وزارة الإعلام بين السلطة والمعارضة!
كاتب/نصر طه مصطفى
كاتب/نصر طه مصطفى
 أظن أن بإمكاني اليوم أن أكتب بمنتهى الحرية والصراحة حول موضوع إلغاء وزارة الإعلام الذي يدور حوله جدل منذ فترة وطالبت به أحزاب اللقاء المشترك في برنامجها للإصلاح السياسي الذي أعلنته أوائل شهرديسمبرالماضي، ويبدوأنه سيتحول إلى موضة لدى بعض دول المنطقة كدليل على انتهاجها الديمقراطية ، أولأسباب غير واضحة لدى بعضها الآخر الذي يوشك على قطع الخطوة الأولى في طريق الديمقراطية الطويل.
أما عن سبب كتابتي اليوم فهو ببساطة ووضوح بعد أن أبعد التعديل الوزاري الأخيرعني دعوى وضع العين على هذه الوزارة التي أشارإليها الدكتورالمتوكل في أحد مقالاته بجريدة النداء قبل ثلاثة أشهر تقريبا، وكذلك الشائعات التي طالتني عبر العديد من الصحف المحلية والتسريبات الخارجية طوال الشهور العشرة الماضية بأني أحد المرشحين لتوليها الأمر الذي جعلني أتردد كثيرا في مناقشة رأي المعارضة بضرورة إلغاء هذه الوزارة تجنبا لأي فهم مغلوط حول موقفي... فللأسف أن الكثير من مثقفي المعارضة يشكون من ممارسة إرهاب فكري ضدهم فيما هم يمارسونه، ومنهم الدكتور المتوكل – على سبيل المثال – الذي اعتبرأن نقدي الموجه لمبادرة المعارضة بسبب أن عيني على وزارة الإعلام (!) ، مثلما هو كذلك يعتبر أن كل من يرجو من الرئيس علي عبدالله صالح التراجع عن قراره بعدم الترشيح بأنه من (حملة المباخر) وأوصاف أخرى كثيرة لا يليق أن تصدر من مثقف مثله ، ناهيك عن أنه ينهى عن خلق (الإرهاب الفكري) ويأتي مثله!
أعود إلى موضوعي الأساسي بعد المقدمة السابقة التي كان لابد منها... وأتساءل: هل المشكلة في وجود وزارة الإعلام من الأساس بحيث أن إلغائها سيطلق حرية الصحافة والإعلام بلا حدود؟! وهل إنشاء مجلس أعلى للإعلام بدلا عن الوزارة هو الحل؟! إذا ناقشنا المسألة في ظل الوضع الدستوري والسياسي القائم حاليا ، ففي تصوري أن إلغاء وزارة الإعلام لا يحل المشكلة بل قد يزيدها تعقيدا طالما هناك مؤسسات إعلامية حكومية كمؤسسة الإذاعة والتلفزيون والمؤسسات الصحفية الثلاث ووكالة الأنباء الرسمية... فوجود الوزارة هنا أمر في غاية الضرورة باعتبارها المعنية بتمثيل هذه المؤسسات في مجلس الوزراء الذي هو بنص الدستور (الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة) وباعتبارها المعنية بطرح قضايا ومشكلات هذه المؤسسات على المجلس لمعالجتها، وباعتبارها – أي الوزارة – المعنية بتنسيق الأداء بين هذه المؤسسات بحيث يبدو متناغما منسجما ... ويمكن في هذه الحالة أن يكون وجود مجلس أعلى للإعلام عاملا مساعدا وليس بديلا عن الوزارة، وباختصار طالما هناك مؤسسات إعلام وصحافة حكومية فلابد أن يكون هناك وزارة ... وإلا فإننا – بموجب ذلك المنطق الغريب – لابد أن نلغي معظم الوزارات التي تتبعها مؤسسات يرتكز عليها النشاط الفعلي مثل وزارات الكهرباء والاتصالات والثقافة والنقل والمالية والسياحة والأشغال والنفط وغيرها!
وفي هذا الصدد أود الإشارة إلى حديث سريع تم بيني وبين وزيرة الثقافة الأردنية السابقة (أسمى خضر) أوائل العام الماضي في عمان عندما سألتها عن كيفية الإشراف على مؤسسات الإعلام الحكومية الأردنية بعد إلغاء وزارة الإعلام فأجابت بأن رئيس الوزراء هو المعني بذلك لكنه نظرا لمشاغله قام بتكليفها كوزيرة للثقافة بهذه المهمة فقلت لها مستغربا وما جدوى إلغاء وزارة الإعلام إذن؟! للأسف لم يستمر النقاش لأننا كنا في حفل افتتاح المبنى الجديد لوكالة الأنباء الأردنية والذي كانت مكلفة بافتتاحه باعتبارها الوزيرة المسؤولة ، مع كامل احترامي لقرار الأشقاء في الأردن بإلغاء وزارة الإعلام فهم أدرى بأحوالهم بالطبع.
أما في الغرب وفي الولايات المتحدة الأمريكية تحديدا فلا أظن أنه يخفى على أولي العلم في المعارضة أن هناك إدارة معنية بالإعلام الحكومي في وزارة الخارجية الأمريكية تشرف على إذاعة (سوا) وعلى قناة (الحرة) وعلى مجلة (هاي) التي تم وقف صدورها مؤخراً وغيرها من الوسائل الإعلامية الحكومية الموجهة للداخل والخارج بمختلف اللغات ، والشاهد هنا أنه لابد من جهة ما مسؤولة تشرف على وسائل الإعلام الحكومية وتوجه سياساتها وتحدد أهدافها سواء كانت وزارة أم إدارة أم هيئة (كما في قطر) حيث لابد من مرجعية سواء كان البلد ديمقراطيا عريقا أم ديمقراطيا ناشئا!
أعلم مقدما أنهم سيقولون أن تصورهم بإلغاء وزارة الإعلام هو ضمن برنامج كامل للإصلاح يتضمن جعل النظام السياسي برلمانيا وليس مختلطا كما هو عليه الآن، وأنهم طالبوا بجعل وسائل الإعلام العامة مؤسسات وطنية (!) ... وأقول أن النظام البرلماني لا يعني بالضرورة إلغاء وزارة الإعلام إلا أنه من حقكم أن تفعلوا ما تشاءون عندما تفوزون بالأغلبية فتجعلون النظام برلمانيا وتلغون وزارة الإعلام فذلك حقكم الديمقراطي!
في تقديري أن المهم ليس إلغاء وزارة الإعلام لكن المهم أن تتواكب وظائفها مع ما تقتضيه المرحلة ومع ما يقتضيه نظام سياسي ينتهج الديمقراطية التعددية والتداول السلمي للسلطة ، والمهم – أيضا – هي القوانين التي تعمل بموجبها وزارة الإعلام والمؤسسات التابعة لها ... فعلى ضوء ذلك يمكن الحديث عن دور (قمعي) للوزارة كما يحلو لبعض أطراف المعارضة أن يصفوه أو الحديث عن دور يعزز الحريات كما أظن أن القوانين النافذة تؤكده وكما أعتقد أن القانون الجديد للصحافة سيجسده ... وأعجب من الذين أظهروا القلق في كتاباتهم من عودة الأستاذ حسن اللوزي وزيرا للإعلام في التعديل الأخير وأخذوا يصدرون الأحكام ضده رغم أنه وضع تعديلات رائعة على مشروع قانون الصحافة الجديد عندما كان رئيسا للجنة الإعلام في مجلس الشورى، ورغم الحوار المسؤول الذي دار بينه وبين أعضاء مجلس النقابة عند زيارته لهم يوم الأحد الماضي ... فمن الإنصاف أن يتركوا للرجل فرصته الكاملة ثم يصدروا أحكامهم وإن كنت أدرك أن البعض لن يعجبه العجب ولا الصيام في رجب!
أخيرا... من حقي – ديمقراطيا – أن أبدي استغرابي من التناقض السلوكي الذي وقعت وتقع فيه أحزاب اللقاء المشترك التي طالبت في برنامج الإصلاح السياسي والوطني الذي تبنته بإلغاء وزارة الإعلام بينما هي لم تبادر حتى الآن لإلغاء دوائر الإعلام في أحزابها فتكون بذلك قدوة في سلوكها... فدوائر الإعلام في الأحزاب السياسية – كما يعلم الجميع –هي وزارات إعلامها باعتبارها جزءا من أماناتها العامة التنفيذية – التي تختلف مسمياتها من حزب لآخر – والتي تعتبر بمثابة حكوماتها ... ونعرف جميعا حجم الخلافات التي حدثت بين الدوائر الإعلامية في عدد من أحزاب المعارضة وبين رؤساء تحرير صحفها وما نتج عن تلك الخلافات ، فكيف تطالب أحزاب اللقاء المشترك بإلغاء وزارة الإعلام وهي تحتفظ بدوائر الإعلام فيها وتعطيها من الصلاحيات ما لا أول له ولا آخر؟!

في الخميس 09 مارس - آذار 2006 07:40:30 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=415