أخبار |

البحر الأحمر وخليج عدن مسطحات مائية يمنية وجسور لمطامع أجنبية  (9)

البحر الأحمر وخليج عدن مسطحات مائية يمنية وجسور لمطامع أجنبية (9)

قراءة من كتاب البنيان المرصوص الجزء الثاني لمؤلفه العميد القاضي د\حسن حسين الرصابي.

تكلمنا في الحلقات السابقة عن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وهو الحا ضر المؤكد الذي أرسى من خلال الجغرافية والموقع الاستراتيجي جعل اليمن ودول المنطقة هي التي تدفع ثمناً باهظاً  تجلت في تدخلات  سافرة , وفي إثارة مشكلات في إسالة دماء كثيرة وحروب داخلية وإقليمية وعدوان وتدخل خارجي .. فقد كانت الأيادي المتدخلة لأمريكا وبريطانيا ,بل وأروبا وأضيف إليها دور صهيوني طغى على الكل .. وأستأسد بعد أن وضعت له استراتيجية ان يكون لتل أبيب دور اكثر وحضوراً قوي لا يقل عسكرياً وأمنياً  ونفوذاً طاغياً.

  • وعليه نواصل في هذه الحلقة صوراً من تلك الاطماع الاجنبية في اليمن والتي كانت تمر عبر البحر إلى الداخل اليمني ولذا فقد ظلت اليمن مطمعاً للطامعين نظراً لما تمتلكه من ثروات معدنية ونفطية .. ونظراً لموقعها الاستراتيجي .. وكما اسلفنا ان الوثائق الامريكية والبريطانية كشفت الكثير من تلك الاطماع والاغراءات .. والعديد من الدراسات من الكتب تحدثت عن ذلك وأبانت عن النوايا الاستعمارية للقوى الدولية النافذة ..ولعل المرور عن تلك المعلومات هو فيض من غيض كما يقال .. اذ تحتاج المكتبة اليمنية الى المزيد من الكتب والدراسات والندوات التي تفي مثل هذا الجانب حقه من البحث والدراسة والعالم والمكتبات وارشيفات الدول تحتوي الكثير , وبإمكانها أن توضح الصور الضبابية القائمة الى اليوم ..
  • وان كان كتاب اليمن واطماع الخارج قد نقل لنا صورة مكثفة لما كان يجري في دهاليز الدبلوماسية الغربية وما كانت تحيكه من تدابير ومؤامرات , وهو الذي أعتمد على محدود من الوثائق البريطانية والامريكية , وتجعلنا نتساءل اذا كان هناك مشروعاً قومياً لترجمة وعرض معظم الوثائق في الارشيف العثماني والارشيف البريطاني والارشيف الامريكي , والارشيف الفرنسي , والارشيف الهولندي والبرتغالي والارشيف الروسي.. لاشك ان ثراءً واسعاً في المعلومات وسوف تتكشف جملة من الحقائق المغيبة ..
  • ومنذ عشرينات القرن العشرين تهافت الغرب الى المنطقة ومنها اليمن وتدارسوا مدى احتواء الأرض للمعادن والنفط .. وتشير وثيقة باسم القنصل الامريكي في فرنسا (برقم 16) وبتاريخ 19يوليوالعام 1922م .. والبرقية موجهة من القنصل الامريكي الى وزير الخارجية الامريكي , حول مؤشرات النفط في الجزء الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية وبدأها بالاتي :
  • اتشرف ارسل اليكم طي هذا مجموعة تقارير وهي أوراق عارني اياها السيد فيكتور لويس شيروا , وهو مستكشف فرنسي في اقليم اليمن وكان قنصلنا في بور سعيد السيد فوت قد ابلغ الوزارة بشأنه .
  • ويضيف:
