الجمعة 18-10-2019 13:50:55 م
اليمن والخليج: الشراكة الاقتصادية أولاً
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 11 سنة و 3 أشهر و 19 يوماً
الجمعة 27 يونيو-حزيران 2008 09:35 م
على الرغم من أن الحديث عن الشراكة بين اليمن ودول الخليج العربي قد بدأ منذ فترة ليست بالقصيرة، فإن النتائج الملموسة على أرض الواقع لا تزال محدودة، ومن الواضح ان ما تحقق على الارض لا يعبر عما كان يمكن تحقيقه في هذا المجال، صحيح ان الإرادة السياسية كانت ضعيفة في البداية لم تعد كذلك منذ وقت ليس بالقصير.. ومع ذلك فإن السير على طريق تحقيق هذه الشراكة ليس حثيثاً بعد ، مما يشير الى أنه ربما تكون هناك أسباب أخرى ،و اعتقد ان التعرف على هذه الاسباب ضروري في الوقت الحاضر كي يتمكن الطرفان تحقيق قفزات كبيرة في هذا السير، وتنبع أهمية ذلك من حقيقة أن هناك فرصة تاريخية لا ينبغي تضييعها، ففي ظل هذه الفرصة يمكن تذليل معظم العقبات إذا ما بذلت الجهود المناسبة للتغلب عليها.
هذا المقال سيحاول إلقاء الضوء على هذه الأسباب وعلى البدائل المتاحة للتعامل معها بنجاح، وقبل مناقشة ذلك فإنه من المفيد مناقشة بعض مؤشرات الفرص المتاحة والتي ينبغي اغتنامها وعدم تركها تذهب هدراً، فالتقصير في ذلك سيجعلنا نعض أصابع الندم فيما بعد وعندئذ لا يجدي ذلك شيئاً.
إن الشراكة بين اليمن ودول الخليج حتمية وليست خياراً، ولا يشكك في هذه الحقيقة وجود بعض الاعتبارات التي ألقت بظلالها عليها في الماضي.. والآن بعد أن زال معظمها فإنه لا ينبغي تضييع اي وقت في التخلص مما بقي منها، فالوقت مناسب جداً للمضي قدماً في ترجمة هذه الحتمية على ارض الواقع.
تنبع هذه الحتمية من حقيقة ان اليمن وبقية دول الخليج العربي يتشاركان العيش على ظهر الجزيرة العربية التي تمثل منطقة جغرافية واحدة ليس فيها أية حواجز طبيعية، وقد ترتب على ذلك وجود تشابه كبير بين سكانها سواء في اليمن او في بقية دول الخليج من حيث اللغة والدين و العادات والتقاليد والمصالح والاخطار ، ولا يقتصر الأمر على ذلك وحسب وإنما يمتد الى غير ذلك من الخصائص الاقتصادية والاجتماعية.
ولذلك فإن إقامة أية حواجز مصطنعة بين هذه الدول ليس في صالح أي منها.. بل إن ذلك يلحق أضراراً فادحة بها جميعاً، ونتيجة لذلك فإن أمن هذه الدول كل لا يتجزأ، وأيضاً فإن اقتصادياتها تتكامل بشكل طبيعي.. ومن ثم فإن الشراكة بينها أمر طبيعي وعدم وجود ذلك هو الأمر غير الطبيعي.
إن عدم تحقق الشراكة لا يبرر بأية حال عدم السعي لتحقيقها .. وفي إطار ذلك فإذا لم يكن -في الوقت الحاضر- من الممكن تحقيق شراكة كاملة في جميع الجوانب فإنه من الواجب البدء أولاً بما يمكن تحقيقه من شراكة في بعض الجوانب.. ان السعي الى تحقيق شراكة كاملة ربما يكون قد تسبب في تباطؤ السير في هذا الطريق.
ولكسر هذا الجمود فإني اعتقد انه من المناسب التخلي عن هذه المحاولات وبدلاً عن ذلك يتم التركيز على تحقيق شراكة اقتصادية كخطوة اولى نحو تحقيق شراكة كاملة.. إن ذلك يعني ضرورة تطوير بدائل للشراكة وآليات تحقيقها غير انضمام اليمن كاملاً الى عضوية مجلس التعاون الخليجي.. ان ذلك يعني عدم وضع عقبات سياسية غير ضرورية أمام الشراكة الاقتصادية اليمنية- الخليجية.
