حروف تبحث عن نقاط:النواسي عانق الخيام
استاذ/عباس الديلمي
استاذ/عباس الديلمي

يقول علماء الفسيولوجيا أن العقل الباطن لدى الانسان يعمل او ينشط بكثافة في اللحظات الاولى من النوم وقبل الاستيقاظ, ولهذا تكثر الاحلام التي قد لا يتذكر الانسان بعضها عند يقظته ويظل متأثراً بما ترك وقعاً في نفسه.
تذكرت هذه المعلومة عندما استيقظت بعد لحظات من النوم لاجد نفسي مسكوناً بحلم لن انساه مختصره اني وجدت نفسي امام الشاعر العالم عمر الخيام وكان بملابسه وهيئته وملامحه التي رسمتها له في خيالي كغيره من الشعراء والعلماء الذين حازوا على اعجابي وتقديري وعندما سألته يا سيدي بماذا دخلت من بوابة هذه الحياة الابدية وعالم الخلود؟ فأجابني بقوله:
"يا قابل الاعذار عدنا الى ظلك فاقبل توبة التائبين"
ولتأثري بهذا الرد الجامح المانع - كما يقول المناطقة – صحوت من نومي وأضأت مصباحاً بجانبي وتربعت في مكاني مترحماً على عمر الخيام شاكراً لرحمة الله بعباده.. وقلت لنفسي سبحانه الله كيف يلتقي ابو نواس وعمر الخيام حتى فيما اعداه للانتقال الى الحياة الابدية وتذكرت ما روي عن الشافعي رضوان الله عليه انه قد زار ابا نواس في مرضه الاخير وهو يحتضر فقال له: ماذا اعددت لهذا اليوم يا ابا نواس؟ فرد عليه بقوله:
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك اعظما
ثم توفي وقبر في بغداد
لقد التقيا في التزود بخير زاد وهي الثقة بالله ليس قبل الممات فقط ولكن قبل ذلك بأمد طويل وفتحا امام العباد طريقاً لم يفتحه غيرهما اذاما استثنينا الشاعر ابا العتاهية انها طريق عدم اليأس والقنوط ودعوة من اذنبوا ومن اسرفوا في ملذات الشهوات بأنهم اولى من غيرهم في طلب رحمة وسعت كل شيء.
يقول النواسي:-
ان كان لا يرجوك الا محسن فبمن يلوذ ويستجير المجرم
ويقول الخيام:
ان كنت لا تغفر ذنبي فما فضلك يا رب على العالمين
وهاهو النواسي يقول لهم ما دمت مسلماً موحداً لم تقتل ولم تسلب مالاً فاطلب العفو لأنه من حقك الموعود به, اذ يقول:
ادعوك رب كما أمرت تضرعاً فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مالي إليك وسيلة إلا الرجاء وجميل عفوك ثم اني مسلم
وهنا يلتقي مع الخيام القائل
ان لم اكن اخلصت في طاعتك فإنني اطمع في رحمتك
وانما يشفع لي انني قد عشت لا أشرك في وحدتك
ويقر النواسي بأنه اذنب واقدم على ما يستحق عليه العقاب ولكن ثقته بوعد الله تجعله لا يشك في العفو والغفران كما قال:
انا العبد المقر بكل ذنبي وأنت السيد المولى الغفور
فإن عذبتني فبسوء فعلي وان تغفر فأنت به جدير
ويلتقي مع الخيام المؤمن بان من فضل الله على عباده الغفران وقبول التوبة فبعد ان قال الخيام:
اطمع في العفو ولكنني خجلان من علمك سوء الفعال
هاهو يقول: وما انطوى الرحمن إلا على إنا له الخير ومنح الثواب
بل انه يزيد على ذلك ويفسر إقدامه على بعض الآثام بثقته الزايدة في باب التوبة الذي لا يقفل أمام تائب معترف بذنبه كما في هذا البيت
سرت إلى الآثام حتى رأى كيف يذوب الإثم في رحمتك..
ليت المجال يتسع لسرد المزيد عن النواسي والخيام وكيف التقيا فيما يدعو العصاة المعترفين بذنوبهم إلى التوبة وعدم اليأس والقنوط من رحمة ارحم الراحمين, ولهذا أرى إنهما يعتنقان في ظلال الرحمة الإلهية.. قد تكون لنا وقفة أخرى معهما.


في الأربعاء 22 مايو 2019 02:12:22 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=7190