  • مع ان الاقليم المعني بالا مر يقع خارج المنطقة المسؤول عنها قنصلنا , فإنني اسمح لنفسي بتقديم هذه الاوراق الى الوزارة نظراً للأفاق الواعدة الموضحة فيها بشأن وجود النفط في اليمن . ومن الجلي ان تلك المطابخ المخابراتية كانت على تواصل مع بعضها ويتبادلون المعلومات وعلى ضوئها يضعون خططهم للتغلغل في المنطقة .. والمسألة المثيرة للتساؤلات ان اولئك المستكشفين كانوا يسرحون ويمرحون في الارض اليمنية ولا يجدون من يوقفهم عند حدهم أو على الاقل ينظم رحلاتهم الاستكشافية تلك .
  • ونعود الى القنصل الامريكي الذي يعطي وزارته توضيحاً وتحفيزاً للخوض في التواجد في اليمن .. فهو يقول : ان السيد " مشيروا " يفتش الآن على شركة لتقوم بإنجاز بحث كامل للموارد المعدنية وغيرها من المصادر الاقتصادية للإقليم , وهو يرى ان شركات النفط الامريكية سوف تجد أن من مصحتها الى حد كبير أن تتعاون معه , حيث أكدلي انه تمكن من الحصول على ثقة سلطان اليمن .. ويقصد هنا الامام يحي ويواصل القنصل الامريكي برقيته :
  • ويعتقد انه لن يواجه إلا صعوبات ضئيلة في تأمين الحصول على امتيازات استغلال أية مكامن للنفط توجد في ذلك " الاقليم " واوضح ايضاً ان الاطماع الغربية لم يكن يعبر عنها المستكشفون فقط , بل ان الانظمة الغربية كانت تسير بعثات تمولها من اجل الحصول على معلومات وحقائق.. وكان عمل تلك البعثات بمثابة عملية استطلاع متقدم تجمع كل المعلومات ليس المعدنية والتجارية , بل كانوا يجمعون المعلومات السياسية والاجتماعية والطبوغرافية .., بل كان بعضهم يبنون علاقات خاصة وصداقات ليتمكنوا من التغلغل في اوساط المجتمعات .. وكثير منهم ضمنها في كتب ومنشورات ومذكرات وهذه المشكلات السابقة يتوجب علينا اليوم ان نتد اركها وأن نكون عند مستوى هكذا تحديات .. وينبغي ان نسارع لا نشاء مراكز ابحاث ودراسات علمية ونفطية وغازية , ودراسات من معطيات جغرافية البحر الاحمر والبحر العربي حتى لا يتم إستغفالنا مرة اخرى من قوى متربصة بنا ولاتكن لنا مودة السلام بل مازالت تمتلك شهية استعمارية خطيرة.
  • ويشير تقرير الفرنسي المستكشف " شيروا " الذي رفعه الى وزارة الخارجية الفرنسية مكتب آسيا في إبريل العام 1922م .. وحاول السيد باستوري وهو رجل أعمال معروف جيداً في المستعمرة الايطالية أو أريتريا في أوقات مختلفة ان يقيم علاقات تجارية مع العرب وأن يسافر في داخل البلاد نحو صنعاء حيث يقيم الخليفة الامام يحيى محمد سلطان اليمن ووصلت بعثته بعد صعوبات كبيرة الى مسافة 30كم في الداخل الى موزع عبر المخا ومرة اخرى الى حيس عبر الخوخة , وفي المرة الثالثة اضطر السيد باستوري الى العودة الى اثيوبيا دون التمكن من القيام بأي عمل تجاري على الساحل رغم انه ذهب في قارب بخاري محمل بالبضاعة . وعندما نعيد قراءة المساعي المحمومة والتهافت العجيب في فتح مجالات تواصل تجاري في اليمن , ونعي جيداً الأهمية التي تمثلها اليمن وماتزال الى الراهن المعاش .. ونستوعب أكثر المعطيات السابقة التي يمكن ان نبني عليها معطيات حاضرنا وطبيعة علاقة الند والمساوات مع الدول الغربية على قاعدة امتلاك السيادة الوطنية الكاملة .. ولذلك من الاهمية بمكان ان يحظى هذا التقرير بالاهتمام الذي يتوازى مع القضايا التي اثارها وعلى حقيقة الاطماع والتهافت الغربي على اليمن .
