بوح اليراع:مُضي حليفي الشقاء في حفترة ليبيا
عبدالسلام التويتي
عبدالسلام التويتي

تأريخ ليبيا التي أنجبت المجاهد العظيم عمر المختار حافل بالانتصارات الإسلامية، كما أنها -منذ أن انتزعت حريتها من بين براثن السلطات الاحتلالية الإيطالية- قلعة شامخة أبية من قلاع القومية العربية، ولم تُجلَّل -على امتداد تأريخها- بثوب التبعية والعمالة التي يتجلَّل بها الأذناب من أشباه الأعراب، ولعل اتِّسام ليبيا بهذه السمات هو الخطيئة التي جعلت حليفي الشقاء (السعودية والإمارات) يُنزلان بها أشد العقاب وبتناقُض يحتار إزاءه أولو الألباب.
فعلى الرغم ممَّا عُهِدَ عن الرئيس اللبيبي الراحل معمر القذافي من اتخاذ موعد انعقاد القمِم العربية -الطارئة منها والاعتيادية- فرصة ذهبية للتعريض بعمالة الأنظمة الخليجية، لا سيما نظاما الإمارات والسعودية اللذان باتا صديقين حميمين وحليفين مُعلنين للصهيونية، وعلى الرغم من أنه كان يُوجه إليهما من النقد اللاذع والتجريح الصريح ما لا يُطيقان احتماله إلى حدِّ أنهما كانا يتمنيان زواله، وبالرغم من أنهما قد تكفلا بنصيب الأسد من كلفة إسقاط نظامه، بالرغم من ذلك كله، فلم يفتأ نظامه يسقط -بعد إعلان مقتله- فتشرع قوى الإجماع الوطني -فور الانتهاء من طي سجله- في تشكيل سلطة وطنية تحل محله، حتى سارع النظامان إياهما -مستفيدَين من عمالة الانقلابي السيسي- وبأسلوبٍ إبليسي إلى اختلاق ذرائع تفوح منها رائحة الزيفِ والبهتانِ والكذِبِ تبرر لهما التدخل في الشان الداخلي الليبي معتمدَينِ -وبتناقضٍ خُرافي- على المدعو خليفة حفتر وهو أحد رجال عدوهم القذافي.
وإذا كان هذا التدخل لأسوأ نظامين من أنظمة الخليج قد بدأ -بالتستُّر وراء العميل السيسي- بتوجيه ضربات جوية على مناطق تواجد قوى التغيير الليبية -بانتهاكٍ صارخٍ لحرمة وسيادة بلد عربي شقيق- بعد اختلاق ذريعة إيوائها لعناصر داعشية، إلى أنهما -وبالاعتماد على سلاح المال -ظلا يبحثان عن شخصية من أبناء البلد يتصديان بها لقوى التغيير ويعيقان بحمقها عجلة التنمية المستدامة والحياة -بصفة عامة- عن المسير، فقيَّض لهما القدر ضابطًا متقاعدًا نكرةً أنكر يدعي (خليفة حفتر) وجدا فيه ضالتهما، فلم تكد عيونهما تعثر عليه وتبلغ رسالتهما إليه حتى وضع نفسه تحت تصرفهما وصار رهن إشارتهما، فحظي على الفور بتأييدهما بشكلٍ علنيٍّ وسافِر، ڤأخذا يمدَّانه -لما لمسا من شدة انصياعه بالإضافة إلى رعونته وتهوره- بكميات كبيرة من العتاد والأسلحة الحديثة والمتطوِّرة، ووضعا تحت تصرفه مبالغ وأرصدة مالية خيالية مكنته -في زمن قياسي- من تشكيل جيش عرمرم من فئته المارقة ومن المرتزقة الأفارقة حتى ينجح -من خلال الفارق في ميزان القوى- في تنفيذ الأجندة السعودية الإماراتية الهادفة إلى وأد حلم الشعب الليبي في تحقيق التغيير الإيجابي القائم على أساس من التعايش والحوار البنَّاء بكل ما يتمخض عنهما من مناخات الاستقرار الأمثل الذي يعد تربة خصبة لتسارع وتيرة العمل لما من شأنه صنع مستقبل أفضل.
ومن أصدق الأدلة على أن هذا الحفتر أداة سُفلى ليس إلاَّ أنه -بالرغم من قبول القوى الوطنية به- لا يكاد يبرم اتفقًا مع قوى التوافق الوطني إلاّ وأبدى له تنكبه وتنصله بصورة مخجلة، وفي ذلك دلالة على تقيُّده الدقيق بما أوكل له من تنفيذ الأجندة (السعوإماراتية) الرامية إلى الذهاب بليبيا العروبة نحو حالة من الحفترة والتفتيت والتمزيق، (وهو بذلك خليق).
ومن مظاهر المجاهرة بالسوء من قبل ذينك النظامين تسخير أبواقهما الإعلامية للترويج لهذا الحفتر الموغل في العمالة حتى الثمالة والمفتقر إلى الحد الأدنى من الرصيد الجماهيري، والمجاهرة بالعداء لقوى الإجماع الوطني التي وصلت إلى توافق انضوى فيه كل ألوان الطيف السياسي الليبي وحظي بمباركة أممية وتاييد دولي.
وقد لاحظنا أن حرص وإصرار نظامي العمالة على نصرة العميل الأصفر (حفتر) قد دفعهما إلى شراء رضا الرئيس ترامب عنه وإدنائه منه، فلم يلبث أن حظي منه -في الـ19 من إبريل الماضي- بمهاتفة تضمنت بعض كلمات الثناء الذي يمنحه شرعية زائفة، وربما تكون تلك المهاتفة هي السبيل إلى ترقية هذا الحفتر إلى درجة عميل لـ(أمريكا) و(إسرائيل).
ومن اللافت أن هذه المهاتفة اللئيمة قد عادت على ليبيا -أرضًا وإنسانًا- بعواقب وخيمة، فقد أعطت الضوء الأخضر للأرعن حفتر باستخدام أحدث ما استوردته الدول الخليجية من أسلحة أمريكية -لا سيما الطائرات الحربية- في قصف المدنيين الأبرياء في محيط طرابلس الإباء التي كانت وما تزال رمز شموخ ليبيا وشمال أفريقيا، متخذًا من ارتكاب المجازر الشنعاء وسيلة ضغط على حكومة التوافق لتقديم تنازلات تفضي إلى انتصار الباطل على الحق.
ولا تمثل هذه المجازر البشعة سوى صورة مصغرة لما يرتكب على امتداد ثرى ليبيا الحرة -لأكثر من ثمانية أعوام- من جرائم قتل منكرة ترجمة لما تريده السعودية والإمارات لليبيا -بواسطة الـ(حفتر)- من حفترة(تشظية) دائمة لا تقوم لها بعدها قائمة.


في السبت 13 يوليو-تموز 2019 08:26:05 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=7264