بوح اليراع: الصراحة سبيل إلى الراحة
عبدالسلام التويتي
عبدالسلام التويتي

ما من شك أن الصراحة التي لا يُرمَى من ورائها إلى أيِّ نوعٍ من المُجارحة -وعلى اعتبار أنها نوع من الوضوح الهادف إلى إرساء مبدأ الشفافية في التعامل بشكل كامل- تعكس ما يتمتع به الصرحاء من نقاء السريرة وحسن النيَّة، كما أنها مؤشر واضح على ما يتحلون بهِ من ورقِّة الطباع ومكارم الأخلاق، وذلك بعكس التكاتُم بشكلٍ كليٍّ ودائم الذي يعكس -بالإضافة إلى كونه علامة فارقة على انعدام الحدِّ الأدنى من الثقة- ما تتبادله نفوس المتكاتمين -بصورة متكافئة وخفيَّة- من سوء النية واسوداد السريرة وخبث الطوية بكل ما تتطلبه النوايا المتُباينة والمتخالفة من تمثيل أدوار زائفة وغير واقعية قد تفضي بمتقمِّص الدور أو تضطره -أحيانًا- إلى الكذب في الحديث وإلى تبييت نية خيانة الأمانة وإلى إضمار نية الغدر والتنكُّب للعهود وخلف الوعود وإلى الفجور في الخصومة، وغير ذلك من السلوكيات البشريَّة المذمومة، فإذا هو قد تخلَّق -وبشكلٍ لا يطاق- بكل أخلاقيات وخصال النفاق.
وإذا عقدنا مقارنة مبدئية بين الآثار المجتمعية الإيجابية المترتبة على الصراحة والوضوح العادل في التعامل وبين التكاتم وأضراره المحظورة التي يُوشك المجتمع أن ينقسم -بسببها- إلى أنفس قاهرة وأخرى مقهورة، فستتبيَّن لنا -وبشكلٍ بات- أهمية الصراحة في حياة الأفراد والمجتمعات، وفي ما يلي نُبيِّن ما وصلنا إليه من استنتاج بشكل واضح وجلي:
الصراحة في حياة الفرد
إن الفرد الصريح المُترفِّع في صراحته عن كل أساليب القدح والتجريح يتميز على ما سواه ممن لا ترتقي بهم صراحتهم إلى مستواه بما يلي:
١- أنَّهُ يعيش بشخصية واحدة غير قابلة لما يلجأ إليه بعض الأشخاص من أشكال التصنُّع والمزايدة، لأنه ليس مضطرًا إلى تقمُّص شخصيات متعددة -ضمن شخصيته الواحدة- تبعًا لاختلاف المواقف وتباينها وتبايُن مواقف الشخصيات أو الجماعات منها.
٢- أنَّهُ يبقى على الدوام موضوع توقير واحترام مُختلف أطراف الخصام، لأن موقفه الصريح مبدئيٌّ وثابت، وهو –وبكلِّ تأكيد- متمسك به بشكل شديد غير متأثر بما قد يُمارس عليه من وعد أو وعيد أو إغراء أو تهديد، على اعتبار أن الصراحة صورة من صور الشهادة التي يجوز كتمانها تحقيقًا لقوله –تعالى-: (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) سورة البقرة من الآية رقم: (283).
٣- أنَّهُ يعيش حياته -بقليلها والكثير- مطمئن النفس مستريح الضمير، بسبب ما يتوافر له -نتيجة صراحته البنَّاءة- من الشعور بالرضا دائمًا وأبدًا، على اعتبار أنَّهُ قد ابتغى بصراحتهُ مُناصبة الباطل العدى وكان للحق ظهيرًا وعونًا وسندا.
فيوشك أن يلقى ربه قرير العين بملازمته طوال حياته هذا السلوك الحسن ،آملاً أن يكتنفه الله بواسع رحمته وأن يفوز بعفوه ومغفرته.
الصراحة في حياة المجتمعات
إنَّ المتتبع للمسيرات التاريخية للمجتمعات الإنسانية يُلاحظ أنَّ المجتمع المتَّسم أفراده بقدر أعلى من الصراحة يتمتَّع بما لا يتمتَّع به سواه من مظاهر العدل والتقدُّم والرفاه، إذ أنَّ الصراحة تُفضي إلى نشوء مجتمع قوي في ضوء ما يلي:
إنَّ المجتمعات التي تسودها الصراحة يسهل فيها تحديد الفروق الفردية في القدرات وتقييم مستويات الكفاءات في الأداء التي يتبعها -بالضرورة- تفاوت في مستويات الإنتاج والعطاء، لما من شأنه إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه ونيلُ كلِّ مستحِقٍّ مُستحقَّه، فتسود -وبصورة تلقائيَّة- ما ينشده أبناء المجتمعات البشرية من المساواة والعدالة الاجتماعية.
إنَّ المجتمعات الأكثر تلاؤمًا مع مبدأ الصراحة تكون -عادة- أشدَّ تماسكا، لأن صراحة أفرادها تُسهِّل على ولاة أمورها تحديد مواطئ الخلل وتلافي وقوع البعض في مواطن الزلل بالاعتماد على سَنِّ ما يتناسب وحجم المخالفات من عقوبات بالتوازي مع صياغة خطاب توعوي تربوي، لا يلبثان أن يتضافرا في إفراز مجتمع يسلك جُلُّ أفراده ما ينبغي من سلوك سوي يُسهم -على المدى المنظور- في ما ينبغي من تماسكٍ مجتمعيٍّ قوي.
(فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر) سورة القمر من الآية رقم: (32).
وما أحوجنا إلى التناصُح بالتحلي بهذا الخُلق الكريم، فيقول قائلنا بقلبٍ سليم ولسانٍ قويم:

صَرَاحَةُ المَرْءِ مَنْجَـــاةٌ مِنْ الذَّمِّ وَمُذْهِبٌ جُلَّ مَا يَغْشَــاهُ مِنْ غَمِّ
فَرَاحَةُ البَالِ فِيهَا، كُلَّمَـــا، أُلِفَتُ تَآلَفَ النَّــاسُ رَغْمَ الْكَيْفِ وَالْكَمِّ
فَاحْرِصْ عَلَيْهَا لِكَيْلا تُحْشَرَنَّ غَدًا فِيْ زُمْرَةِ مِنْ ذَوَاتِ الدَّسِّ وَالنَّمِّ


في الأحد 03 فبراير-شباط 2019 01:27:31 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=7004