نافذة على الاحداث:هل حان الوقت لبناء الإنسان؟
كاتب/احمد ناصر الشريف
كاتب/احمد ناصر الشريف

أكثر من ثلاثة عقود مرت على اليمنيين وحكامهم مشغولون ببناء الحجر على حساب بناء البشر.. ونعتقد أن الوقت الآن قد حان لنركز فيه على بناء الإنسان أولاً ونعوض اليمنيين ما حُرموا منه في الماضي.. المباني التي شيدناها خلال العقود الماضية واهتممنا بها لأن من ورائها مصلحة شخصية كافية لتغنينا عن تشييد المزيد منها لعقود قادمة ولا تحتاج فقط إلا إلى رفدها بالعقول القادرة على الخلق والإبداع.
لقد همشنا التعليم خلال فترة طويلة من تاريخ اليمن الحديث وجهلنا الجيل الجديد.. فلا هو حافظ على أميته ليفكر بفطرته التي خلقه الله عليها ولا صار جيلاً متعلماً قادراً على العطاء وإنما تم مسخه بين هذا وذاك لأن الحكام- سامحهم الله- أرادوا له أن يكون كذلك لتسهل قيادته وتطويعه.. من يصدق انه بعد أكثر من نصف قرن على قيام الثورة اليمنية (سبتمبر وأكتوبر) لم يتربع على سدة الحكم في اليمن لا رئيس جمهورية ولا نائب رئيس ولا رئيس مجلس نواب ولا رئيس مجلس وزراء ولا حتى وزير خارجية من الذين تعلموا في عهد الثورة والجمهورية سواء في الشمال أو الجنوب سابقاً أو في عهد ما بعد إعادة تحقيق الوحدة المباركة.. بل إن الذين مازالوا في المراكز القيادية العليا هم من أولئك الذين تعلموا في عهد حكم بيت حميد الدين الذي استمر 43 عاماً ومن الذين تعلموا في عهد الاستعمار والسلاطين.. وهذه حقيقة قائمة لا يستطيع أحد أن ينفيها لأنها تعبر عن نفسها وتمثل واقعاً يترجم الوضع الذي نعيشه.
كانوا يقولون على الإمام يحيى حميد الدين- رحمه الله- انه متحجر وبخيل ومع ذلك فقد بدأت البعثات الدراسية إلى الخارج في عهده وحسب من أرّخوا لتلك الفترة فإن أول بعثة طيران تذهب إلى إيطاليا لتعلم الطيران في الوطن العربي كانت من اليمن عام 1926م وبالنسبة لما عرف ببعثة الأربعين التي توجهت إلى لبنان للدراسة عام 1947م وتوزعت بعد مقتل الإمام يحيى في عدة دول هي: مصر وإيطاليا وفرنسا وأمريكا فقد عاد أعضاؤها إلى اليمن بعد التخرج وبعضهم يحمل شهادة الدكتوراه وتحولوا بعد الثورة إلى وزراء ومسؤولين كبار وتم تعيين منهم ثلاثة رؤساء حكومات هم: الأستاذ محسن العيني والمهندس عبدالله الكرشمي والدكتور حسن مكي.. أما البعثة العسكرية التي ذهبت الى بغداد فقد أنتجت لنا أول رئيس جمهورية في اليمن هو المشير عبدالله السلال- رحمه الله- ورئيس وزراء الفريق حسن العمري وقادة عسكريين كباراً مثل الجائفي والدفعي والضبي وجزيلان والمروني وغيرهم رحمهم الله جميعاً.. بل إن الذين تعلموا في الجامع الكبير والمدرسة العلمية في عهد الإمام يحيى تحولوا بعد الثورة إلى زعماء وعظماء بأعمالهم مثل القاضي عبدالرحمن الارياني والقاضي محمد محمود الزبيري والأستاذ احمد محمد نعمان والقاضي عبدالله الحجري وغيرهم، رحمهم الله جميعا وكذلك الدكتور عبدالرحمن البيضاني الذي اعتمد له الإمام أحمد حميد الدين منحة لمواصلة الدراسة الجامعية في القاهرة عاد إلى اليمن بعد التخرج وعمل مع نظام الإمام عشر سنوات وبعد الثورة عين نائباً ًلرئيس مجلس قيادة الثورة ونائباً لرئيس الوزراء.
وكانوا يقولون أن الإمام احمد طاغية ومع ذلك فقد فتحت في عهده الكليات العسكرية وتضاعف سفر البعثات الدراسية إلى الخارج ويكفي دليلاً أن الضباط الأحرار الذين فجروا ثورة 26سبتمبر ضد حكم الأئمة كلهم كانوا خريجي كليات من داخل اليمن وخارجها.. وكذلك من فجروا ثورة 14 أكتوبر اغلبهم شباب متعلم.. أنا لا أدافع هنا عن عهدي الأئمة والاستعمار والسلاطين حينما استشهد برجال تعلموا في عهدهم واستفادت اليمن منهم في العهد الجمهوري لأنه لا توجد مقارنة بين ما نحن عليه اليوم وكيف كنا في تلك الفترة وان كان الوضع حينها في منطقة الجزيرة العربية والخليج متقارباً ولا يوجد أحد أفضل من الآخر بفارق أن هناك من الحكام من انفتح على الخارج واستقدم الشركات الأجنبية لاستخراج الثروة من باطن الأرض ليبددها ويحرم شعبه منها.. وهناك من انغلق تحفظاً وخوفاً من الاستعمار الأجنبي ولكنه حافظ على ثروة الشعب في باطن الأرض ولم يستخرجها وينهبها كما يحصل اليوم في السعودية وإمارات الخليج.
إن الهدف من مقالي هذا هو الإشارة إلى واقع التعليم وكيف كان قوياً في فترة ما قبل الثورة رغم محدوديته وندرة إمكانياته وكيف حاله اليوم رغم توسعه وسهولة تلقيه بفضل ما أدخل عليه من وسائل حديثة ورصد الإمكانات المادية له.. لكن مع الأسف الشديد خريج الجامعة اليوم لا تعادل معلوماته وخاصة فيما يتعلق بالتاريخ والتربية الوطنية وعلوم الدين الصحيحة وإتقان الخط والإملاء ما يعادل معلومات خريج المدرسة الابتدائية في عهد ما قبل الثورة.. ولذلك لم يصعد أحد منهم إلى سدة الحكم أو حتى يشغل منصباً في المراكز القيادية العليا التي أشرنا إليها آنفاً.. وهذا يؤكد ما سبق وقلناه في مقال سابق: أن طالباً جامعياً سأل القاضي محمد إسماعيل العمراني أمد الله في عمره: لماذا يا قاضي محمد لا نتقن العلم مثلكم؟ فرد عليه القاضي العمراني قائلاً: نحن تعلمنا في الجامع وأنتم تعلمتم في الجامعة وليس الذكر كالأنثى.. لقد لخص ضعف التعليم في جملة مفيدة تستحق الوقوف عندها طويلاً.


في الثلاثاء 12 مارس - آذار 2019 10:36:44 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=7083