الأحد 08-12-2019 06:31:43 ص
مؤتمر البتراء الرابع ولغة الأرقام...
بقلم/ كاتب/خير الله خيرالله
نشر منذ: 11 سنة و 5 أشهر و 11 يوماً
الخميس 26 يونيو-حزيران 2008 08:14 ص
عكس مؤتمر البتراء الرابع مجدداً وجود رغبة لدى قِّلة مستنيرة في نقل المنطقة إلى أفق جديد. كما في السنوات الأربع السابقة، جمع المؤتمر الذي أنعقد بين السابع عشر والتاسع عشر من الشهر الجاري مجموعة كبيرة من الحائزين على جائزة نوبل وشخصيات عربية وأجنبية مرتبطة بالسياسة والاعلام والقطاعات التي لها علاقة بالحضارة،
 خصوصاً بالتعليم والأقتصاد والتكنولوجيا المتطورة، أضافة إلى شُبّان من كل دول المنطقة تقريبا تحدّثوا عن همومهم وأهتماماتهم ورؤيتهم للمستقبل. تحدّث هؤلاء بلغة الأرقام التي يفتقدها معظم العرب للأسف الشديد.
 مؤتمر البتراء ليس حدثاً عادياً، ولم يكن يوماً كذلك، بعدما بات يمثل رؤية على ارتباط بالمستقبل يفتقدها أهل الشرق الأوسط إلى حد كبير، باستثناء أولئك الذين أنخرطوا باكراً في الأصلاحات. لذلك أستطاع الملك الشاب عبدالله الثاني، على الرغم من الامكانات المتواضعة لبلده، جمع عقول، بينها أفضل العقول العالمية، للبحث على نحو مستفيض بالمشاكل التي تواجه الشرق الأوسط بصفة كونه جزءاً من العالم. ولذلك، كان في البتراء نقاش تناول تطور الأقتصاد العالمي وكيفية ردم الهوة بين الفقراء والأغنياء، وألأزمة الغذائية العالمية وكيفية معالجتها. وشارك في تلك الندوة الزعيم البوذي الدالاي لاما الذي أضفى على مؤتمر البتراء لهذه السنة بعداً روحياً. وخصصت أحدى الندوات لمناقشة كيفية الأستثمار في الجيل الشاب عن طريق استخدام وسائل تعليمية متطورة. وشمل النقاش مسائل من نوع كيف يمكن أن تكون البرامج متلائمة مع الاتجاهات الاجتماعية والثقافية والداخلية في مجتمع معيّن.
كان مهما الانطلاق من أن الجيل الشاب يشكل نسبة ستين في المئة من سكّان الشرق الأوسط. في البتراء، لا تدور نقاشات في المطلق. لا نقاش من أجل النقاش بمقدار ما أن النقاش الذي دار في المدينة التاريخية التي صارت أحدى عجائب الدنيا، يستند إلى لغة الأرقام والواقع السائد في المنطقة. إنه الواقع الذي يعتبر كثيرون من أهل المنطقة وحكامها أن في أستطاعتهم الهروب منه بمجرد تجاهله. تحولت البتراء إلى أحد الأماكن النادرة في الشرق الأوسط التي يُبحث فيها في كيفية تغيير الوضع من أساسه، أي أنطلاقاً من مواجهة المشاكل التي تعترض نشوء جيل شاب يعيش في منطقة مستقرة في ظروف طبيعية تسمح له بأن يكون جزءاً من الثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم ودور القطاعين العام والخاص في تحقيق ذلك.
كذلك، كان مهماً الانتقال إلى نقاشات ذات علاقة بالتقدم الذي يشهده العالم في حقول الطب والعلوم والتكنولوجيا في ظل حال ركود في الشرق الأوسط حيث أزمات تتفاقم بسبب الزحف المستمر والمتزايد من الريف إلى المدن وانتشار الأوبئة وتردي نوعية المنتجات الزراعية وانتشار التطرف والتزمت... من أفضل من علماء حازوا على جائزة نوبل في ميادين مختلفة لدى محاولة معالجة مشاكل الشرق الأوسط وسكانه بهدف الخروج بأفكار جديدة تساعد في نقل المنطقة إلى مرحلة جديدة مختلفة؟
لم تكن هناك أوهام في مؤتمر البتراء. لا أوهام في ما يتعلّق بصعوبة الأوضاع التي تواجه المنطقة. كان الملك عبدالله الثاني في غاية الجرأة عندما وازن في خطابه بين السياسي وغير السياسي. في الجانب غير السياسي، شدد على «أهمية العقول المشاركة في المؤتمر في منطقة نصف سكانها دون الثامنة عشرة من العمر» وعلى «أهمية تغيير حياة الناس على الأرض». وفي الجانب السياسي، ركّز على أن الأطار العام للتغيير يتمثل في الأستقرار وألأعتدال على الصعيد الأقليمي. من هنا، جاء تنبيهه الذي أرتدى طابع التحذير من «تفويت الفرص المتاحة هذا العام لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، مستقلة وقابلة للحياة إلى جانب أسرائيل آمنة ومعترف بها في منطقة موحدة تنعم بالسلام». أعتبر بكل بساطة وصراحة أن الشرق الأوسط لا يمكن أن يخرج من دائرة الخطر الذي يشكله الارهاب والتطرف والعنف من دون «تحقيق السلام من خلال إيجاد تسوية شاملة للنزاع العربي - الأسرائيلي» واصفاً تفويت فرصة إقامة الدولة الفلسطينية هذا العام ب»الخطأ الكبير».