تستند وجهة النظر هذه على عدد من الاعتبارات والشواهد.. فقد اثبتت العديد من التجارب في هذا المجال ان تحقيق الشراكة الاقتصادية لا يتطلب بالضرورة وجود شراكة سياسية كاملة، فالشراكة السياسية ربما تحتاج الى جهود اكبر وظروف أفضل من الشراكة الاقتصادية، وهنا ينبغي ان ننوه ان السعي لتحقيق الشراكة الاقتصادية ليس بديلاً عن تحقيق الشراكة السياسية، إذ انه بالإمكان السير في المسارين معاً باعتبار ان ذلك سيقوي الشراكة بين الطرفين وسيساعد في نهاية المطاف على دمج اليمن في كل المؤسسات الاقتصادية والسياسية بشكل أكثر سلاسة.
لقد نجحت العديد من الدول في تحقيق شراكة اقتصادية حتى مع وجود تباين سياسي واضح بينها، فالشراكة الاقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين خير شاهد على ذلك..و الأكثر أهمية من ذلك فقد أوضحت التجربة الأوروبية في هذا المجال أن الشراكة الاقتصادية لابد وأن تسبق الشراكة السياسية.
لذلك فإنني اعتقد جازماً أن تحقيق الشراكة الاقتصادية بين اليمن ودول الخليج أكثر فائدة وسهولة للطرفين.. وينبع ذلك من حقيقة أن هذه الشراكة يمكن أن تكون جماعية أو ثنائية أو الاثنين معاً.. إنها تتمتع بمرونة كبيرة، فهناك جوانب يتفاوت فيها حجم المصالح الاقتصادية المشتركة بين اليمن وبعض دول الخليج والتي تناسب الشراكة الثنائية ، وهناك ايضاً جوانب تتشابك فيها المصالح الاقتصادية لليمن مع المصالح الاقتصادية للدول الخليجية مجتمعة والتي تناسب الشراكة الجماعية.. فعلى سبيل المثال فإن تبادل اليمن التجاري مع دول الخليج ليس واحداً ، وبالتالي فإنه يمكن التعامل مع هذه الدول بشكل ثنائي، لكن توحيد السياسات الاقتصادية في اليمن ودول الخليج لا تتحقق فوائده إلا إذا كانت هناك شراكة جماعية.
فإمكانية الشراكة الاقتصادية بين اليمن والمملكة العربية السعودية مثلاً قد تكون اكبر في بعض المجالات مقارنة مع بقية الدول الخليجية.. وفي هذه الحالة فإن النجاح في تحقيق الشراكة سيكون أسهل.. ويحدث العكس في مجالات اخرى.
إن التعامل مع الشراكة الاقتصادية بين اليمن والدول الخليجية بهذه الطريقة سيساعد الطرفين على تحقيق مصالحها، كما أن ذلك سيمكنها من الاستفادة من التنوع والتدرج.. ففي هذه الحال فإنه سيكون من الممكن البدء في إقامة شراكة في تلك المجالات التي تتناسب مع طبيعة الاقتصاد اليمني واقتصاديات دول الخليج.
لا يقف الأمر عند هذا الحد فإن النظر الى الشراكة بين اليمن والدول الخليجية بهذه الطريقة سيمكن الجانبين من التدرج فيها، فالسعي لإقامة الشراكة في المجالات المفيدة للطرفين أفضل من السعي لإقامتها في المجالات الأقل فائدة.. فعلى سبيل المثال فإن إقامة شراكة بين الطرفين في مجال العمالة مفيد جداً لهما.
فمن الواضح أن اليمن يعاني من اختلال أسواق العمل ، فعرض القوى العاملة فيه اكبر من الطلب عليها مما ترتب على ذلك معاناته من بطالة كبيرة ومزمنة.. وفي نفس الوقت فإن أسواق العمالة في الدول الخليجية تعاني من اختلال بين عرض القوى العاملة فيها والطلب عليها، فالطلب على العمالة في هذه الدول يفوق عرضها.. إنها تعاني من وجود وظائف شاغرة.
