الوحدة والمتغيرات السياسية على الساحة اليمنية
سامي شرف الاهدل
لقد مر اليمن بشطريه عبر مراحل التاريخ بظروف صعبة وقاسية نتيجة الفرقة والانقسام او نتيجة المؤامرات الخارجية التي كانت تحاك ضده. فمن يعرف تاريخ اليمن جيدا فانه يدرك حجم العقبات والمعوقات التي اجتازها هذا البلد الأصيل, لاسيما في عهدي الإمامة والاستعمار اللذان استهدفا وحدة اليمنيين وسلب حريتهم والنيل من كرامتهم ومن انتمائهم لوطنهم الواحد.
فمنذ وصول الاحتلال البريطاني إلى الجزء الجنوبي من ارض الوطن ووضع أقدامه على أراضيها الطاهرة عام 1839 ثم وصول المد العثماني إلى الجزء الشمالي من ارض الوطن عام 1848, فمنذ ذلك الحين ظهر في البلاد بشطريها تيارين و نظامين سياسيين مختلفين على الأرض اليمنية الواحدة. ومع اتساع رقعة الإمبراطورية العثمانية التي امتد حكمها عن ما يزيد عن ستة قرون تقريبا 1299-1922 والتي كانت قد بسطت نفوذها وسيطرتها على أنحاء الجزيرة العربية وبلاد المشرق العربي وشمال افريقيا حتى وصولت إلى بلاد البلقان في الجنوبي الشرقي من القارة الأوربية, أتى انهيار تلك الإمبراطورية في الأخير على يد قوى التحالف الغربي وتوقيع معاهدة سيفر عام 1920 أو ما يطلق عليها بالفرنسية (Letraité de Sèvers)التي تم بموجبها تنازل العثمانيين عن أجزاء كبيرة من المناطق العربية الخاضعة لسيطرتهم وإعطائها للانجليز والفرنسيين.
وبذلك آلت الأمور في الجزء الشمالي من الوطن لأسرة حميد الدين, اما الجنوب فظل المستعمر جاثماً علية وكان ذلك كلة بموجب الاتفاقية التي أبرمت لتحديد مناطق النفوذ الانجليزي-العثماني والتي تم المصادقة عليها عام 1914.
لم يكن الحكم الامامي الذي حكم بالحديد والنار مرضيا علية لدى عامة الشعب, بل أتى مخيبا للآمال, وما زاد الطين بله كما يقال هو تواطؤ الأمام وتعاونه مع العدو البريطاني المحتل واعترافه به وبوجوده ضمنياً على الأراضي الجنوبية, فمن هنا بدأت شرارة الثورة وبدأ الثوار بتنفيذ بعض المعمليات الرامية للإطاحة بنظام الحكم الامامي.
أما في ما كان يسمي بجنوب الوطن تواصل النضال المسلح ضد الاستعمار وأعوانه من أجل دحره وتحقيق الوحدة اليمنية أرضا وشعبا.. فبداء نضال الثوار في شمال الوطن وكفاح الأحرار في جنوبه , ورافق ذلك ممارسات قمعية من الحكم الأمامي واضظهادات لا إنسانية من المحتل الأجنبي , فواصل الجميع كفاحهم المستمر في سبيل التحرر وتحقيق الوحدة التي كانت املهم وحلمهم الأكبر وفي سبيل التخلص من تلك الأنظمة الجائرة التي فرضت على الشعب المزيد من العزلة والجهل. قامت عدة ثورات وانقلابات على الحكم الامامي الجائر الا أنها جميعها فشلت و لم يكتب لها التوفيق والنجاح إلى أن أتت في النهاية الثورة الكبرى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962 ثورة الفتح الأعظم لتكن الدافع الأكبر لقيام أم الثورات في الجنوب ثورة الرابع عشر من أكتوبر عام 1963 ولم تكن الثورتان ثورتا تغير حكم فحسب بل كانتا ثورتا وحدة قبل كل شيء وكان من أهم أهداف تلك ثورة سبتمبر وأكتوبر هو قيام كيان واحد, قيام الوحدة اليمنية وتوحيد البلاد أرضا وإنسانا.
