العرب وعقدة العولمة... في رحاب أصيلة!
كاتب/خير الله خيرالله
كاتب/خير الله خيرالله
«النخبة المثقفة والفكر السلفي في الوطن العربي» كان موضوع الندوة التي أستضافها هذه السنة منتدى أصيلة في المغرب. كان الموضوع واسعا الى درجة أن المشاركين فيه استطاعوا التحدث عن معظم المشاكل التي تعاني منها المنطقة من دون أن يعني ذلك في أي وقت أن هناك محكمة تنعقد في أصيلة لتوجيه أتهامات الى الفكر السلفي. ولعل أفضل من أختصر الندوة السيد محمد بن عيسى رئيس المنتدى ومؤسسه الذي هو في الوقت ذاته رئيس بلدية أصيلة...
 ووزير الخارجية المغربي. قال بن عيسى الذي احتفل هذه السنة بالموسم التاسع والعشرين لمنتدى أصيلة.. إنه «لم تكن هناك محاكمة للسلفية، بل خيارات» كانت موضع بحث بين الذين التقوا في تلك المدينة الصغيرة المطلة على المحيط الأطلسي.
كان في أصيلة مفكرون عرب، أو هكذا يقال، من دول مختلفة ومشارب مختلفة. كان هناك أولئك الذين يحاولون إلقاء مشاكل العرب والعالم العربي على الآخر، ولكن كالعادة كان المزيج والتنوع في الأفكار مفيدين وكانا كفيلين بأغناء الندوة وتحسين أجوائها ورفع مستوى النقاش . كان هناك من حاول أن يحصر مداخلته بالنهج الأكاديمي وأن يعرض المشاكل من دون اتخاذ موقف منها. وكان هناك من ذهب الى حد اعتبار أن في أساس كل مصائبنا ظاهرة العولمة التي ليست في نظر المتحجرين العرب سوى عقدة بل انها من وجهة نظر هؤلاء شكلا «متقدما» للأمبريالية وللهيمنة على العرب وثرواتهم ومصائرهم. حتى أن أحدى المشاركات في الندوة عزت مشاكلنا في المنطقة الى الحرب التي شنها المجتمع الدولي من أجل اخراج القوات العراقية من الكويت. في حين أن المنطق يقول أن في أساس الحرب، الجريمة التي ارتكبها الراحل صدّام حسين الذي غزا الكويت واحتلها وسعى الى إلغاء دولة عربية وتشريد شعبها. كان هناك أيضا من لا تزال لديه لوثة الذين لا يريدون فهم ما يدور في العالم والتصرف على طريقة من يعتبر إنه على حق بمجرد أنه يهاجم السياسة الأميركية متناسيا ان التصدي للظلم اللاحق بالعرب، خصوصا في فلسطين، لا يكون بالكلام الكبير بل أن المطلوب أكثر من أي وقت التعاطي مع الواقع وليس مع الأوهام.
من حسن الحظ أنه كان في أصيلة عدد لا بأس به من الذين يتعاطون مع الواقع. وهذا يعني في طبيعة الحال التعاطي مع العولمة من منطلق أنها واقع. التعاطي مع العولمة بحسناتها وسيئاتها ومحاولة فهمها من زاوية أنها نتيجة التطور العلمي الذي شهده العالم في السنوات الأخيرة والذي أنتج مفهوم العولمة التي يحاول بعضهم الدخول في صراع معها متجاهلين ألاَّ فائدة من ذلك، باستثناء الرغبة في اضاعة الوقت...
سعى الذين يتعاطون مع الواقع الى التنبيه الى أن العولمة أمر واقع أولا وأنها نتيجة طبيعية للثورة التكنولوجية التي بدأت في أواخر القرن العشرين وأستمرت مع اطلالة القرن الجديد. كان لا بد من القول أن العرب في وضع لا يحسدون عليه، نظرا الى أنهم بقوا خارج الثورة التكنولوجية وأنهم بقوا قبل ذلك خارج الثورة الصناعية التي بدأت في القرن الثامن عشر، وحتى في أواخر القرن السابع عشر، وأخذت منحى جديدا مع ظهور السيارة أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. الى الآن لا توجد علاقة بين العرب وصنع السيارة التي هي رمز للثورة الصناعية، مثلما أنه لا توجد علاقة من أي نوع كان بين العرب من جهة والأنترنت والتلفون الخليوي من جهة أخرى، باستثناء علاقة غير متكافئة بين طرفين أحدهما في دور المتلقي.
