حروف تبحث عن نقاط:وتفوق على عظمة البحر والجبل
استاذ/عباس الديلمي
استاذ/عباس الديلمي

في أواخر العام 1982م وأنا أقرأ رواية “بلدي” للأديب المفكر الداغستاني رسول حمزاتوف.. توقفت أمام قوله تتمثل العظمة في شيئين: البحر، والجبل.. ولأني نشأت بين جبال اليمن الشاهقة.. فقد تذكرت كيف أدهشني رؤية البحر لأول مرة، وهذا ما زاد من اعجابي بمقولة حمزاتوف- الحاصل على توبل في الأدب- الا أنه لم يمر علي أكثر من عام ونصف العام، حتى رأيت أمامي وعلى مسافة متر ونصف المتر عظمة تتميز عن عظمتي البحر والجبل.. أما كيف حصل ذلك فإليكم الحكاية:
في أكتوبر من العام 1984م كنت في عدن مع العظيم عبدالله البردوني الذي حظيت بمشاركته فعاليات ثقافية داخل اليمن وخارجه، كنا جلوساً على شاطئ بحر عدن الأكثر جمالاً نتبادل الحديث عن مدينة ذمار وصداقته مع والدي، وكيف اضطر للعمل في المحاماة.. وبداياته الشعرية، وكيف أعجب به كبير مشايخ الحدا الشيخ علي بن ناجي القوسي، وغير ذلك من الذكريات المليئة بالطرافة المتماشية مع روحه الشفافة..
صمت البردوني العظيم، وتركته لصمته.. لأدخل أنا حالة تأمل ومقارنة.. لقد رأيت عظمة البحر تعانق عظمة الجبل، ورأيت أمامي عظمة البردوني فقلت لنفسي: هل أنا أمام بحرين وجبل- إذا ما اعتبرت البردوني بحراً- أم أنا أمام جبلين وبحر.. إذا ما اعتبرت البردوني جبلاً شامخاً كجبل شمسان.. ولكني سرعان ما حسمت أمري وقلت لنفسي: إنه البردوني، البحر والجبل معاً.. وبشيء من التأمل وجدت أن المقارنة في صالح أستاذي وصديقي وصديق والدي من قبلي عبدالله البردوني.. نعم المقارنة في صالحه، وبهذه الصورة..
إذا ما كان البحر هو من تصب فيه الأنهار والسواقي وتغذيه السحب الممطرة، فإن البردوني هو البحر الذي تتغذى منه الأنهار، ومن يزود السواقي بالمياه العذبة، ومن يطلق في سماواتنا السحب الممطرة، بالغيث على المحتاجين وبالصواعق على رؤوس الطغاة والمستكبرين..
وإذا ما كان الجبل هو ما يحتضن المدرجات لتنمو عليها الأشجار، فإن البردوني هو من يمد الجبال وحتى الصحاري بالتربة الصالحة للزراعة ونمو المزروعات.. إذاً المقارنة لصالح صديقي البردوني، فهو البحر المتميز على البحار، وهو الجبل المتميز على الجبال.. كما تميز في شعره ونثره، وهذا ما جعلني أرى فيه ميزة على من استحق من وجهت نظري أن أقارنه بالبردوني وهو الشاعر العظيم محمد مهدي الجواهري.. من رأيت أنه يلتقي مع عظمة البردوني في أمور كثيرة عدا أشياء بسيطة منها: أن البردوني في نثره يفوق في اسلوبه وبلاغته قرينه الجواهري في مجال الكتابة النثرية وهذه المقارنة بين عظيم اليمن وعظيم العراق أو عظيمي العرب، قد نقف أمامها في مناسبة قادمة.. وبقي أن نقول: إذا ما كان المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال، قد وقف بحب وإجلال بجانب محمد مهدي الجواهري حتى توفاه الله، فإن البردوني لم يجد بجانبه من يكون له العون في مواجهة ما تلحقه حرفة الأدب بأصحابها.. لنا لقاء..


في الثلاثاء 10 سبتمبر-أيلول 2019 11:53:57 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=7339