وما من شك بأن دمج أسواق العمل للطرفين سيمثل مصلحة لهما، وذلك سيمثل حلاً لمشكلاتهما معاً، والاكثر أهمية أن هذا الحل يمثل حلاً أمثل لهما لأنه سيمكنهما من تكاليف الحل وزيادة العائد من ذلك، فأي حل آخر ممكن لمشكلة البطالة في اليمن سيكون أكثر كلفة وصعوبة.. إنه سيتطلب القيام باستثمارات كبيرة وتوفير بنية تحتية مناسبة، وسيكون من الصعب تحقيق ذلك لعدم توافر التمويل المناسب، وكذلك فإن تحقيق ذلك يتطلب وقتاً طويلاً.
وعلى الرغم من أن دول الخليج استطاعت أن تحل العجز في قواها العاملة من خلال استقدام ما تحتاجه من ذلك إلا أنه من الواضح أن هذا الحل غير قابل للاستمرار ومكلف من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.. فنظراً للاختلاف البيِّن بين تقاليد وعادات هذه الدول والدول المصدرة للعمالة فإنه قد ترتب على ذلك حدوث ظواهر اجتماعية غير مرغوبة في الدول الخليجية، ولاشك ان التعامل معها سيكلف الدول الخليجية كثيراً سواءً على المدى المتوسط او البعيد، ومن ناحية اخرى فإن اقتصاديات الدول الخليجية ستكون عرضة لأية تطورات سلبية في اقتصاديات الدول المصدرة للعمالة.
وبالإضافة الى ذلك فإن أية استراتيجية وطنية قد تتبناها هذه الدول سواءً بشكل منفرد أو جماعي للتعامل مع هذه المشكلة ستكون محدودة ومكلفة ، فسيكون من الصعب على هذه الدول إقناع مواطنيها بالعمل في بعض الأعمال أو الوظائف مهما كانت المغريات.. ولاشك أن قدرة هذه الدول التنافسية مع دول العالم الأخرى ستكون متدنية في حال عدم قدرتها لأسباب سياسية واجتماعية على تخفيض متوسط الاجور إلى المستويات العالمية، كما أن إصلاح أسواق عمل الدول الخليجية يتطلب حدوث تغيرات جذرية في نظام الضمان الاجتماعي فيها ولايخفى مدى صعوبة ذلك بل ان الاكثر صعوبة هو نجاحها في تغير انطباع مواطنيها حول العمل في بعض الوظائف.
ولا يخفى ان الشراكة مع اليمن هي الخيار الأمثل لهذه المشكلة، انها الخيار الامثل للجانبين، وذلك مايحتم البدء فوراً في تهيئة الظروف المناسبة لاقامة شراكة طويلة بين الجانبين في هذا المجال..
صحيح انه توجد نواة لهذه الشراكة في الوقت الحاضر وذلك لوجود عمالة يمنية في بعض الدول الخليجية وخصوصاً في المملكة العربية السعودية لكن الصحيح انه يمكن تطويرها بشكل كبير، والدليل على ذلك هو وجود عمالة غير شرعية في بعض الدول تسبب ازعاجاً لليمن ولها ان عدم معالجة ذلك يدل على وجود قصور لدى الطرفين في التعامل مع هذه الظاهرة بما يخدم مصالح الجميع، كما ان ارساء قواعد سليمة للشراكة في هذا المجال سيمكن الطرفين من الاستفادة من الامكانات المتاحة ومن تقليص العمالة غير الشرعية.
ان على الجانبين العمل على ازالة العقبات التي تقف حائلاً دون تحقيق ذلك، ففيما يخص الجانب اليمني فان عليه العمل على تطوير عملية تدريب قواها العاملة وتحسين آليات تنظيمها، وعلى وجه التحديد فان على اليمن ان يعطي تدريب بعض قواه العاملة على المهارات التي تتطلبها الوظائف الشاغرة في الدول الخليجية اولوية قصوى، وكذلك فان على اليمن ان يعمل على جمع وتحليل البيانات الضرورية لتطور اسواق العمل في الدول الخليجية وفي اسواق اهم الدول الآسيوية المصدرة للعمالة الى الدول الخليجية بهدف تطوير نظامه التعليمي والتدريب كذلك فان على اليمن ان يعمل على تطوير آليات تنظيم العمالة اليمنية في الخارج آخذاً في الاعتبار قوانين الدول المستضيفة وحماية حقوق ابنائها وفقاً للمواثيق الدولية ذات الصلة.
