الجمعة 20-09-2019 09:14:21 ص
بوح اليراع: سنُحكم إلى متى بأشباه موتى؟
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 6 أشهر و 11 يوماً
السبت 09 مارس - آذار 2019 10:59 م

إذا كان الشرق المعاصر قد عُرف -من دون الغرب- بالاستبداد، فإنَّ العالم العربي قد حظي بهذا السلوك السياسي الذي –غالبًا- ما يتسبب بتسطير التأريخ الأسود بنصيب الأسد، حتى لقد صار استبداد الحاكم العربي بشعبه مضرب الأمثال لأيِّ شعبٍ أوروبي أو غربي يُنتقص أقل القليل من حقوقه السياسية من قبل السلطات الحاكمة التي سرعان ما تُصنِّفها جماهير الشعوب الغربية -مهما استظلُّوا في ظل عدالتها من عقود زمنية عديدة- سلطات ظالمة.
فالحاكم العربي لا يكاد يتربع على كرسي السلطة حتى يتنكر للثقافة الدينية التي نشأ عليها والتي ظلت تقذف في وعيه طيلة سني تعليمه أن الدنيا مجرد متاع زائل وأنها دار فناء وأن الآخرة هي دار البقاء وهي الجديرة بالبناء والاعتناء، وإذا هو مقبل على الدنيا بنهم، وصارت همَّه ولم يعد له سواها أيَّ هم.
بل إن الحكام العرب -في الأغلب- يستخدمون الخطاب الديني الذي يصوغه علماء السلطة لشرعنة تخليدهم في كرسي الحُكم، وفي حال منَّ الله على الشعب بالخلاص من أيِّ حاكم مُتأبِّد مستبد بالموت، سرعان ما يبادر علماء السلطة بإصدار الفتاوى التي تُوجب استخلاف أحد أولاده من بعده الذي لا يكاد –بدوره- يتربع على الكرسي تحت يباشر ما كان عليه سلفه من تسلط واستبداد عاقدًا العزم على التشبث بالكرسي الذي خلف فيه أباه مدى الحياة وعلى توريثه بعد الوفاة.
وحتى بعد أن بدأ الغرب الإمبريالي يُسوِّق في أوساطهم أهم منتجاته السياسية المتمثل في (الديمقراطية) التي يهدف من ورائها إلى ممارسة المزيد من الضغوط على أنظمتنا العربية بغية رفع منسوب ما هم عليه من تبعية، فمع يقينه المسبق من عدم تطبيقهم الحدَّ الأدنى منها على الإطلاق، فقد ارتضى بما يُمارسونه -في مشاهد تصنُّع تطبيقها الصوري- من نفاق.
بينما هم يتظاهرون بتبنِّيها بقدر من المُغالاة، فإذا هم من وقت إلى آخر يقيمون فعاليات انتخابيِّة صورية أشبه ما تكون بالهُلامية مصحوبة بضجَّات إعلاميَّة، لكنها لا تعود على الشعوب -بشكلٍ عام- إلاَّ بتبديد مبالغ خيالية من المال العام وبما يعود بالضرر المُباشر على المواطن الذي يزعمون أنه مصدر السلطات ومالكها، بينما نتائجها محسومة بشكل دائم لصالح الحاكم الذي عادةً ما يُسخِّر إمكانيات الدولة ومقدراتها ومؤسساتها لكسب المعركة الانتخابية -رئاسية كانت أو محلية أو نيابية- لصالحه ولصالح حزبه.ولأنَّ الحاكم العربي دائم الاستناد إلى ما جذَّره من منظومات الفساد، فإن هذه المنظومات تتقاسم -أثناء عمليات الاقتراع- ممارسة الأساليب الالتفافية في أوساط الجماهير محدثة في نفسياتها أكبر قدر ممكن من التأثير إما بالإغراء أو بالتحذير أو بالتغرير أو بالتبرير أو بالغش أو بالتزوير، وفي حالة إعلان النتائج التي تُعبِّر -في الأغلب- عن تزيف إرادة ووعي الشعب، نجد الغرب الإمبريالي المطلَّع على خبايا تزويرها واغتصابها يُسارع إلى الاعتراف بها، وغالبًا ما تحظى منه بالإشادة بها -بالرغم من إقراره بكثرة عيوبها- من ناحية أنها تجربة طارئة من إطار الديمقراطيات الناشئة.وممَّا بات يؤكده واقع الحال أن القاسم المشترك بين الأنظمة العربية -ممالكها وجمهورياتها على حدٍّ سواء- هو الاستماتة على كرسي السلطة إلى آخر رمق في الحياة كما لو كانت بالنسبة لهم طوق نجاة، إذ لا يكاد نظام عربي يخلو من هذا الداء العِضال.
ولعل أبرز أنماط الحكام الراحلين تشبثًا بكرسي السلطة وهو على سرير الموت الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة الذي ظل يحكم البلاد عدة أعوام من غرفة العناية المركزة، ولولا أن كتب الله الخلاص للبلاد منه عن طريق الانقلاب الذي قام به آخر رؤساء وزرائه زين العابدين بن علي لظل مُحنطًا على الكرسي بشكلٍ أزلي.
أما النمط الذي ما يزال ماثلاً أمامنا ويُعلن ترشحه بُغية التأبُّد في كرسي الرئاسة من فوق كرسي الموت فهو الرئيس الجزائري الحالي الذي ما يزال يطمع بولاية خامسة على الرغم من إفادة مصادر طبية موثوقة بتعطل الكثير من قواه وحواسه، فقد نقلت صحيفة السويسرية عن الطبيب الجزائري حوراسين بوراوي قوله: «من خلال آخر المشاهد التي ظهر فيها بوتفليقة، يبدو أنه يعاني من اضطرابات ذهنية ومفصلية، وقد بات في حالة صحية تمنعه من ممارسة عدد من الوظائف العادية»، أي أن الرجل يقدم على خوض معترك انتخابي رئاسي نتيجته محسومة لصالحه ولو بأسلوب تزويري في حين أنه في حالة موت سريري.
فإلى متى سنظل نُحكم بأشخاصٍ أشباه موتى؟