  • رغم تكالب المتآمرين على المملكة المتوكلية اليمنية التي انصهرت منذ ولادتها في أخطر وأهم مواجهة مع أعداء كثر ليس الانجليز إلا واحداً من تجليات تلك الفترة .. حيث لعبت العقلية البريطانية دوراً تخريبياً أو تأمريا في العهد الجمهوري حتى اليوم مازالت أثار تلك السياسات البريطانية تفرض نفسها .. وزاد أن تكالب اعداء آخرون وطامعون آخرون من ايطاليين , و من أمريكيين وفرنسيين .. ناهيكم عن الاطماع الاقليمية من دول كانت وستظل ذيلاً بريطانياً .. مثل النظام السعودي والنظام الاماراتي اللذين قبلا بأن يكونا أدوات رخيصة في حسابات المستعمرين بأنماطه الجديدة وأجندته في فرض السيطرة بالوكالة والرضوخ للإملاء ات الخارجية ولو أعدنا الذاكرة قليلاً الى عشرينيات القرن العشرين الماضي .. سنرى الكثير من المفارقات , بل أن الحاضر الذي نعيشه سنراه ممهداً من فترة سابقة , ومن جهود حثيثة لم تتوقف سر من إصرار مكثف لا يجاد موطئ قدم لقوى النفوذ الدولية , سواء ما كان بصيغة بريطانية صاحبة أكبر رصيد وارث استعماري , أو فرنسا التي لم تكن تخفي اطماعها وتحركاتها .. أو الايطاليين , أو الأمريكيين الذين زاحموا الجميع في فرض تواجدهم التجاري , وفي السعي لإيجاد نافذة اقتصادية تجارية في المنطقة .. وهذا ما تكشفه وثائقهم التي بدأت تتسرب من قنصلياتهم في المنطقة العربية وهذه المرحلة المهمة والمفصلية من تاريخ الأمة وتاريخ هذه المنطقة اليمن وجنوب البحر الأحمر .. وتاريخ هذه المنطقة اليمن وجنوب البحر الاحمر .. كمنطقة تواصل بين القارات , ومنطقة اقتصادية هامة , بما يجعلنا نفهم ذلك التاريخ ونستوعب المتغيرات الراهنة ونعي جيداً أهداف القوى الدولية والإقليمية الراهنة , وما تعا نيه اليمن من ويلات حرب كونية وإقليمية  , مؤشراتها الاولى تقول ان ما شهدناه هو تمهيد  لآتيا ت ثقيلة من التحديات لن تكون اليمن وحدها من ستدفع الثمن , بل المنطقة وشعوبها جميعاً ستكون امام الاستحقاقات الثقيلة لهذه الحرب العدوانية الملعونة .. ومن المجدي نفعاً ان نعود بين الفينة والاخرى لقراءة ولو على عجل لمكونات الوثائق حتي نستشف منها ما خفي علينا من السابق ونقرأه  بعين ووعي الحاضر الذي سمح بان تكون بعض ما تيسر من الوثائق بين أيدينا , لنكون على بينة مما يجري اليوم .. ومن المفيد لنا أن نعيد قراءة تقرير "فارل شيروا" المستكشف الفرنسي الذي رفعه الى وزارة الخارجية الفرنسية واختار له عنوان :  استكشاف اليمن من 1يناير الى 1ابريل العام 1922م .. بعد الافاضة في التوضيح في مقدمة التقرير يشير إلى :  خلال الفترة من 1920- 1921م سافرة بعثة انجليزية رسمية بقيادة الكولونيل جيكوب مسافة 40 كيلومتراً في الداخل عبر الحديدة في طريقها الى صنعاء , ولكن عند وصول البعثة الى باجل تم احتجازها لمدة أربعة أشهر .. ولهذا حرى بنا أن نتدارس جيداً مثل ذلك الاصرار الاجنبي وتحديداً الاوروبي على التغلغل في الداخل اليمني , وفي الاخص الوصول الى صنعاء ونسيج علاقة مع الامام يحيى حاكم صنعاء .. ومثل هذا التغلغل جاء من الساحل الغربي لليمن من الحديدة .. ويؤكد لنا ذلك الاصرار .. مثل هذا الوصف الذي كتبه المستكشف الفرنسي " شيروا " عندما كتب يقول :
