الأحد 16-06-2019 01:32:05 ص
بوح اليراع:الاستبدادات الجمهورية والتعديلات الدستورية
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: شهر و 29 يوماً
الثلاثاء 16 إبريل-نيسان 2019 08:53 م

من الإنصاف الاعتراف أنَّ الجمهوريات على امتداد جغرافية منطقتنا العربية تختلف تمام الاختلاف عن الأنظمة الجمهورية في البلدان الغربية التي لا نجيد سوى نعتها بـ”الإمبريالية”، مُتعامِيْن عمَّا نراه في واقعها من تمثُّل إيجابي لروح الديمقراطية التي أرست المفاهيم الحقيقية لتداول السلطة بصورة سلمية، فجمهورياتنا العربية -بسبب ما يتوهَّمُهُ حكامُها من شعور امتلاكهم للبلاد والعباد- باتت آية من آيات الاستبداد المفضيَة إلى ممارسة أبشع صور الاستعباد، وقد أغرى بقاءُ معظمِهم في كُرسي السلطة لزمن طويل بالتفكير باحتكارها في أسرِهم جيلاً بعد جيل، وبما لا يُتيح أية فرصة لحدوث أي تغييرٍ أو تبديل..وممَّا يدفع الحُكَّامَ إلى المُضِّي قُدُمًا في هذا السبيل وجود بِطاناتِ سوءٍ لا تنفكُّ تتلقَّفُ تلك الممارسات الخاطئة بالكثير من التكبير والتهليل، فيتوهَّموا أنهم -بالفعل- زعماء ملهمون وأنهم على أهدى سبيل وأنهم رجال المستحيل.
وقد ساعدهم استغلالهم الجانب العاطفي للشعوب العربية في إمكانية التسلُّط عليها والاستمرار في التربع على كراسي السلطة فوق كواهلها بالاعتماد على الخطابات السياسية الرنانة المحشوَّة بالكثير من العبارات التي تزعُم أنهم يعملون -على الدوام- على حشد كل ما تمتلكه البلدان من مُقَدَرَّات أخذًا بأسباب القوَّة لما من شأنه التصدِّي الباسل لكل أشكال التآمر الإمبريالي الغربي الذي يتهدد حاضر ومستقبل أمننا القومي العربي، جاعلين من أنفسهم -بسبب سطحية تفكيرنا وسهولة تأطيْرنا- الحرَّاس المُؤتمنين في الدفاع عن حياض الأوطان والذائدين الحصريين عن ثوابت الأمة والمُتصدِّين البُسلاء لما يُحدق بها من خطوبٍ مُدلهمَّة.
وإذا كان هذا الخِطابُ قد خدمهم في حِقبة ستينات وسبعينات وثمانينات القرن العِشرين، فقد بدأت الجماهيرُ –منذ تسعينيات القرن الماضي بسبب ما كان قد طرأ على وعيها من ارتقاء نسبي- تدرك خِواء ذلك الخطاب الفضفاض وأنه مجرد (كلام فاض)، فقد بدأ الحُكَّام -من جانبهم- يبحثون عن الوسائل التي تتناسب مع المرحلة بكل متغيراتها، آخذين في الاعتبار توقان الجماهير -تأثُّرًا بما حمل إليهم فضاء الإعلام المفتوح من رياح التغيير- إلى أن يسود واقعهم السياسي -كبقيَّة شعوب العالم- الاحتكام إلى ما بين يديها من دساتير، لا سيما بعد ما بدؤوا يعون أن الدستور عبارة عن عقدٍ سياسي واجتماعي يُنظم طبيعة العلاقة بين الشعب بمختلفِ شرائحه وفئاته والحاكم الذي ائتمنهُ على سُلطاته ومؤسساته وبما يُبَيِّن حدود صلاحياته في مقابل تحديد واجباته تجاه مواطنيه ورعيته، كل ذلك بالإضافة إلى ما ألقاهُ الوعي الحقوقي الغربي من ظلٍّ نسبي على واقعنا المطلبي العربي قد اضطر الحاكم العربي إلى التعاطي الدستوري بشكلٍ صُوري، فبدأ ذِكْرُ الدستور يتخلَّل الخطابات بين الحين والحين، دون تطبيق الحدِّ الأدنى ممَّا يحتويه من مضامين..وعند ما بدأت الجماهير تتذمر من تعليق العمل بمضامين الدساتير وقد ضاقت ذرعًا بما يعمِد إليه الحُكَّام من أساليب المماطلة والتأخير وألحَّت بالمطالبة بشكلٍ مُتسارع بتطبيق تلك المضامين التشريعية على أرض الواقع بكلِّ ما سيترتب على تطبيقها من القضاء على حلم الحاكم بالتأبُّد في الكرسي في مقابل إيجاد هامِشٍ حقيقيٍّ لتداول السلطة بشكلٍ سِلمي، اضطر الحُكَّام العرب إلى الانحناء أمام رياح هذه القضايا المطلبية انحناءً انطوى على سوء النية، فبدؤوا يعلنون على الملأ اقتصار البقاء في كُرْسِي الحكم -وفقًا للنصوص الدستورية- بفترات محدودة، على أنْ تُدَشَّن هذه الفترات الرئاسية بهم دون غيرهم باعتبارهم أصحاب السبق في إرساء المسارات الديمقراطية.
ولكنهم -بإضمارهم سوء النيَّة- مُنْذُ لحظاتِ استوائِهم على كراسي الحكم على أسس من النصوص الدستورية بدؤوا يُفكرون بوسيلة تضمن لهم الخلود مدَّة بقائهم في الوجود، فتفتَّقت أذهان فُقهائهم القانونيين عن القيام بإجراء تعديلات دستورية بين الحين والحين وبما يضمن تمديد فترة صلاحية الحاكم إجراء إلى أبد الآبِدِيْن.
على أن أيَّة تعديلات يُرتَب لها تجبُّ ما قبلها، فيبدأ الحاكم -بعد حصولها-بتدشين المرحلة التي بعدها مثل ما سبق لهُ وأن دشن المرحلة التي قبلها، وبذلك يضمن استمرار دوران رُحى السلطة حوله.
أما قضيَّة تمرير التعديلات الدستورية رغم إرادة أغلبية جماهير الشعب فمن السهولة بمكان، لأنها قد تُمَرَرُ عبر المجالس النيابية التشريعية التي تكون الأغلبية فيها -بوسائل الترهيب والترغيب وتوظيف الإعلام والمال العام- للقوى السياسية المُساندة للحكَّام، وقد تُمَرَر -كنوع من التَّمَظْهُر- عبر الاستفتاء الجماهيري المباشر ولكن بتزوير إرادة تلك الجماهير بمختلف الوسائل ومن أهمها تسخير كل مقدرات الدولة لصالح التعديل على أنهُ خِيار اضطراري ليس لهُ بديل.
وإذ كنَّا في اليمن أكثر البلدان معاناةً من ذلك التلاعب بخيارات الشعب، فإنَّ من أحدث نماذج التعديلات الدستورية التي تحرص على بقاء الدستور مفصلاً على مقاس الحاكم بما يشبه الإزار يحجُب عورته ويدور معه حيث دار ما يُرَتَبُ لهُ هذه الأيام في جمهورية مصر من ترتيبات لإجراء تعديلات دستورية ضدَّ إرادة الأغلبية تضمن التمديد للسيسي إلى عام 2034م، كما لو كان ذلك مكافأة لهُ على ما سُفِكَ على يده من دماء الأبرياء وعلى تفريطه بجزيرتي “صنافير، وتيران” بالرغم من تبعيَّتهما للسيادة المصرية من قديم الزمان.