ما سرّ علي عبدالله صالح؟!
كاتب/خير الله خيرالله
كاتب/خير الله خيرالله
بين السادس والعشرين من سبتمبر 1962، والسابع عشر من يوليو 1978، عاشت اليمن ستة عشر عاماً في حال لا يمكن وصفها سوى باللا إستقرار. كانت هناك جمهورية من دون أن تكون هناك جمهورية. كان اليمنيون حائرين، أقله بالنسبة إلى نظام الحكم الجديد الذي نتج عن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر.

 تخلصت اليمن من الحكم الإمامي المستبد ودخلت القرن العشرين في العام 1962. دخلت القرن العشرين من دون أن تدخله، ذلك أن اليمن عاشت طوال تلك الفترة من دون نظام سياسي واضح يعرف ما الذي يريده. بين العام 1962 والعام 1978، تاريخ انتخاب علي عبدالله صالح رئيساً للجمهورية، كانت هناك فترة انتقالية حقيقية في اليمن. لم يكن هناك من يستطيع تحديد إلى أين ستنتقل البلد بعد تخلصها من النظام الإمامي الذي عزلها عن العالم. هل ستصبح دولة عصرية تمتلك دستوراً واضحاً، أم أنها ستستمر في الانتقال من مرحلة انتقالية إلى مرحلة انتقالية أخرى على غرار ما تشهده دول العالم الثالث؟لم يكن كافياً أن تنتصر الثورة في العام 1962 وأن تتمكن من الدفاع عن نفسها وأن يصمد اليمنيون بعد انسحاب الجيش المصري ليثبتوا أن ثورتهم كانت حقيقية وأنها ليست تحت رحمة وجود قوات غير يمنية على أرض اليمن. دافع اليمنيون عن ثورتهم وعن الجمهورية ببسالة ليس بعدها بسالة. صمدوا في حصار السبعين على الرغم من الامكانات المتواضعة التي كانت في تصرفهم ومن الوضع العربي المتردي. صمدت صنعاء في وجه الهجوم العاتي الذي تعرضت له والذي تمثل في محاصرتها من كل الجهات. كان هناك قادة يمنيون صنعوا الانتصار العسكري وحموا الجمهورية والثورة... ولكن كان لا بد من الانتظار حتى السنة 1978 كي تعرف اليمن معنى الاستقرار وكي يبدأ تأسيس دولة المؤسسات التي صنعت الوحدة اليمنية ورسمت الحدود النهائية للجمهورية اليمنية ورسّخت التجربة الديمقراطية القائمة على التعددية السياسية في ظل ظروف أقل ما يمكن أن توصف به أنها صعبة ومعقّدة إلى حد كبير في آن..هناك خطوات عدة أقدم عليها علي عبدالله صالح صبت كلها في إتجاه وصول اليمن إلى ما وصلت إليه حالياً. هذا لا يعني أن اليمن لا تواجه في الوقت الراهن تحديات كبيرة. على العكس من ذلك، هناك سلسلة من التحديات تعترض في أيامنا هذه مسيرة اليمن. إنها تحديات كبيرة بعضها ناجم عن الظروف الإقليمية المعقدة والبعض الآخر عن ظروف داخلية تستغل فيها قوى أجنبية الوضع الاقتصادي الداخلي في محاولة لإيجاد موطئ قدم لها في منطقة شبه الجزيرة العربية. من يراهن على العصبيات الطائفية والمذهبية والانقسامات المناطقية في اليمن، إنما يراهن على سراب. لا لشيء سوى لأنه سبق للبلد أن واجه ظروفاً أكثر تعقيداً من الظروف الراهنة واستطاع تجاوزها. في كل مرة، واجه علي عبدالله صالح في السنوات الثلاثين الماضية ظروفاً صعبة، لجأ إلى الصبر والحكمة والتعقل رافضاً الانجرار إلى حيث كان أعداء اليمن يريدون جره. كان واضحاً منذ البداية أن الرجل يعرف تماماً أنه جاء ليؤسس لمرحلة جديدة في اليمن. لهذا السبب وليس لغيره رفض منذ البداية الأستيلاء على السلطة كما فعل غيره، بل أصرّ على أن