  • لذلك فقط بعد صبر شديد يفوق طاقة الانسان على التحمل , وبعد ان عشت مثل الوحش " لكي أكتسب ثقتهم " أولاً مع الصوماليين ثم مع الد ناكل , واصبحت قادراً على صنع علاقات مع العرب في سواحل اليمن , معرضاً حياتي للمخاطر في هذا الشأن , ولكنني كنت قد صممت بقوة على الذهاب الى السلطان يحيى محمد  الذي نجحت في ذلك إلى حد أنه يعتبرني صديقاً له ويثق بي , لقد نجحت في إقناعه بالمزايا والفوائد الكبيرة التي سيكتسبها هو إذا استغلت اليمن شركات فرنسية .. وهنا المدخل الذي يسعى الاوروبيون للحصول عليه , وامتلاك ثقة الحكام .. والمقدرة على التأثير والنفاذ إلى الداخل اليمني عبر بوابة التجارة والاستثمار , وهذه شهادة فرنسية كانت تعتبر بمثابة وثيقة سرية متداولة في السلك الدبلوماسي الفرنسي على أضيق نطاق ..
  • وفيها يتحدث بثقة عن مقدرته للنفاذ الى الداخل اليمني , وقدرته السابقة في النفاذ الى الداخل الصومالي واكتساب ثقة الجميع . . وهي بوادر للرغبة الغربية لا يجاد لها موطئ قدم , ونسج علاقة تجارية .. ولنعد الى قراءة الوثيقة الفرنسية :
  • حيث تقول بسبب الحرية الكاملة التي منحني اياها السلطان لاستكشاف البلاد فقد توصلت الى انه توجد ثروات معدنية وبترولية حقيقية .. ويضيف:
  • ومن الثابت انه يجب الاهتمام بكثير من العمل لإتاحة الفرصة لاستغلال هذه الثروات سيكون من الضروري التفكير في بناء سكة حديد وموانئ لرسو السفن ..
  • إن البلاد مع كونها جبلية توفر تسهيلات تسمح بهذا الاستغلال .. لقد تم التفكير في 1913م في بناء خط سكة حديدية بين الحديدة وصنعاء , وكانت خطط البناء جاهزة عندما أعلنت الحرب .. وسآخذ على عاتقي ان ابلغ السلطان بالمعاهدات والمقاولات التي كان قد تم توقيعها مع الحكومة العثمانية نظراً لا نها السلطة التي كانت تحكم اليمن آنذاك .. وإيراد مثل هذه الحقائق تدل ان المسألة لم تكن اجتهاد شخصي من مستكشف فرنسي لوحده وانما عمل مؤسسة متكامل فقد تم تدارس المعاهدات والاطلاع على وثائق الدولة العثمانية , ومعرفة كل التفاصيل التي على ضوئها جاء تحرك هذا الفرنسي المستكشف.. ونسمع ما يقوله " شيروا " :
  • بالإضافة الى المعادن : والنحاس والحديد والرصاص إلخ .. سيكون من الخطأ إهمال الامكانيات التجارية الكبيرة التي تقدمها المنتجات الزراعية , حيث ان البلاد خارج الخمسين الى ستين كيلومتراً غير المنتجة على الساحل تقدم امكانية ضخمة للزراعة وذات مناخ معتدل غالباً .
  • ويصل شيروا الفرنسي المستكشف الى جوهر مهمته واساس عمله ونشاطه في ان ايجاد موطئ قدم لفرنسا أو لأي من الدول الاوروبية ..
  • فهو يقول :
  • ولذلك ومن كل وجهات النظر والزوايا استطيع ان أعلن رأيي عن قناعة راسخة بان اليمن بلاد يمكن على أرضها ارساء الامل في مستعمرة رائعة لصالح الامة التي ستحوز الفرصة لاستغلالها وانني أضع هذه الفرصة في يد فرنسا"..
  • وقد ذيل توقيعه في تاريخ 5يونيو العام 1922م مدينة باريس..
  • والخلاصة هي انشاء مستعمرة فرنسية في اليمن .. كهدف أجنبي كان العقل الفرنسي يسعى الى تثبيته وفرضه واقعاً وخاصة في عشرينات القرن العشرين الذي أنطوى ومضى .

 

أخبار الجبهات

وسيبقى نبض قلبي يمنيا
لن ترى الدنيا على أرضي وصيا