كما ان على الدول الخليجية ان تعيد النظر بالقيود المفروضة على استقدام العمالة اليمنية ورسوم الاستقدام، فمن الواضح ان بعض الدول الخليجية تضع قيوداً غير مبررة على استقدام العمالة اليمنية اما بشكل رسمي او غير رسمي، فعلى سبيل المثال فان الحصول على رخصة لاستقدام العمالة اليمنية في بعض الدول يتطلب وقتاً اطول من الوقت المطلوب لاستقدام عمالة أخرى، وكذلك فان اجراءات استقدام العمالة اليمنية في بعض الدول اكثر صعوبة من غيرها.
ولذلك فإن اولى خطوات اقامة شراكة بين اليمن والدول الخليجية في هذا المجال تكمن في سعي الطرفين للقيام بما ينبغي عليهما القيام به من اجل تسهيل استقدام العمالة اليمنية، وفي هذا الاطار فانه يمكن اقتراح افكار يمكن ان يتمحور النقاش حولها اذ انه يمكن لليمن تقديم تسهيلات للدول الخليجية مقابل تقديمها تسهيلات لليمن، من هذه التسهلات ان تتعهد اليمن بان تعفى الاستثمارات الخليجية في اليمن بهدف التصدير الى الأسواق الخليجية من كل الضرائب والرسوم الاخرى.
وفي مقابل ذلك تتعهد الدول الخليجية بتسهيل عملية استقدام العمالة اليمنية سواء من حيث الاوراق المطلوبة او من حيث الوقت الضروري لانجاز هذه الاوراق وكذلك من حيث رسوم هذه الاوراق، وبموجب ذلك يتم اعفاء العمالة اليمنية من رسوم الاستقدام، وكذلك فقد يكون من المناسب للطرفين تطبيق نظام كفالة الدولة على العمالة اليمنية وذلك سيكون مفيداً للطرفين لان معظم العمالة اليمنية تعمل في الأعمال الخاصة والأعمال المهنية، وفي حال تطبيق هذا النظام فان ذلك سيسهل عليها الانتقال بين الأماكن والاعمال المختلفة، وبالاضافة الى ذلك فان تطبيق هذا النظام سيقلل عليهم التكاليف المرتبطة بتغيير الاوراق وتلك الإتاوات التي تدفع للكفيل حتى يوافق على الانتقال.
وقد يكون من المناسب توسيع المجالات التي يمكن ان يعمل بها اليمنيون، فالتضييق عليهم في الوقت الحاضر عمل فقط على تشجيع العمالة غير الشرعية، وفي نفس الوقت فانه لم يشجع العمالة الوطنية على اقتحام هذه الوظائف.
وفي مراحل لاحقة يمكن تطوير مستويات الشراكة بين الطرفين، فقد يكون من المفيد جدا للدول الخليجية ولليمن ان يتعاونا في تدريب العمالة اليمنية على المهارات التي تحتاجها اسواق عمل الدول الخليجية ذلك ان السماح للعمالة اليمنية وأبنائها بالالتحاق في مؤسسات التدريب بالدول الخليجية قد لايترتب عليه اي نفقات اضافية بل قد لايكون ذلك مزاحمة لابنائها، فعلى سبيل المثال فان هناك العديد من مراكز التدريب التي أقامتها هذه الدول لأبنائها ولكن اقبالهم عليها ليس كبيراً، فبدلاً من اغلاقها او تشغيلها بأقل من قدرتها فان السماح لليمنيين بالالحاق فيها قد يكون مفيداً للطرفين.
ولتحقيق هذه الشراكة فانه لابد من ايجاد اطر تنظيمية تعمل على تنميتها وتناسقها وتطويرها، فالآليات الحالية والمتمثلة في اللجان العليا المشتركة وفي الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي لاتساعد الاسراع في اقامة هذا النوع من الشراكة. ولذلك فاننا نقترح ان يتم تشكيل اطار جديد مشترك او هيئة مشتركة او صندوق مشترك.


عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
النظام السعودي ومناورة الوهم!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: قاض يحوجه الضعف لگلب أصحاب الكهف
عبدالسلام التويتي
مقالات
من أجل اليمن أولاً
احمد قاسم العمري
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةفي مواجهة ثقافة الغلو والتطرف
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد