الأحد 16-06-2019 04:27:37 ص
بوح اليراع:المدارس الأهلية والمظاهر الاحتفالية
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: شهرين و 30 يوماً
الأحد 17 مارس - آذار 2019 12:17 ص

إذا كان بدء ظهور المدارس الأهلية في بلادنا قد ارتبط بمستوى اجتماعي محدد واقتصرت على أبناء مُترَفِي البلد، فقد كان الالتحاق بها يعكس أعلى مستويات الترف، لذلك ظلت من القلة بمكان، مقارنة بما وصلت إليه أعدادها الآن.
وقد كانت هذه المدارس تهدف إلى تقديم خدمة تعليمية مدفوعة الثمن بصرف النظر عن حصرها في فئة اجتماعية ذات مستوى معيشي واجتماعي معيّن، وقد كانت تلتزم بضوابط ومعايير تتناسب وتقديم خدمة التعليم على الوجه السليم من تلك المعايير توافر المبنى القياسي الذي يرى الناظر فيه من جانبٍ تقييمي ما يراه في أيِّ صرحٍ تعليمي.
أما اليوم -ومنذ حوالي عقدين زمنيين- فقد استغلَّ كثيرٌ من رجال المال جوانب أزمة التعليم الحكومي خاصَّة قلة المنشآت التعليمية مقارنة بالكثافة الطلابية، فسارعوا -بالاستعانة ببعض ضعفاء النفوس من التربويين- إلى الاستثمار بهذا الحقل المجتمعي الهام غير مراعين أهم معايير نجاح العملية التعليمية، فإذا باستثمارهم غير الموفق قد اتسم -بغالبيته- بما يبعث على القلق منه الآتي:
١- سوء اختيار المنشأة وسوء معاملة المعلم:
بالرغم من افتتاح أكثر هذه المدارس في مبانٍ غير مناسبة، فقد أقدم بعض رجال المال على هذه العملية الاستثمارية بنهم مُريع واضعين نصب أعينهم الكسب السريع عامدين إلى التعاقُد مع المعلمين الأقل كفاءة وتخصصية الذين سيرضخون -بسبب ما ضربته عليهم أوضاعهم المعيشية من الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ- لأقل رواتب ممكنة، ولا تتورع إدارة المدرسة المُستجديَة رضا الممول عن إثقال كواهلهم -بالإضافة إلى تحميلهم أعباء إداريَّة وفنيَّة خارجة عن اختصاصهم- بجداول لا تتناسب مع محدودية ما يتقاضونه من مقابل.
٢- تقديم الجانب الدعائي على الجانب الأدائي:
لأن العائد المادي هو -بكلِّ المقاييس- هدفهم الرئيس ولهُ الأولية على عملية التدريس، فما أكثر ما يستغل هؤلاء المستثمرون الطارئون على حقل التعليم ما اكتسبوه في حياتهم العملية من خبرات تسويقية في الاستغراق في الجوانب الدعائية إلى حدِّ يجعل المار بالقرب بجوار أيٍّ من منشآت التعليم الأهلي يظن -بسبب كثرة ما يشاهده من صور ومن لوحات من مختلف الأحجام والألوان- أنهُ بجوار مؤسسة دعاية وإعلان، وإن إيلاء جانب الدعاية هذه الأهمية يؤثر سلبًا على العملية التعليمية.
٣- التفنن في إغراء أولياء الأمور:
إن علمهم المسبق بافتتان أولياء الأمور بالمظهر على حساب الجوهر جعل معظم تلك المدارس تتبارى في إرضاء غرورهم وإشباع رغباتهم في إيهام كل ولي أمر بتفرُّد ابنه بالتفوق المطلق، فيغدقون عليهم بشهادات الإشادة والتقدير، وعند تحرير وثائق النجاح السنوية غالبًا ما تحمل كل وثيقة- لاسيما وثائق طلاب الصفوف الأولية- ترتيبًا مُتقدِّمًا تناغمًا مع غرور أولياء الأمور الذين يتقبلون ذلك بالغبطة والحبور، وكل منهم متوهِّم أن ابنهُ الوحيد المتصدر لفصله، وغيره مثله، ولو عمد عدد من الآباء في لحظة من لحظات الالتقاء إلى مقارنة ما بين أيديهم من وثائق لتبينوا ما هم واقعون فيه من وهم التفوق المرتبط -في النهاية- بما تتقنه تلك المدارس من فن الدعاية.
٤- إيلاء الاحتفالات جلَّ الاهتمام على مدار العام:
تعتبر المظاهر الاحتفالية في معظم المدارس الأهلية جزءًا أساسيًّا في العملية التعليمية، وما أكثر ما تحظى -لكثرتها- بحيِّزٍ زمنيٍّ قياسي من مجمل أيام العام الدراسي.
وإذا علمنا -بحسب معلومات مستقاة من داخل تلك المنشآت- أنها تقام -شهريًّا- في كل شعبةٍ على حدة تهيئة لإقامتها -بشكلٍ موسع- على مستوى المرحلة الواحدة وصولاً إلى إحياء حفل شامل تُساهم في إحيائه مختلف المراحل، سيتَّضح لنا مدى ما تولي هذه الصروح العلمية المظاهر الاحتفالية من مطلق الأهمية، إذ لا يكاد يمضي أسبوع من دون إحياء احتفال من شأنه أن يكلف ولي الأمر مبلغًا من المال.
٥- الاحتفاليات النهائية وأهميتها الاستثنائية:
بما أن معظم المستثمرين في هذا المجال رجال مال، فإنهم يُوكِلون لأجهزتهم الإدارية مهمة تغذية حب الظهور في نفوس الطلاب وأولياء الأمور على مدى شهور وإغرائهم بكل الوسائل بإقامة حفل تكريم الأوائل في كبريات صالات الأفراح وسط أجواء تبعث الانشراح.
وبالرغم من شدة التنافس في إحياء الاحتفالات في الصالات المكلفة، فإنها تفتقر -في الأغلب- إلى الحد الأدنى من البرامج الاحتفاليَّة التربوية التي تليق بطلاب علم ظفروا بحصيلة علمية قيمة، بل إن أكثرية تلك المدارس توكل إلى أحد متعهدي الحفلات مهمة إعداد وتقديم معظم البرامج الاحتفائية التي لا تتعدى كونها بعضًا ممَّا تراكم في ذهنه من أناشيد وأعاني ذات مضمون أقرب ما يكون إلى رسائل التهاني، بينما يبقى أعضاء الهيئة الإدارية المدرسية الذين يفترض أنهم يرمون -من وراء وضع البرنامج الاحتفائي- إلى تحقيق أكثر من هدف مجرد ضيوف شرف.

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: أهميَّة القِدوَة في مجال الدعوَة
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
الكاتب/ وائل وليد الشرعبي
بنو سعود .. مسمار جحا الغرب
الكاتب/ وائل وليد الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: مناهضة أوروبية لــ«صفقة القرن» الترامبيَّة
عبدالسلام التويتي
مقالات
كلمة  26 سبتمبرعام النصر
كلمة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد