بوح اليراع: الكفرُ مِلَّةٌ واحدة وكُلُّ الوقائعُ شاهدة
عبدالسلام التويتي
عبدالسلام التويتي

مهما تباينت مصالح العالم الأول المتمثل بالمعسكر الغربي ومصالح العالم الثاني المكنى به عن المعسكر الشرقي، ومهما حصل من أيٍّ منهما من تحرُّك، ومهما كانت استعداداتهما لخوض أيِّ معترك، فإن عدواتهما للإسلام تبقى أهم قاسم مشترك، لأن عداوات مختلف أطراف الكفر لا تتعدى كونها صراعات مصالح دنيوية غالبًا ما يُفضي بها الاقتسام المُرضي لتلك المصالح إلى حدوث حالة من التصالُح.
أما عدواة المعسكرين كليهما للديانة الإسلامية فهي عداوةٌ حتميةٌ شديدةُ التجذُّر والتأصُّل وغير قابلة -البتة- لتقديم أيِّ قدر من التنازُل أو التساهُل، لأنها عدواة بين حقٍّ وباطل، وشتان يجتمعان.
لذلك نجد أن ما تُعانيه الأقلية المسلمة من مضايقات، وما تتعرَّض له من اضطهادات أو انتهاكات في (مانيلا) أو (بكين) لا يكاد يختلف عمَّا تُعانيه أو تتعرض لهُ نظِيرَتُها في (مدريد) أو (برلين)، كما أن التمييز العنصري الذي يُمارس ضد الفرد المسلم في روسيا يكاد يتطابق مع التمييز الذي يُمارس ضد نظِيرِه في أمريكا.
كما أن المسلمين على مرِّ السنين هم في دول المعسكر الغربي، وفي دول المعسكر الشرقي -وبقدر كبير من التناظُر- ضحايا مجازر لها أول وليس لها آخر.
وإن ذهب بعض المدافعين عن أنظمة الكفر إلى أن تلك المجازر البشرية التي تَطال الأقليات المسلمة بصورةٍ جماعية مجرد حوادث جنائية يقترفُها متطرفون ولا تقرُّهم أو توافقُهم في اقترافها غالبيةُ أبناء مجتمعاتهم، فبوسعنا أن نردَّ عليه قائلين: إن تهاون الأجهزة الحكومية المختصة في اتخاذ الإجراءات والعقوبات الصارمة في حقهم ليكونوا عبرةً لغيرهم ليدلُّ على مستوى التواطؤ الرسمي مع المجرمين إلى درجةٍ تُغري غيرهم بسفك المزيد من دماء المسلمين.
وإذا كان التمييز العنصري ضد الأقلية المسلمة قد بلغ استحلال الدماء، فإن التمييز في ما دون سفك الدِّماء أدعى.
أنموذجان من التمييز والتحيُّز
حالات التمييز العنصري ضد المسلمين -انحيازًا للكفر أيًّا كان- من الكثرة بمكان، ولا يكمن –بالنظر إلى ما يأخذه خطرها من استفحال- أن تُحاط بمقال، لذلك سأقتصر على إيراد أنموذجين ما تزال لهما أصداءٌ في واقع الحال، وهما:
1- الباكستانية كاميلا وتمييز ألمانيا: لقد خاضت الروائية المسلمة الباكستانية الأصل البريطانية الجنسية كاميلا شمسي غِمار المسابقة الأدبية على الفوز بجائزة «نيللي ساكس» التي تنظمُها وتمولُها مدينة دورتموند الألمانية، وقد تمكنت «شمسي» من إحراز المركز الأول، فأصدرت هيئةُ المحلفين (هيئةُ التحكيم) بيانها بتكريم الروائية إيَّاها بجائزة الفوز بالمرتبة الأولى.
ولكن في الوقت الذي كانت تتحضر الروائية المسلمة لحضور حفلة تكريمها بالجائزة، إذا بأعضاء اللجنة التنظيمية للمسابقة قد أصدروا -بصورة مفاجئة- بيانًا أكدوا فيه أن هيئة المحلفين نقضت قرارها بتكريم «شمسي»، بسبب دعمها حركة مقاطعة إسرائيل (بي دي أس).
وإذا أخذنا في الحسبان ما يسود العلاقات الألمانية الصهيونية من فتور، فلن نجد لقرار هيئة المحلفين الألمانية من دوافع لحرمان الروائية الباكستانية المسلمة من جائزة مستحقة -وفي مساندة علنيَّة للصهيونيَّة- سوى دوافع دينية، على اعتبار أنَّ الكفر ملة واحدة.
2- إقصاء لاعِبِيْنَ مُسْلِمِيْن من منتخب فرنسا: الممارسات العنصرية الفرنسيَّة ضد الأقلية المسلمة تأخذ عدة مظاهر منها -على سبيل المثال- الموقف الرسمي والشعبي المتشدد ضد الحجاب، ومثله الموقف المتشدد ضد الجهر بالأذان الذي لا يكاد يُبارح الأذهان.
بَيْدَ أن أحدث وآخر مظاهر التعنصُر قد طال بضرره -وبما يعكس مستوى ما وصلت إليه العنصرية الفرنسية من حضيضيَّة- نجوم الملاعب الرياضية.
فقد كانت تلك العنصرية الفرنسية المقيتة خلف قرار استبعاد اللاعِبِيْن ذوي الأصول العربية المغاربية، فقد حملت المدرب الفرنسي (دي تشامب) على استبعاد لاعِبِيْن عرب مسلمين من صفوف منتخبه، مثل لاعب ريال مدريد (كريم بن زيمة) الذي يُعَدُّ واحدًا من أفضل المهاجمين في العالم، و(حاتم بن عرفة) نجم خط وسط نادي «نيس الفرنسي» الذي كان هدَّاف الموسم، ويسعى نادي برشلونة الإسباني لضمه إلى صفوفه.
ولا يمكن أن يُفسَّر استبعاد لاعِبِيْن حَائِزِيْن على النجومية العالمية -بالنظر إلى احتسابهم على الديانة الإسلامية- إلاَّ من منظور تقييم المدرب لكلَّ لاعب وفق ديانته ومعتقده وليس على أساس تألقه وتفرُّده، على اعتبار أن الكفر ملة واحدة.


في السبت 28 سبتمبر-أيلول 2019 10:07:20 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=7362