 ومن هنا بدأت الأمور تسير وتتجه نحو تحقيق الوحدة المنشودة, فعقدت الكثير من الندوات و المؤتمرات واللقاءات ووقعت العديد من الاتفاقيات في الداخل والخارج لغرض تحقيق ذلك الهدف.
وقد جاء اتفاق عدن التاريخي في نوفمبر 1989 بين قيادتي شطري اليمن شمالا وجنوبا ثمرة لتلك الجهود المبذولة، حيث تم فيه الإعلان عن اتفاقية وحدوية تضمنت تأسيس دولة يمنية واحدة وحديثة على أساس مشروع دستوري. وفي الاجتماع الثاني للجنة التنظيمية في يناير 1990 تم إقرار مبدأ التعددية السياسية الذي أعطى الحق لكافة الأحزاب والتنظيمات السياسية في ممارسة نشاطها السياسي وفقا للوائح وللحق الذي كفله دستور دولة الوحدة‘ فخرجت كافة الجماهير والقوى السياسية والاجتماعية إلى الشوارع مطالبة بالإسراع بقيام دولة الوحدة. فقوبلت تلك الهتافات والمطالب والأصوات بقيام دولة الوحدة , فصحى الإنسان اليمني وقد حقق له حلمة الذي طال انتظاره في فجر الثاني والعشرين من مايو 1990. واعلن في هذا اليوم قيام الجمهورية اليمنية, قيام دولة الشرفاء والأحرار, دولة المناضلين والثوار, دولة الشهداء والأبطال, دولة كل يمني محب لأرضة ووطنه ورفع علم دولة الوحدة عاليا وخفاقا.
سارعت وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة المحلية, والعربية والدولية لنقل ذلك الحدث وذلك السبق الصحفي مباشرة وعلى الهواء. تغنى بذلك اليوم الصغير والكبير, القريب والبعيد, اشاد بذلك الانجاز كافة القادة والزعماء من ملوك وأمراء ورؤساء الدول العربية والغربية فيصف المناضل الراحل ياسر عرفات رحمة الله الوحدة بانها " اللحمة اليمنية, بضم اللآم, أساس اللحمة العربية". وأشاد بها الأصدقاء الأمريكان والغرب فقال عنها الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك "اثني على الالتزام النموذجي للأمة اليمنية في خدمة الوحدة والأخوة".
 إذاً ليعلم الجميع هنا بأننا لن نسمح لأحد أن يسلبنا وحدتنا أو يعبث بها ولن نقبل المساومة فيها وليعلموا بان اليمن ظل وسيظل بإذن الله واحدا موحدا بكل شبر فيه بل و بكل سنتيمتر من أرضه وجوه وبحره إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فالشعب اليمني الأبي قد عبر عن إرادته بنفسه وقال كلمته في الثاني والعشرين من مايو واتخذ قرارا لا رجعة عنة مهما حاول أعداء الوطن من زرع الضغائن والفتن فلا شمال ولا جنوب في الوطن. فمهما تغنى العملاء بسيمفونية الانفصال وخانتهم أحلامهم وأمانيهم بالعودة إلى الماضي المنبوذ, فالشعب قد قال كلمته بأنه لا عودة للماضي البغيض ولا عودة للامامة وللاستعمار ولا عودة للرجعية والانفصال.
اليمن الموحد ونظامه القائم على التعددية السياسية والحزبية وحرية الفكر والرؤى والتعبير هو هدفنا وهو الخيار الأساسي والاستراتيجي الذي يجب علينا أن نلتف حوله نحن أبناء اليمن الواحد من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب وما عدا ذلك فهو أمر مرفوض وغير مقبول, فشعب الإيمان والحكمة قد دفع الكثير وقدم الكثير من اجل نيل هذه المكاسب والانجازات.
 فالأصوات العميلة والمدسوسة والمدعومة خارجيا والتي رفعت مواخر بعض الشعارات الغوغائية فهي تستخدم ذلك كوسيلة لجلب الأموال الرخيصة لتمويل أغراضهم و مصالحهم الشخصية وليس أكثر.
 فنقول لهم هل هذا هو جزاء المعروف؟ وهل هذا هو جزاء العفو العام الصادر بحقكم بعد أن أردتم أن تقودوا البلاد والعباد إلى هاوية لا تحمد عقبها في صيف عام 1994 م ولولا فضل من الله ورحمة‘ لأكلت تلك الحرب الأخضر واليابس؟.. وهل الانفصال الذي تنادون وتحلمون به الآن سيجعل منكم أقوياء وأعزة أم سيجعل من عدن دولة صناعية من الطراز الاول ومن صنعاء دولة عظمى لا تضاهى؟.
