في السياق الطبيعي لمسيرة الرجل –
كاتب/خير الله خيرالله
كاتب/خير الله خيرالله
لم يفاجئ اعلان الرئيس علي عبدالله صالح عن أنه لاينوي ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية المقبلة سوى أولئك الذين يحبون المفاجات أو الذين يسعون إليها. كل مافي الأمر أن موقف الرئيس اليمني يصب في السياق الطبيعي لمسيرة الرجل الذي رفض تولي السلطة منذ البداية الَّا عن طريق الانتخابات وكانه اراد أن يكرس منذ اللحظة الأولى لاطلالته السياسية على اليمنيين نهجاً جديداً يقوم على فكرة الشرعية المستمدة من ممثلي الشعب في البداية ثم من الشعب مباشرة في مرحلة لاحقة. ولذلك حرص مذ كان في العام 1978م قائداً للواء تعزعلى تحدي الاخطار، في بلد أغتيل فيه رئيسان في اقل من تسعة أشهر، كي ينتخب من مجلس الشعب التأسيسي (مجلس النواب وقتذاك) بدلاً ان يكون رئيساً بالتعيين وهذا الامر -اي ان يكون رئيساً بالتعيين- كان اكثر من ممكن مثلما كان ممكناً بقاء علي عبداالله صالح في تعز في انتظار ان تهدأ الأمور في صنعاء.
منذ البداية ركب علي عبدالله صالح مركب تحدي الامر الواقع ورفض الرضوخ له، على الرغم مما ينطوي عليه ذلك من صعوبات ومخاطر ورفض الأمر الواقع في ايامنا هذه لايعني فقط دعوة اليمنيين الى التفكير ملياً في مستقبل الحياة السياسية لبلدهم عبر التداول في قضية من يمكن أن يكون رئيسهم المقبل بعد انتخابات ايلول - سبتمبر 6002م بل يعني ايضاً امتلاك مايكفي من الشجاعة المطلوبة للاقدام على اصلاحات محددة ومن بين هذه الاصلاحات رفع الدعم عن مواد معينة. انه دعم يرهق خزينة الدولة ويمنعها في حال استمراره، من الحصول على مساعدات خارجية من جهة ويحول قسماً من المجتمع اليمني الى مجتمع اتكالي من جهة اخرى. إن الدعم حيث يجب الا يكون، يشكل الطريق الأقصر لمنع قيام دولة اخرى. ان الدعم حيث يجب الايكون، يشكل الطريق الأقصر لمنع قيام دولة حديثة في بلد مثل اليمن. مايحاول علي عبدالله صالح عمله هو نقل البلد الى مرحلة جديدة لااكثر ولا أقل، مرحلة تتناسب مع المعطيات الاقليمية والدولية. نعم تحققت انجازات كثيرة في اليمن خلال السنوات الاخيرة، بدءا بتحقيق الوحدة وانتهاء بقيام نظام يقوم على التعددية السياسية، مرورا برسم الحدود مع المملكة العربية السعودية، وهو ماكان يعتبره كثيرون مهمة مستحيلة والأهم من ذلك كله ربما، استطاعت اليمن الدفاع عن الوحدة التي شجع غير طرف على العودة عنها، كذلك تفادت اليمن السقوط في الافخاخ التي نصبت لها خصوصاً عندما تجنبت حربا مع اريتريا لدى احتلالها جزيرة حنيش وجزراً اخرى قريبة منها. على العكس من ذلك استعادت اليمن حقوقها بواسطة الديبلوماسية والقانون الدولي وانصرفت الى معالجة مشاكلها الداخلية بما في ذلك التصدي للارهاب والجماعات التي تستخدمه لضرب الاستقرار في البلد. وما هوأهم من ذلك اليمن استطاعت قطع الطريق على اولئك الذين ارادوا تحويلها بؤرة لتصدير الارهاب والارهابيين وعزلها عن العالم المتحضر وكان لليمن دور اساسي في اقامة اطار للتعاون بينهاوبين دول القرن الافريقي في مجال مكافحة الارهاب.
لكن هذه الانجازات لاتعني ان يراوح البلد مكانه، وبكلام اوضح لايوجد شيء اسمه نصف ديمقراطية او شيء اسمه نصف اصلاحات اما ديمقراطية كاملة اولا ديمقراطية اما اصلاحات الى النهاية واما انصاف حلول لاتقدم ولاتؤخر ارادت اليمن الذهاب الى النهاية في تجربتها واراد الرئيس اليمني وضع اليمنيين امام امتحان جديد ومثلما نجحوا في امتحان الوحدة وفي امتحان الدفاع عنها وفي امتحان اقامة احزاب وخوض الانتخابات ليس مستبعداً ان يجتازوا امتحان التداول السلمي للسلطة كل ماأراد علي عبدالله صالح قوله لمواطنيه يتمثل في ان الديمقراطية ليست مجرد شعارات. انها فعلاً ممارسة يومية.
والديمقراطي الحقيقي يبدأ بتطبيق التجربة على نفسة اولا، وذلك بقبول الرأي الآخر ومحاولة الاستفادة منه قدر المستطاع ولهذا السبب وليس لغيره كانت ابواب الرئيس اليمني مشرعة دائماً امام كل من لديه رأي يود الادلاء به.
ليس مهما ان يتمسك علي عبدالله صالح بموقفه الرافض للترشح للرئاسة مرة أخرى، علما بأنه يحق له بموجب الدستور بولاية واحدة اخرى. المهم ان الرجل اراد وضع اليمنيين امام مسؤولياتهم وذلك بأن يتعودوا جدياً على فكرة التداول السلمي للسلطة على كل المستويات من جهة وعلى تحمل مسؤولياتهم في دولة ديمقراطية من جهة اخرى، دولة فيها حياة حزبية نشطة وفيها برلمان يذهب بعيداً الى حد المبالغة احياناً في طريقة مراقبته للحكومة ومحاسبته لها ولأعمالها.
مثلما ان الوحدة اليمنية صارت واقعاً ملموساً بعدما كانت مجرد حلم بعيد المنال، تقترب اليمن من ان تصبح دولة ذات تجربة ديمقراطية تختلف اختلافاً شديداً عن محيطها. وما تبين مع مرور الوقت ان مايحمي الوحدة والبلد في المدى الطويل هو الديمقراطية ولاشيء غير الديمقراطية ومن هذا لايمكن الا اخذ ماقاله علي عبدالله صالح عن موقفه من اعادة ترشيح نفسه على محمل الجد، لالشيء سوى ان قراره يندرج في السياق الطبيعي لتصرفات الرجل الذي قدم لبلده مايستطيع تقديمه له خصوصاً بعدما حقق الوحدة من دون اراقة نقطة دم ودافع عنها بأغلى ماعنده اكثر من ذلك، يستطيع علي عبدالله صالح ان يترك السلطة الآن داعياً اليمنيين الى ان يتذكروا انه صار لبلدهم حدود واضحة ومعروفة اكان ذلك برا او بحراً كل ماعليهم عمله بعد الآن هو السعي الى العمل من أجل المستقبل اي ان يكونوا في مستوى تحديات القرن الواحد والعشرين.. مافعله هو انه وضع مرة اخرى ثقته في شعبه.. والى الآن لم يخذل اليمنيون رئيسهم منذ العام 1978م يوماً مثلما انه لم يخذلهم يوماً، انه عقد تاريخي بين الجانبين مبنى على الثقة المتبادلة التي تسمح له بالقول انه لن يترشح وانه آن الأوان ان يفكر اليمنيون في ان الذي يبقى في النهاية هو الوطن، وطن لجميع اليمنيين يستحقون العيش فيه مع ابنائهم واحفادهم.

في الخميس 28 يوليو-تموز 2005 06:06:12 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=254