عن الوضع الجديد في العراق...
كاتب/خير الله خيرالله
كاتب/خير الله خيرالله

هذه مرحلة الأسئلة في العراق؟ في مقدم الأسئلة هل صحيح أن تطوراً جذرياً طرأ على الوضع وأنه بات في الامكان الرهان على مرحلة جديدة يستعيد فيها العراق عافيته؟
قبل كل شيء، لا بد من أن تؤخذ في الاعتبار انطباعات عراقيين وعرب زاروا العراق حديثاً وتجولوا في بغداد ومدن ومناطق اخرى. هناك اجماع لدى هؤلاء،
 على الرغم من تحسن الوضع الأمني، على أن القوات الأمريكية لا يمكن أن تبقى طويلاً في المدن العراقية. عليها التجمع في أسرع ما يمكن خارج المدن كي لا يعود ظهورهاً يرتدي طابعاً استفزازياً كما عليه الحال الآن. هناك أيضا شبه اجماع على أن العراقيين يرفضون الاحتلال وباتوا يفكرون بطريقة مختلفة بعيداً عن الغرائز المذهبية التي طفت على السطح وميزت مرحلة ما بعد سقوط نظام صدّام حسين العائلي- البعثي. كانت هناك حرب اهلية غير معلنة طوال الفترة الممتدة بين العامين 2003 و 2007. أدت الحرب الى تغيير ديموغرافي كبير، خصوصاً في بغداد التي كانت مدينة نصفها سني والنصف الآخر شيعي، فاذا بها الآن مدينة شيعية بنسبة سبعين في المئة، استنادا الى شخصيات عراقية محترمة يمكن الاعتماد على كلامها لا تنتمي الى أي حزب أو ميليشيا.
لعل أكثر ما يلفت نظر هذه الشخصيات التي تزور العراق بين الحين والآخر تغيير كبير في مزاج الموطنين العاديين. هناك رفض لدى هؤلاء المواطنين لفكرة الانتماء المذهبي يرافقه شعور متنام بأهمية العراق العربي الذي يشكل امتدادا لدول الجوار كالأردن والسعودية وسوريا. يقابل ذلك حذر كبير من ايران، بما في ذلك لدى الشيعة، ونوع من التردد حيال الموقف الواجب اتخاذه من تركيا. يعود التردد الى الشعور المتنامي بأنّ تركيا هي الطرف الوحيد الذي يحول موقفه دون إنفصال الأكراد واعلان دولتهم المستقلة. وما لا بدّ من ملاحظته في هذا المجال أن حال التقارب الذي كان قائماً بين الأحزاب الشيعية الكبيرة والحزبين الكرديين الكبيرين لم تعد كما كانت عليه في الماضي القريب، خصوصاً بعدما أظهر الأكراد رغبة في ضم كركوك التي لا يزال العراقيون العرب، من سنة وشيعة، يعتبرونها مدينة أساسية من مدن العراق!
يشير استطلاع للرأي أجراه "مركز العراق للبحوث والدراسات الاستراتيجية" وشمل نحو ثلاثة آلاف شخص في كل المحافظات العراقية الى أن أكثرية العراقيين تتطلع الى عراق آمن. الأمن هو الهم الأوّل للعراقيين تليه مشكلة البطالة والخدمات العامة. ولكن أكثر ما يلفت في الاستطلاع صعود نجم رئيس الوزراء نوري المالكي والدكتور اياد علاوي. فقد جاءا في طليعة الشخصيات العراقية "الأكثر قدرة على تحقيق التغيير الايجابي في العراق" حسب صيغة السؤال الذي طرح على الذين شملهم الاستطلاع. حصل المالكي على تأييد نسبة 17،2 ٪ وعلاوي على تأييد نسبة 16،7 ٪ لم يحصل الدكتور ابراهيم الجعفري الذي حل ثالثاً سوى على نسبة 7،8٪ والسيد مسعود بارزاني سوى على 6،3 ٪.
لعل أكثر ما يلفت في الاستطلاع رفض معظم الذين وجهت اليهم الأسئلة وصف أنفسهم بسني أو شيعي. هؤلاء يكتفون بقول أنهم مسلمون عرب. وهذا شيء مهم وتطور ايجابي متى عدنا الى أحداث السنوات الماضية والندوب التي خلفتها. وتؤكد الشخصيات العراقية المستقلة التي تزور العراق دورياً صحة ما ورد في الاستطلاع في هذا الشأن. وتعزو ذلك الى أمرين: الأول الحرب التي شنتها عناصر"الصحوة" السنية على "القاعدة" والمنظمات السنية المتطرفة التابعة لها أو التي تدور في فلكها من جهة والى شعور الشيعة عموماً بالضغط الايراني ورفضهم أن يكونوا تابعين لطهران سياسياً ولقماً دينياً من جهة أخرى.
بغض النظر عما تضمنه الاستطلاع، تبدي الشخصيات المستقلة تخوفها من النفوذ الايراني. وتشير الى أنه بين الاسباب التي تدفع الحكومة الحالية الى التريث في الموافقة على الاتفاق الأمني مع الولايات المتحدة، ان لم يكن السبب الاساسي في ذلك. هناك جوانب سلبية في الاتفاق وأخرى ايجابية. إلاّ أن العامل الاساسي الذي يحول دون توقيع الاتفاق أن الايرانيين يتطلعون الى التفاوض في شأنه مع الادارة الامريكية الجديدة. أنهم يدركون أن نوري المالكي مثله مثل أي زعيم حزب شيعي كبير، تدربت عناصره في الأراضي الايرانية، لا يستطيع الخروج عن طاعة طهران عندما يتعلق الأمر بقضية اساسية ومحورية مثل الاتفاق الأمني. بكلام أوضح، تريد ايران افهام الولايات المتحدة أن العراق منطقة نفوذ مشتركة للجانبين وأن ليس في الامكان اخراجه من دائرة النفوذ الايراني. بكلام أكثر وضوحا أيضا، مطلوب أن تفهم الادارة الامريكية أن ايران كانت شريكتها في الحرب على نظام صدّام حسين وأن لا بدّ لها من الحصول على حصتها من الغنائم. في النهاية، كانت ايران الطرف الأقليمي الوحيد الذي شجع ادارة بوش الابن على الحرب وقدم لها كل التسهيلات التي احتاجت اليها في العام 2003.
هناك وضع جديد في العراق. هناك رغبة حقيقية لدى الشيعة والسنة في تجاوز أحداث السنوات الأخيرة. هناك عودة الى الاحتماء بالشعور العربي وتجاوز الانقسامات المذهبية. هل هذا كاف لمواجهة النفوذ الايراني المتزايد؟ هل هناك ما يستطيع العرب عمله لدعم التوجه الجديد لدى العراقيين؟ ثبت الى الآن، أن جهوداً عربية بذلت للعودة الى العراق سياسياً ودعمه. أنها جهود صادقة. لكن الحاجة الى استمرارية في الجهود. الايرانيون يمتلكون الاستمرارية والصبر. هذا ما يجعلهم، اقله الى الآن، في وضع أفضل من العرب في ما يخص العراق.
 

 


في الخميس 30 أكتوبر-تشرين الأول 2008 09:03:56 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=2334