لقاء بغداد بين الحسابات الايرانية والأميركية
كاتب/خير الله خيرالله
كاتب/خير الله خيرالله
كان اللقاء الأميركي- الإيراني في بغداد حدثاً في غاية الأهمّية، اقله لجهة أنّه الأول من نوعه بين البلدين على هذا المستوى منذ أنقطاع العلاقات بينهما في العام 1980 من القرن الماضي. لم يعد سراً أن العراق يمثل قاسماً مشتركاً بين الجانبين. كانت ايران الدولة الوحيدة في المنطقة التي ساعدت الجيش الأميركي في عملية احتلال العراق عن طيبة خاطر.
قدّمت أيران كلّ التسهيلات التي طلبها الأميركيون من اجل تحقيق حلمها التاريخي المتمثّل في الانتقام من صدّام حسين ونظامه. ولم تكن طهران بعيدة عن الاسراع في اعدام صدّام وأخيه برزان، بالطريقة الوحشية التي أعدما بها قبل أشهر قليلة، بعد ادانتهما في قضية مرتبطة بها مباشرة، هي قضية الدجيل، البلدة التي تعرض فيها الرئيس العراقي الراحل لمحاولة أغتيال كانت السلطات الايرانية تقف خلفها. حصل ذلك على يد عناصر من "حزب الدعوة" الشيعي الذي يتولى أحد أعضائه البارزين عدنان المالكي رئاسة الوزراء حالياً. ولا بدّ من الأشارة هنا ألى أن محاولة الأغتيال التي تعرّض لها الرئيس العراقي المخلوع، جاءت بعد سنتين من أندلاع الحرب العراقية- الايرانية في العام 1980م، حين كان برزان لا يزال مديراً للمخابرات. وقد أعدم الأخير بعد أعدام صدّام بسبب ملاحقته أعضاء "حزب الدعوة" الذي حظّر نشاطه وصار الأنتماء اليه جريمة عقوبتها الاعدام على غرار ما حصل في سوريا مع "الاخوان المسلمين" في الفترة ذاتها.
لم تتردد الادارة الاميركية في تلبية الطلب الأيراني الذي غُلّف بالرغبة التي أبداها "حزب الدعوة" وغيره بالأنتقام. وكان اعدام الرئيس العراقي المخلوع وأخيه بمثابة أشارة أميركية الى طهران بأن شعرة معاوية لم تنقطع بين الجانبين وأن في الامكان التحاور في شأن مستقبل العراق بدل استمرار المواجهة. أكثر من ذلك، يبدو أن الأميركيين، أرادوا من خلال سماحهم باعدام صدّام وبرزان ابلاغ الايرانيين أستعدادهم لأخذ المصالح الأيرانية في العراق في الأعتبار.
يبدو واضحاً، بعد اللقاء الأخيرفي بغداد أن الخلاف بين الجانبين لا يزال على حاله، لا لشيء سوى لأنّ لكلّ من الجانبين حساباته الخاصة. تعتقد واشنطن أن في استطاعتها حمل النظام الايراني على اعتماد سياسة أكثر أعتدالاً في المنطقة، خصوصاً في العراق، بمجرد التأكيد له أنها لن تتجاهل مصالحه في هذا البلد، الذي كان عربياً الى ما قبل فترة قصيرة. وهذا يعني بطبيعة الحال محاولة لتهدئة الداخل الأميركي الذي بدأ يتململ من استمرار التورط في العراق وكلفته الكبيرة على كلّ الصعد. في المقابل، تعتقد طهران أن في استطاعتها الرهان على الوقت وأن فتح حوار مع ادارة أميركية ضعيفة سيسمح لها بمتابعة جهودها الهادفة لتكريس الدور الاقليمي لايران على حساب كلّ ما هو عربي في الشرق الأوسط، من الخليج الى المحيط. ولذلك تستمرّ الهجمة الايرانية على كلّ الجبهات من منطلق أن الأميركيين باتوا في العراق بين فكيّ كماشة الأرهاب السنّي الذي تتولّى الميليشيات التابعة للأحزاب الشيعية نشره في كل أنحاء العراق بغية أقامة نظام عراقي تابع مباشرة لطهران من جهة أخرى.
في مرحلة معيّنة، التقت المصالح الأميركية والايرانية في العراق. كان هناك قاسم مشترك يتمثّل في الانتهاء من نظام صدّام حسين العائلي- البعثي المتخلّف الذي لدى طهران ثأر تاريخي عليه. أضافة الى ذلك، كان العراق، بموجب الصيغة التي رافقت تأسيس الدولة مطلع العشرينات من القرن الماضي، حاجزاً في وجه التمدد الايراني في المنطقة العربية. وثبت ذلك في كلّ العهود التي مرّ فيها العراق، حتى يوم سقوط بغداد في التاسع من نيسان- ابريل 2003.
لا شكّ أن النظام الايراني عرف، بدهائه المعهود، الاستفادة من الاحتلال الأميركي للعراق، وعمل على تسهيله. ما كان لمؤتمر لندن للمعارضة العراقية الذي أقرّ مبدأ "الأكثرية الشيعية" في العراق، فضلاً عن صيغة "الفيديرالية" لينعقد لولا الدعم الايراني له. الأجهزة الايرانية هي التي أتت بالسيّد عبد العزيز الحكيم وغيره من القياديين في الأحزاب الشيعية الى لندن، علماً أن الأدارة الأميركية كانت وراء تنظيم المؤتمر.
تبدو الحسابات الايرانية واضحة كلّ الوضوح. حوار مع الأميركيين في العراق... ومتابعة الضغط عليهم بكلّ الوسائل المتاحة، خصوصاً بالأرهابين السني والشيعي، وهما وجهان لعملة واحدة. والأهم من ذلك كلّه استغلال الحوار لتكريس واقع جديد يؤكد أن المنطقة تحت الهيمنة الايرانية. لو لم يكن الأمر كذلك، كيف يمكن تفسير التدخل الوقح في شؤون لبنان عن طريق دعم كل ما يمكن أن يكرّس "الجزر الأمنية" المسيطر عليها من خارجه؟ كيف يمكن فهم كلّ هذا التورط في فلسطين بهدف واضح كل الوضوح هو القضاء على السلطة الوطنية الفلسطينية وعلى ما بقي منها، على الأصحّ؟ كيف يمكن فهم التورط في أحداث صعدة ذات الطابع المذهبي في اليمن، حيث دعم تمرد لا هدف له سوى إثارة حساسيات من النوع المطلوب، أيرانياً، أن ينتشر في كلّ أنحاء الجزيرة العربية؟ في حال لم تتغيّر الحسابات الايرانية، وفي حال لم تجد طهران طريقة لاقناع العالم بأنها لا تسعى الى امتلاك السلاح النووي، يبدو اللقاء الأخير الذي أنعقد في بغداد مضيعة للوقت ليس ألاّ. انه مجرّد محطة على طريق لن تنتهي ألاّ بمواجهة بين القوة العظمى الوحيدة في العالم التي وجدت نفسها في مأزق اسمه العراق وقوة اخرى أسمها أيران تعتقد أن في استطاعتها الرهان على الغباء السياسي الأميركي الى النهاية وهي لا تدرك أنّ لكلّ شيء نهاية

في الخميس 07 يونيو-حزيران 2007 08:13:19 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=1127