الإثنين 19-08-2019 23:45:55 م
خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم«!
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 9 سنوات و 11 شهراً و 14 يوماً
الجمعة 04 سبتمبر-أيلول 2009 02:03 ص

سيف العسلي
ان من يتابع أحوال العديد من الدول العربية والإسلامية يلاحظ بوضوح عدم استقرار أوضاعها الاقتصادية والسياسية. فهي من ناحية تصنف ضمن الدول المتخلفة. فعلى الرغم من تبنيها للعديد من خطط التنمية الاقتصادية فانها لا زالت تعاني من الفقر والجهل والمرض.. وهي من جهة أخرى تعاني من تفشي العنف السياسي. فعلى الرغم من تبني العديد منها للتعددية السياسية ورفعها لشعار التداول السلمي للسلطة من خلال صناديق الانتخابات فان العديد منها لا تزال تعاني من وجود حركات معارضة مسلحة الى درجة ان بعضها تعاني بالفعل من حروب داخلية ظاهرة او مكبوتة. ان ذلك يدعو للتساؤل عن الأسباب التي تقف وراء ذلك وبالتالي ما ينبغي القيام به للخروج من نفق التخلف والعنف المتبادل وما يترتب على ذلك من ماسي لا حدود لها لكل مكونات هذه المجتمعات.
اعتقد ان اهم هذه الاسباب يكمن في هروب هذه الدول الى الأمام من استحقاقات بناء الكيانات السياسية المستقرة. فالاستقرار الاقتصادي يتطلب رفع مستوى الدخل لجميع المواطنين وبدون استثناء. وكذلك فان الاستقرار السياسي يتطلب تمكين كل فئات المجتمع من المشاركة السياسية.
من الواضح ان العديد من هذه الدول تعاني نتيجة لفشلها في تحقيق القدر الضروري من المتطلبات. ففيما يتعلق بالمتطلبات الاقتصادية فان مظاهر الترف في الشوارع والقصور قد زادت من معانات غالبية السكان الذين تركوا بعيدا عن الدورة الاقتصادية.
لا يجادل احد في فشل تجارب التنمية الاقتصادية في كل اومعظم الدول العربية والإسلامية. يستوي في ذلك من طبق التجربة الاشتراكية اوالتجربة الرأسمالية. فقد ترتب على توخي المساواة المطلقة في الدخل غياب الاستثمار وبالتالي تقلص الاستهلاك الامر، الذي ادخل كل السكان في هذه الدول في الفقر المدقع. وكذلك فقد ترتب على الحرية المطلقة في التجربة الرأسمالية ان تركزت الثروة بيد القلة وبالتالي حصل التدهور المستمر لمستويات المعيشة لغالبية السكان.
وفيما يتعلق بالجوانب السياسية فان المشاركة السياسية قد اقتصرت على النخبة السياسية الامر الذي تسبب في تضخم الاحتقانات السياسية تحت لافتات عديدة دينية وطائفية ومذهبية وشطرية وغيرها. فالتعددية السياسية والانتخابات الدورية قد اقتصرت على القلة المتنفذة. ولذلك لم يترتب عليها تحقيق مشاركة حقيقية في الحياة السياسية متمثلة في تعدد البرامج والرؤى والتمكين في ممارسة حقوق الإنسان لجميع المواطنين وبدون استثناء.
ونتيجة لذلك فلم يكن من الممكن توسيع المشاركة السياسية. ومن ثم فان النخب السياسية المسيطرة على الثروة لم تسمح بمشاركة القوى الاخرى لها لا في السلطة ولا في الثروة. ونتيجة لذلك فقد تم تحويل الممارسات الديمقراطية الى مظهر الهاء للمحافظة على الوضع القائم وتم إفراغها من أي امل في التغيير.
ومن اجل كسر هذه الحلقة المفرغة بدون اللجوء للعنف فان على هذه الدول ان تستفيد من تراثها. فالعنف لا ينتج إلاَّ عنفاً مضاداً. ان تطوير الدول العربية والإسلامية يكمن في فهم مكونات الآية الكريمة في عنوان هذا المقال.
دعامتان أساسيتان
ووفقا لذلك فانه لا بد لأي كيان سياسي (الدولة) عادل ومستقر ان يرتكز على دعامتين أساسيتين هما الدعامة الاقتصادية والدعامة السياسية. وتتمثل الدعامة الاقتصادية في القيام بالوظائف الاقتصادية للدولة والتي من أهمها الحفاظ على التوازن الاجتماعي- أي العمل على تحقيق تفاوت مقبول في الدخل. فالمساواة في الدخل أمر غير ممكن بل وغير مرغوب وكذلك فان التفاوت الكبير في الدخل يؤدي الى عدم الاستقرار الاجتماعي. أما الدعامة السياسية فتتمثل في الحرص على القيام بوظائف الدولة السياسية والمتمثلة في النجاح في حل المشاكل السياسية بهدف تفريغ المجتمع للعمل المنتج وكذلك العمل على تمكين المجتمع من استغلال موارده واقتناص الفرص المتاحة له. ان النجاح في ذلك يولد الانتماء للوطن وتمكين المواطنين من ممارسة حقوقهم كاملة وبدون انتقاص. ان ذلك يجعل هذا الكيان السياسي قابلاً للبقاء وقادراً على مقاومة كل عوامل الانحلال التي قد تحيط به.
وكما هو واضح فان هناك علاقة قوية بين الدعامتين. وقد لخصت هذه العلاقة الآيات الكريمات في سورة التوبة " وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106)". صدق الله العظيم
ان هذه الايات تدل بشكل واضح وجلي على ان الكيانات السياسية لا تولد وإنما يتم بناؤها. ذلك ان جميع أفراد المجتمع لا يكونوا خيرين بل ان منهم من يكون كذلك ومنهم من لم يكن كذلك. وعلى الرغم من ان العيش في كيان سياسي مفيد لكل أفراده فان عدم وجوده قد يكون مفيدا للقلة. ونتيجة لذلك فان هذه القلة تقاوم دائما قيام كيان سياسي عادل وفي حال فشلها في ذلك فانها تسعى للسيطرة عليه وإفراغه من معناه وتحويله الى وسيلة تمكنهم من استغلاله لصالحهم وان ترتب على ذلك الأضرار بالآخرين.
وفي هذه الحالة فانه لا بد من مقاومة ذلك من خلال تنظيم المجتمع بما لا يسمح لمثل هؤلاء من السيطرة عليه. وقد أوضحت هذه الايات اهم أسس قيام الكيان السياسي العادل والمستقر.
تزكية وتطهير
ومن الملفت للنظر ان هذه الايات قد اعطت اولوية على المتطلبات السياسية. فقد شددت الآيات على ان من اهم بناء الدول والحفاظ عليها يتمثل في المحافظة على تفاوت مقبول لمستويات الدخل في الدولة. وقد بينت ان افضل طريقة لتحقيق ذلك هواخذ صدقة من الأغنياء واعطائها للفقراء. انها تطهير للاغنياء مما قد يلحق بهم من الذنوب عند اكتسابهم للمال اوعند استخدامهم له. ويمثل إنفاقها على الفقراء تزكية لهم من الأمراض التي قد تصيبهم نتيجة الفقر مثل الحسد والحقد والانتقام.
ومن اجل النجاح في ذلك فانه لا بد ان ترافق مع ذلك اقامة علاقات سياسية بين مختلف مكونات المجتمع. ويتمثل ذلك في نشر القيم السياسية الايجابية بين افراد هذا المجتمع. للحفاظ على هذا الكيان. وقد اوضحت الايات ان نقطة البداية في ذلك الصلاة عليهم وتعليمهم كيفية الصلاة على بعضهم البعض.
