الجمعة 13-12-2019 14:18:14 م
ماالذي يهدّد القضية الفلسطينية؟
بقلم/ كاتب/خير الله خيرالله
نشر منذ: 11 سنة و شهر و 26 يوماً
الخميس 16 أكتوبر-تشرين الأول 2008 10:04 ص
ما يثير المخاوف على القضية الفلسطينية هذه الأيام التركيز على تشكيل حكومة وحدة وطنية وكأن هذه الحكومة تشكل حلاّ سحريا وخروجا من المأزق الذي يواجه القضية التي يفترض، أقله من الناحية النظرية، ان تكون القضية العربية الأولى. ما يكشفه الواقع للأسف، أن ليس مهما أن تكون هناك حكومة وحدة فلسطينية.
المهم أن يكون هناك برنامج وطني فلسطيني واضح بعيداً عن أي نوع من المزايدات. فوق ذلك كله، يمكن القول ان لا فائدة من حكومة وحدة وطنية أو أي نوع من الحكومات في حال لم تكن هناك مرجعية سياسية عليا تستطيع التحدث باسم الفلسطينيين والتفاوض مع الجهات المعنية، على رأسها اسرائيل من أجل التوصل ألى تسوية معقولة ومقبولة تضع الشعب الفلسطيني في مصاف الشعوب الأخرى في المنطقة. مثل هذه التسوية لا بدّ ان تضمن الحد الأدنى من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني كما نصت على ذلك شرعة حقوق الأنسان والقرارات الدولية ذات الشأن. على رأس الحقوق حق تقرير المصير واقامة دولته المستقلة "القابلة للحياة" وعاصمتها القدس الشرقية.
من هذا المنطلق، يبدو مطلوباً أكثر من أي وقت تفادي الغرق في تحقيق مصالحة بين السلطة الوطنية و"حماس" التي تسيطر على قطاع غزة منذ منتصف يونيو من العام 2007. المصالحة ضرورية ولا مفر منها في حال كان مطلوبا التفاوض بوفد فلسطيني موحّد. كذلك ثمة ضرورة لتشكيل حكومة وحدة وطنية يتمثل فيها "الحزبان الفلسطينيان" الأساسيان أي "فتح" و "حماس"، علماً ان "فتح" في حال تنظيمية يرثى لها وتبدو مهددة بالأنقراض. ولكن يبقى السؤال ما الفائدة من مصالحة ومن حكومة وحدة وطنية في حال لم يكن هناك رأي فلسطيني موحد وبرنامج سياسي واضح كل الوضوح يؤكد الثوابت التي ناضل الفلسطينيون من أجلها طوال ما يزيد على نصف قرن؟ انها الثوابت التي سمحت بالوصول الى الأمم المتحدة وأحتلال مقعد مراقب فيها وفتحت أبواب البيت الأبيض في وجه رئيس السلطة الفلسطينية...
لم يعد مسموحا اضاعة الوقت والغرق في التفاصيل. الخيار بات واضحاً. انه بين ضياع القضية الفلسطينية وبين متابعة النضال السياسي من أجل اقامة الدولة المستقلة التي تضم غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. على من يريد أن يكون واقعيا، أي من يريد بالفعل حلاّ بدل العمل من أجل استمرار المأساة والمتاجرة بها وبالشعب الفلسطيني، الاعتراف بأن هناك حاجة الى تبادل للأراضي. تنبع الحاجة من وجوب أيجاد ممر آمن يربط الضفة الغربية بغزة. مثل هذا الممر الآمن لم يكن موجودا في العام 1967 عندما أحتلت اسرائيل الضفة والقطاع. هناك ثمن لايجاده ولا بدّ من مفاوضات جدية لتحقيق هذا الهدف ولا مفر من ثمن على الفلسطينيين دفعه من أجل اقامة الممر الذي يحول دون وجود كيانين فلسطينيين مسقل كل منهما عن الآخر كما الحال الآن. يتمثل هذا الثمن بكل بساطة بضرورة تبادل بعض الأراضي، على أن تكون الضفة الغربية في معظمها جزءا لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقلة، بما في ذلك القدس الشرقية.
هناك تحول في اسرائيل. هناك أدراك لأهمية تقديم الثمن المطلوب الى الفلسطينيين كي يُحافظ على الطابع اليهودي للدولة. لعل أفضل من عبّر عن التحول شخص اسمه ايهود أولمرت اختار قبل أن يخرج من السلطة نهائيا الاعلان عن وصية سياسية تحدد ما على اسرائيل عمله من أجل تحقيق تسوية. لم يفعل أولمرت شيئا من أجل التوصل الى حل طوال وجوده في السلطة. كل ما فعله كان العمل من أجل اضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية.!
بغض النظر عن أي تقويم لشخصية أولمرت الذي تبين أنه لم يستفق على وجوب العمل من أجل السلام الا متأخرا، يبدو منطقيا أن يعد الفلسطينيون أنفسهم للمرحلة المقبلة. لا مفرّ من اعادة ترتيب البيت من داخل أوّلا بحكومة وحدة وطنية أو بأي حكومة تتولى ادارة شؤون الناس وتسهيل الحياة اليومية. هذه مهمة الحكومة، أي حكومة. الموضوع السياسي شأن مختلف. على الفلسطينيين أن يقولوا ماذا يريدون بشكل علني ومن دون لف ودوران. هل يريدون حلاّ، أو على الأصح هل هم مستعدون لحل مقبول من المجتمع الدولي؟ هذا لا يعني في طبيعة الحال أن اسرائيل، في حال شكلت ستيبي ليفني حكومة جديدة، أم لم تستطع ذلك، ستقدم لهم الدولة المستقلة على طبق من فضة. فما لابد من الاعتراف به أن التوصل الى تحقيق الهدف الوطني يحتاج الى مزيد من النضال والتضحيات ولكن من دون الوقوع في فخّ "عسكرة الانتفاضة" كما حصل في نهاية العام 2000.
ان الاتفاق على برنامج سياسي واضح ومرجعية سياسية قادرة على التفاوض خطوة مصيرية على طريق المحافظة على القضية الفلسطينية وحمايتها، في حال كان مطلوبا ايجاد مكان للشعب الفلسطيني على الخريطة الجغرافية للمنطقة. المسألة ليس مسألة حكومة وحدة وطنية ومصالحة بين "فتح" و "حماس" وتمديد ولاية "أبو مازن" في غياب القدرة على اجراء انتخابات. المسألة مرتبطة بوجود القضية الفلسطينية التي هي قبل كل شيء قضية شعب. القضية مهددة بالزوال من دون ادراك لطبيعة المرحلة المقبلة ومتطلباتها...