وأبدا في فلك السياسة البريطانية المتقلبة.

 وقادت الرابطة حملة شعواء على التوجه البريطاني ونجحت في تكوين جبهة وطنية معارضة لدعوة الحكم الذاتي لعدن وفصلها عن المحميات، وتبنت قيام حكومة قومية في عدن تكون ولاية ضمن ولايات اتحاد الجنوب العربي المستقل، والخاضع لحكومة ديموقراطية شعبية مركزية، وتأكيد أن على أن شعب ولايات اتحاد الجنوب العربي المستقل جزء من شعب الجنوب العربي الكبير، وله حق تقرير المصير، وإنها لا تعترف بأية خطوة تقوم بها السلطات البريطانية أو سلاطين الجنوب لا تتفق والمبادئ السابقة. وقام حاكم عدن بإجراءات عنيفة لوقف نشاط المعارضين للاتحاد، فقام بنفي رئيس الرابطة محمد علي الجفري 23 أغسطس 1956 من عدن بتهمة قيامه بنشاطات تحريضية. وبعد فترة وافق حاكم عدن على عودته فأصدر قرار العفو عنه بشرط أن يبقى في لحج ويمنع من دخول عدن ويتوقف عن مزاولة أي نشاط سياسي.

ومع نشاط الرابطة في المحميات لمعارضة الاتحاد أرسل حاكم عدن الإنجليزي (لويس ) قوة عسكرية لاحتلال لحج عسكريا وإلقاء القبض على الجفري وأخويه عبدالله وعلوي، وكان يعتقد أن لحج تشكل رأس الحربة في معارضة قيام الاتحاد وقد نجح كل من محمد وعلوي الجفري بالهرب في حين قبضت السلطات البريطانية على عبدالله الذي نفي إلى جزيرة سقطرى. وتبع ذلك خلع بريطانيا للسلطان علي عبدالكريم سلطان لحج وسحب اعتراف بريطانيا به سلطاناً على بلاده في 10 يوليه 1958م. وقد كان لهذه الإجراءات أثرها إذا أدرك الجميع أن أي سلطان أو أمير يخرج عن إرادة الحاكم معرض للخلع في أي لحظة مهما كانت شعبيته.

المتغيرات الاقليمية

ومن جانب آخر حتم الوضع العام في الشرق الأوسط على الحكومة البريطانية الإسراع في تنفيذ الاتحاد لعوامل عديدة منها الزخم الثوري الذي أعقب الوحدة بين مصر وسورية عام 1958م وتعزز وضع الرئيس المصري جمال عبدالناصر وبلوغ المد الثوري العربي الوحدوي ذروته والتنسيق الذي تبعه ممثلا في اتحاد الدول العربية بانضمام اليمن الشمالي آنذاك إلى الاتحاد ليوجد في جنوب شبه الجزيرة العربية وضعا جديدا بالنسبة لحركة التحرير وإمكاناتها . وبالنسبة للاستعمار البريطاني ومخططاته فقد بات في وسع العناصر الوطنية التي أخذت تشدد من مواقفها العدائية تجاه بريطانيا أن لا تتطلع إلى الحكم في اليمن بل إلى الحركة القومية العربية التي يقودها عبدالناصر والتي بدأت في 1958م وكأنها على وشك ضم الوطن العربي كله فيه المواقع التي تسيطر عليها بريطانيا في جنوب اليمن ومما زاد الخوف والتهديد بالخطر ما يلوح في الأفق من خلال ولي العهد البدر بن الإمام أحمد الذي عرف عنه التعاطف مع الناصريين مما قد يؤدي إلى فتح الباب على مصراعيه للمصريين .