الأَخْذ: خلاف العطاء، وهوأَيضاً التناول. أَخذت الشيء آخُذُه أَخذاً: تناولته؛ وأَخَذَه يأْخُذه أَخْذا. لكنه في هذه الآية يعني العطاء ايضا فهواخذ من الأغنياء وعطاء للفقراء. ويقال: خُذِ الخِطامَ وخُذْ بالخِطام. أي انه يعني التأْخاذُ اي تَفْعال من الأَخذ.
وهوكذلك لان الأخذ من الأغنياء ليس أخذا بدون مقابل ولكنه اخذ مقابل ما استخدموه من الموارد العامة بدون دفع ثمنها وهوبذلك يعد تكفيرا لهم. ويقال: أُخِذَ فلانٌ بذنبه أَي حُبِسَ وجُوزِيَ عليه وعُوقِب به. وهوكذلك أَخذا على أَيديهم كي ينَجَوْا. يقال: أَخذتُ على يد فلان إِذا منعته عما يريد أَن يفعله كأَنك أَمْسكت على يده. فاذا ما قدموا صدقة للفقراء فانهم من باب الاولى لن يقدموا على استغلالهم اواكل اموالهم بالباطل.
يتم تطهير هؤلاء بالصدقة. والصدقة مأخوذة من الصِّدْق: نقيض؛ ورجل صَدَقَ يَصْدُقُ صَدْقاً وصِدْقاً وتَصْداقاً.
وصَدَّقه قَبِل قولَه. وصدَقَه الحديث: أَنبأَه بالصِّدْق، ورجل صِدْقٌ وامرأَة صِدْقٌ. الصديقُ الدائمُ التَّصْدِيقِ، ويكون الذي يُصَدِّقُ قولَه بالعمل. والصِّدِّيقُ: المُصَدِّقُ.. الصِّدِّيقُ: المبالغ في الصِّدْق. والصَّداقةُ والمُصادَقةُ: المُخالّة. وصَدَقَه النصيحةَ والإخاء: أَمْحَضه له. وصادَقْتُه مُصادَقةً وصِداقاً: خالَلْتُه. ولذلك فان أخذ الصدقة من الاغنياء واعطائها الفقراء يجعل منهم اصدقاء. واشار الله تعالى الى هذا المعنى في قوله إِن المُصَّدِّقِين والمُصَّدَّقات. فهذا الوصف يشمل المتصدق والمتصدق عليه.
الصداقة بمقابل
ذلك ان الصدقة لا تعطى للفقراء بدون مقابل وإنما تعطى لهم بهدف تزكيتهم أي علاجهم من العديد من الأمراض الاجتماعية مثل الحسد والحقد والميل الى العنف والى غرس العديد من القيم الاجتماعية المهمة مثل التسامح والتعاون والتعايش والحب.
الزَّكاء، ممدود: النَّماء والرَّيْعُ، زَكا يَزْكوزَكاء وزُكُوّاً. والزَّكاء: ما أَخرجه الله من الثمر. وأَرضٌ زَكِيَّةٌ: طيِّبةٌ سمينة. زكا، والزَّرع يَزْكوزَكاء، ممدود، أَي نما. وأَزْكاه الله، وكلُّ شيء يزداد ويَنْمي فهويَزْكوزكاء. والزَّكاةُ: الصلاحُ. ورجل تقيٌّ زَكِيٌّ أَي زاكٍ من قوم أَتْقياء أَزْكِياء، وقد زَكا زَكاء وزُكُوّاً وزَكِيَ وتَزَكَّى، وزَكَّاه الله، وزَكَّى نفسَه تَزْكِيةً: مدَحها. ويقال
زِكِيَ الرجل يَزْكى وزَكا يَزْكوزُكوّاً وزَكاءً، وقد زَكَوْتَ وزَكِيتَ أَي صرت زاكياً. الزَّكاءُ الزِّيادة من قولك زَكا يَزْكوزكاءً، وزَكا الرجلُ يَزْكوزُكوّاً: تَنَعَّم وكان في خِصْب.وزَكِيَ يَزْكى.