يكون رئيساً منتخباً. رفض أن يكون على رأس مجلس لقيادة الثورة وما شابه ذلك. حرص على أن ينتخبه المجلس الشعبي الذي كان قائماً في العام 1978 وذلك بعد اغتيال أحمد الغشمي. بعد ذلك توالت الخطوات التي تصب كلها في أتجاه واحد هو أقامة نظام ديمقراطي في اليمن يكون مظلة لكل الاتجاهات السياسية. شكل المؤتمر الشعبي هذه المظلة في البداية. تحت خيمة المؤتمر الشعبي العام كان يلتقي الإسلاميون والبعثيون واليميني واليساري والاشتراكي والقومي. كان لا بدّ من تعويد اليمنيين على الحوار والأخذ والرد بالحجة والحجة المقابلة بدل الاحتكام إلى السلاح.ولأن تجربة الحوار بين القوى السياسية تحت مظلة المؤتمر الشعبي العام حققت نجاحاً، صار في الإمكان في مرحلة معينة الأنتقال إلى تحقيق الوحدة. تحققت الوحدة من دون إراقة نقطة دم واحدة بفضل الصبر الذي مارسه علي عبدالله صالح طوال سنوات وسنوات رفض خلالها الوقوع في فخ الرد على الاستفزازات بما هو في مستواها. كان في استطاعة الرئيس اليمني التدخل في الجنوب في الثالث عشر من يناير من العام 1986 . وقتذاك سقط النظام القائم فيما كان يسمى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بعدما أندلعت الحرب الأهلية في الجنوب. لم يفعل ذلك. انتظر حتى العام 1990 كي تتحقق الوحدة بشكل طبيعي عندما أضطر أهل النظام في عدن إلى الهرب الى الوحدة لإنقاذ أنفسهم من وضع داخلي لم يعد في مقدورهم السيطرة عليه. أنهار النظام في الجنوب وتكفلت الوحدة بانقاذ هذا النظام.. وستظل الوحدة الأنجاز الأكبر في التاريخ اليمني الحديث وسيظل تحقيق الوحدة مرتبطاً باسم رجل اسمه علي عبدالله صالح عرف كيف يدافع عن الوحدة وعرف كيف يحافظ عليها عندما رفض التراجع عن التجربة الديموقراطية..يعرف كلّ يمني أنه من دون الوحدة لا وجود للديمقراطية والتعددية الحزبية. من دون الوحدة لما كان في استطاعة اليمن رسم حدودها البرية والبحرية مع الجوار. من دون الوحدة لا إستقرار ولا مؤسسات في اليمن. من دون الوحدة، لا مجال لتطوير النظام الذي ربما يحتاج حقيقة إلى تطوير. ما ينساه اليمنيون أحياناً أن عمر ديمقراطيتهم وتجربتهم لا يتجاوز ثلاثة عقود وعمر الوحدة لا يتجاوز تسعة عشر عاماً. من يأخذ في الاعتبار العمر القصير للتجربة ولدخول بلدهم الفقير القرن الواحد والعشرين بعد سنوات قليلة من دخوله القرن العشرين، يستغرب أن يتمكن بلد يمتلك امكانات محدودة من بلوغ الوضع الذي هو فيه حالياً. نعم هناك تحديات تواجه اليمن ولكن من كان يصدّق أن كل هذه الإنجازات يمكن أن تتحقق في ثلاثين عاماً. من كان يصدّق أن الوحدة اليمنية ستتحقق يوماً وأن اليمن قادرة على تأسيس نظام ديمقراطي مصدر شرعية رئيسه ومؤسساته الشعب مباشرة من دون أي نوع من التزوير ولكن بفضل العلاقة المباشرة القائمة بين المواطن والرئيس... هذا الرئيس الذي رفض يوماً أن يكون منتخباً بطريقة غير شرعية وكأن بلده لاينتمي إلى العالم الثالث. ربما يستطيع علي عبدالله صالح وحده أن يفعل ذلك، لا لشيء سوى لأنه أكثر يمني معرفة باليمن واليمنيين! هل هذا سر علي عبدالله صالح؟!


 
في الخميس 17 يوليو-تموز 2008 09:37:16 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=2086