كما أن هناك محاولات السلطان علي عبدالكريم سلطان لحج للسيادة على المحمية الغربية، إضافة إلى بوادر اكتشاف النفط في حضرموت الذي لن يكون لبريطانيا نصيب فيه . وكان البريطانيون يخشون أن تصل الروح الجديدة التي تسري في جسم الجمهورية العربية  إلى الجنوب وأن يكون الاتحاد جسرا تعبر عليه القيادة العربية الرسمية لتدفع النضال العربي فيه كما كانت تخشى المد الشعبي النضالي الذي سيولده قيام دولة اتحادية تنصب على حدود المنطقة التي يحتلها بالقوة كما لم يكن للبريطانيين تجاهل النشاط الروسي في اليمن ومصر والذي أظهر ضرورة سيطرة بريطانيا على مضيق باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر كما هو الحال لقناة السويس البوابة الشمالية.

إعلان الاتحاد

 وقد أسهمت العمليات العسكرية بعهد الإمام على المحميات وعلى الأخص المناطق الحدودية منها في دفع حكامها إلى الإلحاح على البريطانيين للإسراع في تنفيذ الاتحاد إدراكا منهم لضعف وضع مناطقهم ومكانتها ما دامت منفصلة عن بعضها البعض وأن السبيل الوحيد لحماية استقلالهم عن على المدى البعيد هو الاتحاد- فكانوا يعيشوا بوهم الاستقلال الذي روجت له بريطانيا لهم من خلال اقامة الاتحاد - . وفي ظل هذه الظروف القلقة بادر مجموعة من حكام المحميات وهم شريف بيحان ونائب الفضلي والسلطان العوذلي وسلطان يافع السفلى ثم انضم إليهم أمير الضالع وشيخ العوالق العليا بإجراء مباحثات حول مشروع الاتحاد انتهت إلى قيام خمسة من الستة الحكام باستثناء سلطان يافع السفلى بزيارة لندن في يونيو 1958م لعقد المزيد من المباحثات مع الحكومة البريطانية.

 

وللوصول إلى صيغة نهائية للمشروع عقد الحكام اجتماعاً مع (لينوكس بويد) وزير المستعمرات في 15 يوليو 1958 وأكد لهم أن القرار النهائي للاتحاد وعدد الإمارات التي ستدخل فيه من القضايا التي يجب تركها لكل إمارة، أما الحكام فقد أكدوا من جانبهم استعدادهم لقبول الاتحاد و توجت تلك المحادثات بإعلان الحكومة البريطانية موافقتها من حيث المبدأ على مقترحات الحكام للاتحاد وعلى تقديم الدعم المالي والفني له وإبرام معاهدة بين الحكومة البريطانية والاتحاد من أجل الاحتفاظ بحقوق الحماية.

 وتم تحديد 11 فبراير 1959م  تاريخا للتدشين الرسمي لاتحاد إمارات الجنوب العربي ولتوقيع المعاهدة ! وقد كان لحضور وزير المستعمرات حفل مراسم ذلك اليوم بدعوة من الإمارات المؤسسة للاتحاد دلالة واضحة على أهمية المناسبة . وأخذت خطوات تنفيذ الاتحاد تسير بثبات ففي أكتوبر 1959م انضمت إليه سلطنة لحج مشكلة بذلك خطوة مهمة ودفعة قوية له، إذا أضافت للتجمع أهم إمارة في المحمية الغربية من ناحية عدد سكانها، والمكانة السياسية التي تتمتع بها ، ثم توالى دخول بقية إمارات المحمية الغربية وامتد الاتحاد ليشمل المحمية الشرقية .

وكان الحلم  الإنجليزي في اقامة هذا الاتحاد لتحقيق اهدافها الاستعمارية عبر أدواتها المحلية للممارسة لعبتها الاستراتيجية الكبرى لكن رياح ثورتي 26 سبتمبر و 14 اكتوبر اطاحت وعصفت بتلك المخططات الاستعمارية وقواعد تلك اللعبة لنشهد ذلك السيناريو يعود بعدوان 2015م .

تقييمات
(1)

أخبار الجبهات

وسيبقى نبض قلبي يمنيا
لن ترى الدنيا على أرضي وصيا