جزيرة ميون ... بوصلة الوحدة ومقياس لشرعية السلطة ! . (2)

26 سبتمبرنت: علي الشراعي ..

اشار ( إن طائرات الفانتوم التي تملكها اسرائيل يمكنها ان تطير إلى جزيرة بريم وتعود إلى اسرائيل مع تزويدها بالوقود في منتصف الطريق ) هذه احد التصريحات المتبجحة  لمسؤول صهيوني سنة 1971م أثر حادث ضرب ناقلة النفط كورال سي اثناء عبورها مضيق باب المندب وكانت تحمل شحنة نفط من الخليج العربي إلى الكيان الصهيوني وهو الحادث الذي اتهم به  الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .

جزيرة ميون ... بوصلة الوحدة ومقياس لشرعية السلطة ! . (2)

مفاوضات خاسرة

ما يخسره اليمنيون في المفاوضات والمعاهدات اضعاف ما قد يخسرونه في المعارك والحروب فذاكرة تاريخنا اليمني تحتفظ لنا بمرارة تلك المعاهدات والاتفاقيات ففي عام 1802م صار للإنجليز موطئ قدم بميناء عدن اثر معاهدة بين الانجليز و السلطان الفضلي احمد عبد الكريم  وفي 1876م خسره اليمن جزيرة سقطرى اثر معاهدة بين الانجليز وسلطان المهرة كذلك إلى ما يقارب من 17 معاهدة واتفاقيات حماية بين سلاطين ومشائخ جنوب اليمن والمستعمر الانجليزي. . وفي عام 1905م تم ترسيم الحدود وتقسيم اليمن جنوبا وشمالا بين من لا يملكون الحق الانجليز والعثمانيون . وما يخص الإمام يحيى الذي ظل يدع بأحقيته بجنوب اليمن والمخلاف السليماني وانهما جزء من اليمن الأم تاريخيا وحضاريا  عقد في عام 1934م  معاهدتين الأولى مع المحتل الانجليز  بشهر  نوفمبر  وبموجبها اعترف الإمام  بالمحتل الانجليزي في جنوب اليمن وبسيطرته على جزيرة ميون وسقطرى وغيرهما . والمعاهدة الثانية في مايو من نفس العام بعد حرب قصيرة مع ابن سعود عقده معاهدة الطائف ومن نتائجها خروج عسير ونجران وجزر فرسان الغنية بالنفط من السيادة اليمنية . كذلك قام المحتل الانجليزي سنة 1967م و قبل استقلال جنوب الوطن  وخلال مفاوضاته مع الجبهة القومية  بسلخ جزيرة كوريا موريا من  اليمن وسلمها لمسقط . كذلك خسرنا عبر مراحل التاريخ جزر عديدة كدهلك وزيلع وبربرة وغيرها . فتلك المعاهدات من منظور تاريخي وقانوني كانت تتم بين مستعمر او معتدي وبين سلطة حاكم  لا يملك شرعية السلطة على جميع اليمن ولا يحق له التنازل عن جزء من أراضي اليمن وجزره وانتهاك لسيادة شعب ووطن  . فظروف اليمن السياسية في  تلك الاتفاقيات والمعاهدات كان يعيش حالة من التمزق السياسي والاقتصادي والضعف والانقسامات والحروب والصراعات الداخلية  اضافة الى الاخطار الخارجية ووقوع اليمن تحت الاحتلال منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي .

سلطات بلا شرعية

ان مسرح الاحداث السياسية في اليمن منذ مطلع القرن التاسع عشر حتى النصف الاول منه يشير إلى وجود العديد من الائمة في وقت واحد  وكل إمام يدع لنفسه بالإمامة وشرعيته بالسلطة واحقيته دون غيره وقيام البعض منهم باستدعاء الاجنبي إلى صنعاء. . كل ذلك احدث  فوضى واضطراب باليمن سياسيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا مما انعكس على وحدة الوطن وسيادته بصورة اساسيه فحدثت ثورات واستقلال في مناطق عديدة وخروجها عن سلطة صنعاء فجنوب الوطن اصبح مستقلا وفيه العديد من المشائخ والسلاطين كذلك تعرضت اليمن في تلك الفترة للغزو والتدخل الخارجي مما زاد من تعقيد للأوضاع السياسية والاقتصادية في اليمن . فمع ظهور الفرنسيون في مصر وتهديدهم لطرق التجارة في البحر الاحمر اقدم الانجليز على احتلال جزيرة ميون عام 1799م وظلوا فيها سنتان حتي اندحر نابليون من مصر . وفي نفس الوقت ظهر الخطر الوهابي في تهامة والسواحل اليمنية بل وامتد خطره نحو الداخل فسيطر على مدينة حجة محاولا الوصول لمدينة شبام بكوكبان لزحف نحو صنعاء مستغلا ضعف السلطة المركزية بصنعاء فكان انتصار قوات محمد علي باشا على الدولة السعودية الاولي والقضاء عليها ايذانا بإنهاء السيطرة الوهابية على السواحل اليمنية . لتدخل اليمن مرحلة التواجد الخارجي المصريين على السواحل والموانئ التهامية ووصلوهم حتي مدينة تعز وهزيمتهم لقوات صنعاء ممثلة بالإمام الناصر و توغلهم نحو مدينة إب . فشعر الانجليز بخطر قوات محمد على باشا في اليمن وبالذات لو اقدم على احتلال ميناء عدن لهدد مصالحهم في الهند لذلك احتلوا مدينة عدن عام 1839م . ومع انسحاب القوات المصرية من تعز وسواحل اليمن عام 1840م . ومع هزيمة الإمام الناصر وتسلط القبائل بالظلم والجور على ابناء المناطق الوسطى   قامت ثورة سعيد الفقيه في مدينة إب لتسيطر على مناطق واسعة قبل أن يتم القضاء عليه من قبل الإمام الهادي .

