في المسألة الرياضية
دكتور/عبدالعزيز المقالح
دكتور/عبدالعزيز المقالح
علاقتي بالرياضة كعلاقتي بالاقتصاد صفر على الشمال، فأنا لا أتابع كرة القدم ولا السلة أو الطاولة، ولا أهتم كثيراً بسباق المسافات سواء أكان بالسيارات أو الدراجات أو على الأقدام، ولا بأشكال السباحة. ومع ذلك فقد شدني شيء ما إلى دورة الألعاب الأولمبية الأخيرة التي أقيمت في العاصمة الصينية بكين، وهو الشيء الذي يكمن فيه إفلاسنا المنقطع النظير- نحن العرب- في المجال الرياضي، رغم الحمّى العاصفة التي تدور فيما بيننا داخل أقطارنا بين المنتخبات الرياضية من ناحية، وبين هذه المنتخبات العربية فيما بينها من ناحية ثانية. وكأنما هذه الحمى المحلية والعربية تعويض داخلي عن إفلاس حقيقي تعاني منه الرياضة العربية على كل مستوى. وحالها كما يقول البعض انعكاس للأوضاع العربية، والإفلاس الذي تعاني منه الأمة على كل صعيد في حياتنا التي اعتراها الجمود والركود.

ما حدث في بكين لم يكن امتحاناً في الرياضة البدنية فحسب، وإنما كان امتحاناً عاماً وشاملاً في كل الأمور والقضايا التي تصنع الأمم. وكان إعلاناً شهده العالم ووقّع على نتائجه المؤسفة والمحزنة بالنسبة لعرب اليوم، عرب العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. لقد نجحت جامايكا!! هل تعرفون جامايكا وأين تكون وكم عدد سكانها ومساحتها؟ جامايكا جزيرة صغيرة في البحر الكاريبي. لا يزيد سكانها عن مليونين وأقل من نصف المليون وأحرزت من الميداليات الذهبية ما لم يحرزه العرب أجمعون، كيف حدث ذلك ولماذا؟ وأين نحن من فرسان الأمس الذين كانوا يضربون بالرماح والسيوف، ويسابقون غزلان الصحراء ويمتطون الجياد، وهي تجري بسرعة الريح والبرق؟ أين نحن من ماضينا القريب والبعيد ومن أزمنة الفروسية والإمساك بجمر الكرامة والمجد؟!.

ما يهمنا في هذا الصدد من أمر جامايكا أنها تفوقت على العرب، أو بالأصح على أثنتين وعشرين دولة عربية إذا لم أكن مخطئاً في الرقم، وفازت بميداليات تفوق ما فاز به العرب، ولولا مواطنان عربيان من تونس والمغرب استطاعا أن يجعلا الأمة تقترب من بريق الذهب لكانت الفضيحة بجلاجل كما يقولون، علماً بأن معظم الأقطار العربية تنفق على الرياضة بسخاء، وأن دولة عربية واحدة تنفق على الرياضة ما يزيد عن الميزانية العامة لكل من تونس والمغرب معاً ومع ذلك، فقد أثبت الامتحان العسير أن الأموال العربية التي تنفق في مجال الرياضة تذهب عبثاً، وأنه من الخير لهذه الأقطار أن تنفق تلك الأموال في أعمال الخير وفي بناء دور للعجزة ضحايا الحروب المفروضة والصراعات الثانوية أفضل من أن تذهب في الهواء، وينبغي أن يكون واضحاً أن الأمة العربية لم تكن تريد ذهباً فعندها - والحمد لله- منه الكثير، ولكنها فقط كانت تريد أن يرتفع رأسها بين دول العالم.

ومن المهم أن يعلم القارئ أننا لا نتجنّى على الرياضة العربية، ولا نشكك في أبطالها وبطولاتها، ولكننا في هذه الإشارات نعكس ردود أفعال المواطنين العرب الذين ساءهم أن تخرج الأقطار العربية من مَولد بكين "بلا حمص" وأن تعود الفرق العربية من الصين خاوية حتى من خُفّي حنين، ذلك الخائب الذي أضاع ثروته في الطريق وعاد بالخفين!! وما يؤلم ويبعث على المزيد من الحسرات أن عيون مليارين من البشر كانت مركزة على الشاشة الصغيرة تتابع الانتصارات والانكسارات، وتبحث عن صورة العرب في هذا الذي يحدث فلا ترى سوى غبار الصحراء.

الشاعر فتحي أبو النصر في ديوانه الجديد "موسيقى.. طعنتني من الخلف":

مدهش وعميق هو شعر هذا المبدع الشاب، لغة مكثفة وقصائد محررة من الترهل، ورؤية أكثر وضوحاً وعمقاً. فتحي بديوانه الجديد يجعل قارئ الشعر الحقيقي يطمئن إلى واقع هذا الفن الإنساني المقلق، وإلى أن مستقبله سيكون أفضل من ماضيه وحاضره. تحية من القلب للشاعر المبدع فتحي أبو النصر.

تأملات شعرية:

من رماد الخليج

وحتى غبار المحيط

وجوهٌ معلقةٌ بالرغيف

تراه صباحاً على الأفق

مجموعة من كرات

وفي الليل يبدو لها كالقمر.

يا جياع بلادي.. وكل البلاد

مع الجوع يختل وزن الفضاء

ويختل وزن النظر!

 

     
في الثلاثاء 26 أغسطس-آب 2008 09:03:38 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=2189