في هذه الحالة يمكن ان تنشأ وتقوى العلاقات السياسية ويكون للصلاة نتائج سياسية فعالة. وفي هذه الحالة فان المجتمع سيكون مستعدا لتكوين العلاقات السياسية. لا يقصد بالصلاة هنا المعنى المتعارف عليهُ اي الرُّكوعُ والسُّجودُ. ولكن يقصد بها هناُ الدُّعاءُ والاستغفارُ. فالصَّلاةُ من الله تعالى: الرَّحمة والصلاة من الملائكة الدعاء والاستغفار والصلاة من الرسول التراحم والتعايش. قال تعالى وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم. والصلاة من الناس على الناس هي الثناء الحسن.
ولا شك انه يترتب على اخذ صدقة من الأغنياء وإعطائها للفقراء تعايش وتعاطف بين الجميع. فباعطاء الأغنياء للصدقة يكونون قد قاموا بما يجب عليهم تجاه الفقراء ابتغاء لرضوان الله وتثبيتا من عند أنفسهم أي طوعا. فلا شك ان ذلك يستلزم ثناء الفقراء عليهم لقيامهم بذلك أي صلاتهم عليهم.
وفي نفس الوقت فان عدم إظهار الفقراء حسدهم للأغنياء وعدم الميل الى العنف وارتكاب الجرائم تعبدا لله يستحق ثناء الاغنياء عليهم أي صلاتهم عليهم. واذا ما تحقق ذلك فانه سيترب عليه نشؤ روابط المواطنة والشعور بفوائد العيش وبالتالي الحرص على الاندماج في كيان سياسي واحد أي في وطن واحد.
وفي هذه الحالة فان الجميع سيعملون على تطور وتقدم هذا الوطن من خلال العمل الجاد كل فيما خلقه الله له. وعلى وجه التحديد فانه لن يكون هناك أي مبرارت لاي احد للعمل على اضعاف هذا الكيان تحت أي ظرف من الظروف. فعلى العكس من ذلك فان العديد من مواطني هذا الكيان سيبادرون في الدفاع عنه وفدائه بارواحهم.
الإنفاق في سبيل الله
وقد شدد القران على اهمية الانفاق في سبيل الله على حياة الفرد والمجتمع في هذه الحياة وفي الحياة الاخرة. ولا شك بان الانفاق في سبيل الله يشمل الصدقة وغيرها. انه يشمل الزكاة والتي هي الحد الادنى للفقراء في اموال الاغنياء ويشمل ما عدا ذلك من الانفاق في اوجه الخير. ومن ذلك الانفاق على المساكين والفقراء والأيتام وأولي القربى وابن السبيل. وكذلك الانفاق على اوجه البر المختلفة مثل التعليم والمستشفيات والمياه وكل ما يعود نفعه على الناس وخصوصا ذوي الحاجة.
لقد أوضح القرآن ان الحفاظ على التوازن الاجتماعي بين مختلف الفئات في المجتمع يمكن ان يتحقق من خلال ممارسة عادة الانفاق في سبيل الله. وقد أوضح القرآن بشكل لا لبس فيه ان الانفاق في سبيل الله هوالذي يؤدي الى النمووالزيادة. اذ يقول في سورة البقرة " مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261).