عاش العرب على هامش الثورة الصناعية التي أنشأت الطبقة الوسطى (البورجوازية) في أوروبا والولايات المتحدة، وهي الطبقة التي تشكل العمود الفقري للمجتمعات المتقدمة، وهم اليوم على هامش الثورة التكنولوجية التي فرضت نمطا جديدا من التعاطي بين المجتمعات المختلفة كما صارت مصدرا لثروات جديدة في أساسها المعرفة، أو على الأصح الأنسان الذي يمتلك المعرفة. هل هناك رغبة عربية في استيعاب هذه المعادلة التي جعلت دولا عدة لا تمتلك ثروات طبيعية، مثل فنلندا وسنغافورة وكوريا الجنوبية تنضم الى نادي الدول الغنية وتتفوق حتى على دول أوروبية ذات صناعات قديمة راسخة؟
ما الذي جعل هذه المجتمعات تتقدم وتتطور باستمرار بدل ممارسة عملية هروب مستمرة الى أمام تتمثل قبل كل شيء في التزمت الديني بأبشع أشكاله؟ ما يمكن أن يكون جوابا مقنعا هو أن هذه الدول أعتمدت برامج تعليمية متطورة. هذه البرامج التعليمية المتطورة أنتجت أجيالا قادرة على التعامل مع التطور الذي يشهده العالم بما في ذلك ظاهرة العولمة بدل الاكتفاء بشتم هذه الظاهرة وتحميلها مسؤولية كل مصائبنا. بكلام أوضح، أن البرامج التعليمية المتطورة لا تتناقض بالضرورة مع الدين، أي دين، بمفهومه الحضاري والانساني، أي الدين القائم على التسامح والانفتاح على الآخر والأخذ والرد وتبادل العلم والمعرفة، تماما كما كانت عليه حال العرب في العصور التي كانت يخرج فيها فلاسفة وعلماء في مستوى أبن رشد وأبن سينا.
تظل البرامج التعليمية هي المفتاح في حال كان مطلوبا ردم الهوة مع الآخر. وكان موسم أصيلة لهذه السنة مناسبة لإثارة هذه القضية الأساسية ما دام الحديث فيه عن النخبة المثقفة والسلفية... والعولمة. كان الموضوع في حد ذاته جريئا وكان الفضاء في أصيلة رحبا الى درجة أنه أتسع لكل الأراء ووجهات النظر. كم هو واسع فضاء أصيلة تلك المدينة الصغيرة التي تبدو وكأنها أمتداد لبحرها المختلف ذي الأفق البعيد، أي المحيط الأطلسي. في اصيلة يكتشف الأنسان الفارق بين البحر والمحيط. لم تكن في أصيلة ممنوعات. هناك من تكلم عن التزمت الديني في أماكن معينة من العالم العربي حيث ممنوع أن يكون كلام عن ديانات أخرى. سيدة خليجية محترمة أثارت هذه القضية التي لا يتجرأ الرجال على مجرد الأشارة إليها لا من قريب ولا من بعيد. هذا يحدث في اصيلة وليس في أي مكان آخر.
 كان الموسم التاسع والعشرون لأصيلة مجالا للذهاب الى أبعد الحدود في مناقشة الممنوعات من دون عقد. كان عنوان الندوة في حد ذاته تحديا. وحبذا لو تذكر المشاركون في الندوة أن أنعقادها صادف الأحتفالات بالذكرى الستين لاستقلال الهند وتقسيمها في الوقت ذاته. ما الذي جعل التجربة الهندية تنجح، حتى صار لقب الهند أنها أكبر الديموقراطيات في العالم؟ وما الذي جعل التجربة الباكستانية تفشل؟ جاهل من يقول أن السبب يكمن في أن باكستان دولة لا يوجد فيها سوى مسلمين وأنها وجدت للمسلمين فقط. أن عدد المسلمين في الهند حاليا يزيد على عدد المسلمين في باكستان وهذا ما تثبته الأرقام. من أسباب تقدم الهند البرامج التعليمية المتطورة، في حين أن بين أسباب الأزمة الباكستانية تلك «المدارس» التي مولتها دولة عربية غنية بحجة نشر الاسلام فاساءت اليه وأساءت في النهاية الى باكستان. وحدها البرامج التعليمية المتطورة ساعدت الهند في التغلب على مشاكلها الكبيرة بما في ذلك أنها دولة فقيرة يزيد عدد سكانها على مليار نسمة. لعب التطور العلمي في الهند دورا في تحويل الأنسان، خصوصا الجيل الشاب، الى ثروة في حين أن على الباكستاني المعاناة من الجيل الجديد الذي يتخرج من تلك «المدارس» التي تشوه الدين والتي هي أقرب الى فكر «طالبان» أكثر من أي شيء آخر. أوليست «طالبان» انتاج باكستاني في الأصل أو انتاج لما يسمى «المدارس» في باكستان على الأصح؟
 حبذا لو كان هناك متسع من الوقت في أصيلة لمناقشة تلك المفارقة التي اسمها الهند وباكستان والاستفادة منها لتأكيد أن المشكلة ليست في الدين بمقدار أنها في استخدام الدين للهرب من الواقع وتفادي التعاطي مع الاستحقاقات التي تترتب على التطور الذي يمر فيه العالم والذي أسمه حاليا العولمة. الأكيد أن ليس بالهرب الى أمام، أي التزمت الديني الذي اسمه سلفية أو أي شيء آخر من هذا القبيل، يمكن الخروج من الأزمة التي يمر بها العالم العربي في أيامنا هذه. هذا ما أظهرته ندوة أصيلة وما يمكن أن تؤكده أي ندوة أخرى يلتقي فيها أشخاص يمتلك معظمهم حدا أدنى من الأستقلالية والمستوى الفكري. 

في الخميس 23 أغسطس-آب 2007 07:59:03 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=1255