كل تلك الاحداث والصراعات مهدت لعودة العثمانيين لليمن مرة اخرى حيث وصلوا إلى سواحل اليمن  عام 1849م مما هدد الوجود الانجليزي في عدن وسلطة الأئمة الممزقة في صنعاء  فاقدم الانجليز على احتلال جزيرة ميون مرة اخرى عام 1859م . وحصنوها بحامية ومدافع . لتدخل الجزيرة تحت الاحتلال الانجليزي لحماية قاعدتها البحرية في عدن وخط الملاحة لمستعمراتها في الهند وبنفس الوقت اصبحت الجزيرة حدود تقسيم بحري بين شطري اليمن . 

ميون تحت النيران

ونتيجة للموقع الاستراتيجي للجزيرة فقد شهدت عدة صراعات واطماع  بين الدول  الاستعمارية  الكبيرة على مر التاريخ  حتى وقتنا الحاضر - والمتمثل بالعدوان على اليمن عام 2015م  حيث اصبحت جزيرة ميون هدف استراتيجية لمشاريع استعمارية لدول العدوان - . ففي مطلع القرن السادس عشر الميلادي سيطر البرتغاليون على باب المندب وجزيرة ميون ووضعوا سفن من اسطولهم فيها  لمراقبة وتدمير السفن العربية التي تحاول الدخول او الخروج من البحر الأحمر  وبذلك اغلقوا مضيق باب المندب في وجه السفن التجارية العربية. ومن ثم تعاقب على محاولة السيطرة عليها المماليك والعثمانيون والهولنديون والفرنسيون والايطاليون والالمانيون . لكن الانجليز كانت لهم السيطرة البحرية عليها ودخلوا في صراع عسكري مع العثمانيون فخلال الحرب العالمية الأولى 1914- 1918م . حاول العثمانيون   اغلاق مضيق باب المندب دعما لحملتها البرية على مدينة عدن وصبت وابل نيران مدفعيتها على جزيرة ميون انطلاقا من منطقة الشيخ سعيد في محاولة لطرد ودحر الوجود البريطاني من جنوب اليمن مستعينة في ذلك بحليفتها ألمانيا ذات المطامع التوسعية الكبيرة في الشرق والتي ارادت المضي في تحقيق هذا الهدف عن طريق اقامة قواعد غواصات ألمانية بمحاذاة الساحل اليمني وتلغيم باب المندب بواسطة بواخر المانيا . فمشهد ذلك الصراع العسكري حول السيطرة على جزيرة ميون يتضح من خلال تتبع الاستعدادات والتجهيزات العسكرية قبيل الحرب واثناءها