فالإنفاق في سبيل الله يتميز عن أنواع الانفاق الاخرى بان من يقومون به عليهم ان لا يتبعوا ذلك بأي منٍ اوأذى لان ذلك يبطل اثر هذا الانفاق سواء في الحياة الدنيا اوفي الآخرة. ففي الحياة الدنيا قد يكون عدم الانفاق افضل منه مع المن والاذى. ذلك ان قول «معروف» خير من صدقة يتبعها أذى. وفي الآخرة فان مثل المنفق المرائي كمثل شخص بنى مزرعة كبيرة بهدف ان ينتفع بها في أواخر حياته لأنه سيكون عاجزا عن الكسب وسيعول أطفالا ضعفاء لا يستطيعون كسب رزقهم ناهيك عن مساعدتهم له. ولكنه اذا لم يعمل ما فيه الكفاية للحفاظ على مزرعته هذه فقد يصيبها اعصار فيه نار فيهلكها. فاذا ما حدث ذلك فان حاله سيكون مزريا. فلا هو قادر على إصلاحها من جديد ولا هو ادخر ماله الذي انفقه فيها ليستفيد منه حال كبره..فكذلك حال المرائي والمنان. فلا هواستخدم ما أنفقه فيما ينفعه ولا هوكسب ود الناس الذين انفق عليهم ولا هوحصل على الثواب من الله. وعلى هذا الأساس فان الانفاق رياءً لا يفيد أحدا لا المنفق ولا المنفق عليه ولا المجتمع. ومن ثم فانه لا يؤدي الى صلات الناس على بعضهم البعض أي الى ثنائهم على بعضهم البعض.
أرض لافائدة منها
فالمرائي يكسب ماله من حرام وبالتالي فانه بممارسته هذه قد اضر بالمجتمع ضررا كبيرا. وبما انه يتبع ما ينفق منّاً فهوايضا قد عرّض المجتمع للأذى. فكان كسبه للمال أذى وإنفاقه له بهذه الطريقة أذى وبالتالي فانه قد عرض المجتمع لأذائين بدلا من اذى واحد. فيكون المجتمع الذي تسود فيه هذه الممارسات أشبه ما تكون بالأرض الضحلة التي تقع على صفاء أملس. فعلى الرغم من ان ظهرها يشبه ظاهر أي ارض أخرى لكن من يتعمق في التعرف عليها سيجد أنها لا تفيد مثل الأرض الاخرى. فلكي تنبت فانها لا بد ان ينزل عليها المطر. لكن نزول المطر عليها سوف يزيل ما فيها من تربة فلا يبقى بعده الا الصفاء الأملس الذي لا ينبت ومن ثم فان وجود تربة على هذه الأرض يستوي مع عدم وجوده أي أنها ارض لا فائدة منها حتى لوكانت تشبه الأرض الاخرى.
أما المجتمع الذي يوجد فيه من ينفق ابتغاء وجه الله أي ليس رياءً ومنّا فانه مثل الأرض التي تقع على ربوة وبالتالي فان تربتها تكون عميقة. فان نزل عليها مطر غزير لم يسحب كل تربتها بل على العكس فان تربتها تحتفظ بأكبر قدر من الماء مما يجعلها تؤتي أكلها ضعفين وان كان المطر خفيفا فانه يمكنها من ان تؤتي أكلها على الأقل مرة واحد. فإذا تم الانفاق في سبيل استفادة المنفق والمنفق عليه والمجتمع. فالمنفق سوف ينفق من طيبات ما رزقه الله وسوف لن يتبع ما انفق منّا ولا أذى. والمنفق عليه لن يمد يده الا اذا كان ممن احصر في الأرض ولا يستطيع ان يكسب فيها قوته وقوت من يعول. والمجتمع سيستفيد لان من كسب المال قد كسبه بجهده وعمله ومن حصل عليه كان محتاجا له وبالتالي لم يؤثر ذلك على عملية الكسب والإنتاج. وان لم يتم الانفاق فان ذلك لا يمنع من التعاطف والتكافل وبالتالي لا يتحول المجتمع الى قطاعات من الديناصورات التي تأكل بعضها بعضا.
في هذه المجتمعات لن تكون هناك فرص للمرابين والمستغلين. فلن يضطر احد للاقتراض من الجشعين والمرابين. وفي نفس الوقت فان أصحاب المال سوف لن يبحثوا على المتعثرين لإقراضهم المال وإنما سيستثمرونه في المجالات ذات العائد لكل منهم ومجتمعهم.