إن كان الأمر كذلك فلماذا لم نشهد ذلك قبل الوحدة وكلنا يعرف كيف كانت الأوضاع حينها! وأن كان ذلك يجب ان يحدث الآن فلماذا لا نضع أيدينا بأيدي بعض ونعمل سويا لبناء الوطن بدلا من الهدم والتخريب؟ ولماذا لا نحافظ على كل شيء جميل موجود بأيدينا وعلى كل ما أنجز حتى الآن ونواصل مسيرة البناء والعطاء والتنمية؟
 أليس الأمن والاستقرار اللذان يتمتع بهما المواطن و الوطن من منجزات الثورة والوحدة بعد أن كانت الحروب تكاد أن لا تتوقف بين الإخوة.
اليس التطور العمراني الذي تشهده البلاد من منجزات الثورة والوحدة. اليس استخراج النفط والثروات المعدنية من منجزات الثورة والوحدة. اليست فرص الاستثمار المتاحة من منجزات الثورة والوحدة. اليست الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية من منجزات الثورة والوحدة, أم أن أعين البعض لا ترى سوى الظلام والظلام فقط.
لا ننكر بان هناك صعوبات كثيرة تعيق حركة التنمية في البلاد وان هناك بعض الأمور التي يجب معالجتها ولكن ذلك يجب ان لا يكون على حساب المصلحة العليا للوطن والإضرار بالوحدة.. فهناك طاولة للمفاوضات وهناك طرق وأساليب ديمقراطية لطرح الآراء والاقتراحات, فكثير من الأمور تحل بالعقلانية والحوار والأخذ بالرأي وبالرأي الأخر وطرح وجهات نظر وبرامج وأفكار جديدة تخدم البلد وتصب في مصلحة المواطن, افكار منطقية وواضحة تبتعد عن الأنانية والمهاترات السياسية السلبية وكيل الشتائم بما يخدم أعداء الوطن والنيل من سمعته.
ما أريد أن أقوله قبل أن انهي مقالي هذا بان الخير اذا عم فسيعم على الجميع والشر إذا عم فسيعم على الجميع. فالظواهر السلبية إذا انتشرت و الغلاء اذا زاد والفساد إذا فاحت رائحته فلن يكن ذلك في مدينة دون أخرى؟ وإذا انتشر الخير والرخاء فلن يكن ذلك أيضاً في مدينة دون أخرى؟ فلن يستثني الخير أو الشر أحداً منا ولن يفرق بين شمال وجنوب. علينا إذاً أن نفكر بعقلانية و لا نكذب على أنفسنا وننافق باسم الوحدة و ننسج الأوهام والخيال فلقد سئمنا من ذلك كله بل يجب علينا دراسة الأمور بنظرة مستقبلية جادة, وبنفس الوقت علينا ان لا نتحدث ونتناقش بلغة الانفصال الهزيلة الركيكة وإنما نتحاور بلسان الديمقراطية والشفافية اذا مااردنا فعلا العمل الجاد والسير قدما إلى الأمام بوطننا الحبيب وبوحدته الغالية.
 نعم أيتها الوحدة, انت اغلي من كل شيء وأنت اكبر من الجميع, فأنت كما يقال عنك بأنك الاستثناء الوحيد في هذا الزمان, زمن التمزق والفرقة والشتات. فكنت تجربة فريدة ورائعة, فلتبقين يا وحدتنا مصدر عزنا وفخرنا, ولتبقين النجاح الوحيد الذي تحقق لنا ولامتنا العربية في هذا الزمان المر, زمن الصراعات والحروب والانقسامات ولتكونين أنت بادرة الأمل ونواة خير ووحدة لوطننا العربي الكبير.فهنيئا لشعبنا بأعياده الوطنية المجيدة وبوحدته الخالدة وكل عام والجميع بخير
* باحث يمني في الدكتوراه – كالفادوس – فرنسا

في الأربعاء 17 أكتوبر-تشرين الأول 2007 04:41:35 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=1343