ففي اغسطس 1914م قبيل الحرب العالمية الاولي وصلت تعزيزات بحرية للقوات العثمانية حيث وصلت سفينتان اضيفتا الى أربع قوارب حربية كانت موجودة من قبل كما استدعى بعض الفرق العسكرية من صنعاء إلى الحديدة وارسل مجموعة من الجنود لزيادة تحصين ثكنة الشيح سعيد المقابلة لجزيرة ميون. وقيام احد الضباط العثمانيين برفقه اربعه بعمل مسح طبوغرافي لمناطق ماوية ولحج والمخا والشيخ سعيد . وطلب والى العثمانيين في اليمن من الإمام يحيى مقاتلين ليكونوا على اهبة الاستعداد وقت الطلب كما وعد الإمام يحيى بتقوية حصن الشيخ سعيد . وبدا الإمام يحيى يرسل قوات إلى سواحل تهامة  بالاتفاق مع العثمانيين . فيما اشارت الوثائق البريطانية من خلال التقارير الاسبوعية التي كان يرسلها المقيم السياسي البريطاني في عدن إلى حكومة بومباي أن العثمانيين سحبوا القوارب البحرية المحاذية لسواحل عسير ونقل الجنود المعسكرة في جزر فرسان بأسلحتها إلى الحديدة ومن ثم تحركت إلى منطقة الشيخ سعيد كذلك نقل اليها  بعض الفرق العسكرية من تعز . ومع اشتعال الحرب العالمية الأولى كاد العثمانيون أن يخلوا اليمن لصالح الإمام يحيى لولا رفض الألمان لهذه الفكرة وعلى هذا قرر العثمانيون نقل مركزهم الرئيسى من صنعاء إلى تعز والاحتفاظ باليمن السفلي تحت ادارتهم على أن يتم إنشاء متصرفية في لحج بعد الاستيلاء عليها .وفي 22 نوفمبر 1914م وافقت الحكومة البريطانية على رفع العلم البريطاني فوق جزر فرسان اليمنية بتواطئي الادريسي  وبدأت المشاورات حول خطة عسكرية تتلخص في عدة امور منها احتلال منطقة الشيخ سعيد وجزر فرسان وكمران ومدينة الحديدة . وفي 17 ديسمبر 1914م . اقترح  المقيم السياسي في عدن ضرورة ضمان استقلال ماوية وعلى ان تضمن حكومة بريطانيا استقلال ماوية وتكون تحت حمايتها بعد الحرب ( شبيه ما يحدث اليوم في الساحل الغربي بالمخا من قبل دول العدوان ) ومع ذلك يرى المقيم أنه لو بدر من العثمانيون واليمنيون في الشيخ سعيد نوايا عدوانية على السفن في مضيق باب المندب وتهديدهم لجزيرة ميون  فيجب على الفور احتلال منطقة الشيخ سعيد .ففي يناير 1915م ضربت القوات البريطانية منطقة الشيخ سعيد وانزلت قوة صغيرة إلى الحصن الموجود فيها وانزلت خسائر بالقوة العثمانية. وحينما وصل ذلك الاعتداء إلى قائمقام الحجرية الشيخ أحمد نعمان التابع للعثمانيين ارسل رسالة إلى سلطان لحج الموالي للإنجليز يخبره أن هذا الاعتداء يشير إلى النوايا السيئة للإنجليز وأن القبائل الزيدية والشافعية قررت العمل تحت لواء العثمانيين للدفاع عن بلادهم ودينهم . في حين استنكر الإمام يحيى ضرب الإنجليز لشيخ عثمان وهدم حصونها . لذلك فقد كان رد سلطان لحج بشأن الهجوم على منطقة الشيخ سعيد بأن الإنجليز فعلو ذلك لتأمن مرور سفنهم في مضيق باب المندب بعد أن شعروا بالتهديدات من حصن الشيخ سعيد .

تهديد عدن

في فبراير 1915م وصلت تقارير إلى المقيم السياسي في عدن أن العثمانيون واليمنيون قد أعلنوا الجهاد وبدأوا في تجميع القوات في ماوية وإب وبعض الأماكن الأخرى وقامت قوة يمنية كبيرة ومعه مجموعة من المدافع واعادت الاستيلاء على منطقة الشيخ سعيد الذي ضربه الإنجليز مما دعا المقيم  في عدن إلى تقوية الحامية الإنجليزية الموجودة في جزيرة ميون . وفي منتصف يونيو 1915م وقعت محاولتان عثمانيتان للنزول في جزيرة ميون في مدخل البحر الأحمر الجنوبي الداخلة تحت الاحتلال البريطاني ودمر العثمانيون في هذه المحاولات الحصن والفنار الموجودين في الجزيرة وعلى الفور تم إبلاغ السفن البريطانية في البحر الاحمر بالهجوم العثماني على جزيرة ميون . وكان الضابط السياسي التابع لدورية البحر الأحمر (ريتشارد تسون) قد ضمن تقريره السابق الذى قدمه إلى المقيم في مارس 1915م ما يشير إلى استعداد علي سعيد باشا لتسليح خمسه عشر مركبا للهجوم على جزيرة ميون . وهذا الهجوم العثماني على جزيرة ميون ذات الموقع الهام يوضح مدى الخطر الكبير الذى بدأ يواجه الإنجليز في عدن بخطر موجه من البحر عن طريق هذه الجزيرة وخطر اخر من الداخل عن طريق تقدم العثمانيون صوب المحميات وعدن مما يهدد وجود المحتل الإنجليزي في جنوب اليمن . ورغم كل المحاولات للقوات العثمانية  طيلة الحرب لانتزاع جزيرة ميون والتحكم بمضيق باب المندب من يد الاحتلال  استطاع الانجليز احباط كل المشاريع العثمانية والألمانية وتحطيم حصون  الشيخ سعيد ذاتها واحتلالها لبعض الوقت .

تقييمات
(0)

أخبار الجبهات

وسيبقى نبض قلبي يمنيا
لن ترى الدنيا على أرضي وصيا

الأربعاء: 21 أيلول 2022

من (أوبريت 21 سبتمبر)