مجتمع الحكمة والحضارة
وفي مجتمع كهذا لن يكون هناك فقر مدقع وغناء فاحش لان هذا المجتمع محصن ضد نزغات الشيطان الذي يأمر بالفحشاء والفقر وبالتالي فانه سيكون مستجيبا لوعد الله الغني الحميد في النمووالتطور والانسجام الاجتماعي والتكافل والتسامح. لا شك ان أي مجتمع يتعامل بمثل هذه القيم سيكون هومجتمع الحكمة والحضارة. وسيكون مجتمعا يطبق العدل في كل مناحي حياته ويحارب الظلم بكل إشكاله وأنواعه.
ولا شك ان توافر قيم مثل هذه ستؤدي الى قيام اقتصاد عادل قوي ومستقر. وفي هذه الحالة فان الأوضاع السياسية لا بد ان تعكس ذلك من خلال شيوع الرحمة بين كل من الحاكمين والمحكومين.
فالحاكمين سيلتزمون الحق ولن يكونوا وكلاء للخائنين والظالمين. فصاحب الحق عندهم قوي حتى يحصل على حقه ومن عليه الحق عندهم ضعيف حتى يؤدي ما عليه من حق. إنهم يكرهون الذين يختانون أنفسهم ومجتمعهم وفي نفس الوقت فإنهم يشجعون من يزكون أنفسهم ومجتمعهم. انهم يكرهون التعامل في الظلام لأنه يؤدي الى الظلم ويحبون التعامل في النور لأنه يؤدي الى الحق والعدل. انهم يتسامحون مع من يعترف بأخطائه ويبحث عمّن يساعده في تصحيح ذلك. انهم لا يقبلون من يثير الشبهات ليستخفي رائها ناسيا ان الله يعلم باطنه كما يعلم ظاهره. انهم يفرقون بين من يريد الخروج من الفتنه وبين ما يسعى للتستر عليها. فالأولون يبادرون للاعتراف بأخطائهم والآخرون لسان حالهم يقول ائذن لي ولا تفتني لكنهم في الفتنة سقطوا. فالنوع الأول يبادر الى الانفاق في سبيل الله في حين ان النوع الثاني يلمز في الصدقات فان أعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها سخطوا. النوع الأول اذا أغناه الله حمد الله على ذلك وساعد المحتاجين أما النوع الثاني فإنهم لا يقابلون نعمة الله بالشكر بل الجحود فيستعملون ما أعطاهم الله من فضل في التكبر على خلقه. النوع الأول يعملون وفقا لقوله تعالى أحسن كما أحسن الله إليك أما النوع الثاني فيخرجون في زينتهم بهدف التفاخر والتعالي على الفقراء. النوع الأول يعتبرون ما ينفقون قربات عند الله واستجلابا لصلوات الرسول أما النوع الثاني فإنهم يتخذون ما ينفقون مغرما.
النوع الأول هم الذين طهرهم الله وزكتهم اذ يقول الله تعالى في سورة الأحزاب " إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)". ويقول كذلك في الحديد "إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)".
فاذا كان كل ذلك في كتابنا فلماذا لم نعمل به. ان عملنا به بدون شك سيغير من احوالنا وسيمكننا ايضا من مساعدة الاخرين، وفي هذه الحالة فاننا سنعرف بين الامم بالامة الخيّرة وليس بالامة الارهابية.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: بلوغ عدوانية التحالف مرحلة التكاشُف
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
كاتب/ فيصل جلول
قلق إسرائيلي متزايد من نفوذ الحوثيين في باب المندب
كاتب/ فيصل جلول
مقالات
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةثرثرة قليلي العقول!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةأعداء السلام
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
كاتب/عبد العزيز الهياجمالخيار الوحيد
كاتب/عبد العزيز الهياجم
مشاهدة المزيد
عاجل :
6 غارات لطيران العدوان السعودي الأمريكي على منطقة عطان بصنعاء والتحليق مستمر