بوح اليراع:المجلس الخليجي والانهيار التدريجي
عبدالسلام التويتي
عبدالسلام التويتي

بالرغم من التجانس النسبي بين أنظمة ما يسمى(مجلس التعاون الخليجي)، وبالرغم من ارتباطها بالغرب الإمبريالي بشكلٍ علني، وبالرغم من افتضاح أمر تورطها بمد جسور تعاون مع الكيان الصهيوني بشكل سري، فإنه بفعل بعض المؤثرات الراهنة آخذ بالتهاوي.
وإذا كانت كافة أنظمة المجلس قد أجمعت في تسعينات القرن الماضي على جعل المنطقة العربية قاعدة انطلاق لتدمير العراق، فبعد أن كان أحد أغنى الأقطار العربية أصبح يُعاني حكومة وشعبًا من الفاقة والإملاق، إلا أن ذلك الإجماع لم يتوافر في الاعتداء الباهض الثمين على اليمن للأسباب الآتية:
١- عقدة الاستعلاء لدى قيادتي السعودية والإمارات: التي بلغت ذروتها في عهد وليي العهد اللذين يطمحان إلى بناء مجد عسكري وسياسي على حساب الدم اليمني، ففي الوقت الذي يُلمِّع الإعلام المحمدين الغرين، اكتفت بقية أنظمة المجلس بلعب دور هامشي، ولعل هذا ما فطنت إليه سلطنة عمان فحددت موقفها من تحالف العدوان ولم تنخرط فيه حتى انخراطًا شكليا بل نأت بنفسها نأيًا كليًّا، وليس هذا فحسب، بل أعلنت نفسها وسيطًا محايدًا ونزيهًا بين الأطراف اليمنية المتصارعة، وما تزال مؤملة أن تنال شرف التوفيق بين اليمنيين، ولو بعد حين.
وليست دولة الكويت بعيدة كثيراً عن موقف السلطنة، ولولا تحرُّجها مما يمكن أن يعد تنكُّراً لدور حليفتيها في تحريرها من الغزو العراقي لكان موقفُها أوضح من أن يُشرح.
٢- ضخامة فاتورة العدوان: مما لا شك فيه أن فاتورة العدوان على اليمن أضخم فاتورة حرب في التاريخ المعاصر، لأنها عبارة عن فاتورتين: فاتورة ظاهرة وتتمثل في الكلفة الباهظة للطلعات الجوية وما لا يُحصى من الذخائر والقذائف والصواريخ المختلفة الأغراض بما فيها صواريخ المنظومتين الدفاعيتين: باتريوت(Patriot) وثاد(THAAD) الخياليتي الثمن، لكن هذه الفاتورة بالرغم من ضخامتها فإنها لا تقارن بالفاتورة الخفيفة المتمثلة في كلفة شراء ذمم أنظمة العالم وضمان سكوتها على ما يرتكبه المعتدون من جرائم، على أن الحظ الأوفر هو من نصيب إمبراطورية الشرِّ(أمريكا) ورئيسها المعتوه ترامب الذي دفعته رغبته الجامحة للاستحواذ على أكبر قدر من ثروات الخليج إلى تجشُّم عناء الحضور لتحصيل قيمة تلك الفاتورة البالغة حوالي 400مليار دولار بذريعة توقيع اتفاقيات شراء أسلحة، بالإضافة إلى حوالي 500مليار دولار هي بحسب التسريبات-عبارة عن رشوة للتغاضي عن الإفراط في استخدام القوَّة.
ولما كان قدر الرشوة الذي لا يقبل به عاقل مُثقلاً للكاهل، فقد امتنعت دولة قطر عن دفع ما افترض عليها، متهمة الحليفتين بتعمُّد إثقال كاهلها، الأمر الذي أدى إلى استبعادها من تحالف العدوان وإلغاء دورها الشكلي، وصولاً إلى إعلان الحصار عليها، لتُصبح بين عشية وضحاها حليفة لخصوم المجلس الذي كانت عضواً فيه.
٣- الأثر الناتج عن عمليات الطيران المُسيَّر: عند ما كانت ردود الفعل العسكرية اليمنية مقصورة على إطلاق الصواريخ الباليستية التي كان تأثيرها المُباشر محصوراً على المواقع العسكرية والمنشآت الحيوية السعودية، كانت المكونات السياسية لدولة الإمارات تظن نفسها في مأمن من الخطر، أما بعد دخول الطيران المُسيَّر ساحة المعركة فقد بدأت تلك المكونات -لا سيما إمارة دُبَي التي تُعَدُّ قبلة رجال المال والأعمال- تشعُر بالخطر الذي قد يقصم ظهر اقتصادها المعتمد على استضافة رجال الأعمال والتبادل التجاري في المنطقة الحُرَّة، واستمرار هذا الاتجار بحاجة إلى المناخات الآمنة البعيدة عن أجواء الصراعات، وقد دفعها تغيُّر مسار المعركة بهذه الصورة المُربكة إلى التملمُل الذي يُوشك أن يُترجم -في أيَّة لحظة- إلى إعلان حُكامها عدم قدرة إمارتهم على الاحتمال، وهذا الإعلان يُعَدُّ خطوة مُتقدمة على طريق الانفصال الذي سيُمثل بداية تشظّي دويلة الإمارات، وبتشظي دويلة العهر والفجور في المدى المنظور يكون هذا المجلس قد دخل -دون سابق إنذار- مرحلة متقدمة من الانهيار غير مأسوف عليه إلاَّ من قِبَلِ كيان اليهود الصهاينة الذي كان لأنظمة الخليج الدور الأبرز في ترسيخ أركانه.
فلا يسعنا عند ذلك إلاَّ أن نُخاطبَهُ قائلين:

يَا مَجْلِسًا أُنْشِئْتَ دَعَمَا لِلْيَهُوْدْ       حَظُ العُرُوْبَةِ مِنْ مَمَالِكِكَ الْجُحُوْدْ
بَلْ إِنَّ حَظَّ دِيَانَةِ الإِسْلَامِ مِنْـ        كَ عَدَاوَةٌ كَعَدَاوَةِ الخِصْمِ اللَّدُودْ
فَاغْرُبُ يُشَيُّعُكَ السِّبَابُ, وَكُلُّنَا       ثِقَةٌ بِأَنَّكَ قَدْ أَفَلْتَ, وَلَنْ تَعُوْدْ


في الثلاثاء 25 ديسمبر-كانون الأول 2018 10:39:44 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=6916