لا بدّ من محاولة وضع مؤتمر البتراء في إطاره الاقليمي. المنطقة تحتاج إلى التعاطي مع الوضع السياسي الذي تعاني منه ومع حال التخلف السائدة في الوقت نفسه. لا يمكن كسر الحلقة المفرغة من دون تحقيق السلام الشامل. في الوقت نفسه لا يمكن أنتظار السلام الشامل للبدء في الإصلاحات أو البحث الحقيقي في المشاكل التي تعاني منها شعوب المنطقة على رأسها التخلف في المجال التعليمي. أمتلك الأردن ما يكفي من الشجاعة للقول أن لا بدّ من العمل من أجل السلام الشامل من دون تجاهل الأوضاع الداخلية مع الإعتراف بهذه المشاكل الداخلية بدل الهرب منها. تعرف المملكة الهاشمية أن ليس مطلوباً أنتظارالسلام الشامل للمباشرة في البحث عن الحلول التي تؤمن مستقبلا أفضل للأردنيين ولأهل المنطقة. من يتوقع السلام الشامل قي المستقبل القريب يراهن على سراب ليس إلاّ. وبكلام أوضح، أن السعي إلى السلام الشامل والعمل من أجله لا يمكن أن يحولا دون الحديث الصريح عن المشاكل الداخلية على الصعيد العربي ككل وبصراحة متناهية بعيدا عن أي نوع من العقد.
أختصر مؤتمر البتراء الحال العربية من دون مواربة. وكشف في الوقت ذاته من خلال المواجهة التي حصلت بين شمعون بيريس رئيس الدولة في أسرائيل والأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى أن هناك عقما على الصعيد السياسي وأن لا أمل يرتجى من أي حوار في الوقت الراهن، إلاّ اذا كان مطلوبا أن يكون هناك حوار من أجل الحوار بطريقة غير مباشرة أو مباشرة على غرار ما يحصل حاليا بين النظام السوري والدولة العبرية. فبيريس تحدث بلباقة ليس بعدها لباقة عن السلام ولم يذكر كلمة الاحتلال ولو مرة واحدة ناسيا أن أسرائيل تحتل أرضا عربية! أما عمرو موسى فقد بدا في مؤتمر البتراء كأنه من عالم آخر. كان يتحدث إلى جمهور عربي على أستعداد دائم للتصفيق له متناسيا أن هناك تقصيرا عربيا على كل صعيد في المواجهة مع أسرائيل.
أختصر خطاب العاهل الأردني الذي أفتتح به مؤتمر البتراء جملة التحديات التي تواجه الأردن خصوصا والعرب في شكل عام. بالطبع، ليس في الأمكان الإتكال على أدارة أميركية كإدارة الرئيس بوش الأبن لتحقيق تقدم حقيقي على صعيد إقامة الدولة الفلسطينية، على الرغم من كل ما وعد الرئيس الأميركي بتحقيقه قبل نهاية ولايته. ولكن لا يمكن في الوقت نفسه تأجيل البحث في المشاكل العربية والاقليمية وربطها بتحقيق السلام. لم يكن مؤتمر البتراء سوى تعبير عن محاولة لكسر الحلقة المفرغة وتوفير أمل بمستقبل أفضل لكل سكان المنطقة. لعل أفضل من أختصر المؤتمر أحد حاملي جائزة نوبل الذي قال في الجلسة الختامية: «الحضارة سباق بين العلم والكارثة». ربّما يمكن القول أن رسالة مؤتمر البتراء تختصر بأن لا ضرورة لإنتظار الكارثة ما دام في الإمكان الحصول على العلم والمعرفة عن طريق بعض أفضل العقول في هذا العالم... ولو عبر دولة متواضعة لا تبحث سوى عن الإستقرار والإعتدال في منطقة يسودها التطرف والجنون... إلى أشعار آخر.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
هكذا يُنفّذ اتفاق الرياض!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: الطرابلسي وزير سياحة تونس تصهيُنٌ؟ أم تجنُّس؟
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الاحداث: اليمن في طريقه للتغلب على مشاكله المزمنة
كاتب/ احمد ناصر الشريف
مقالات
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةفي مواجهة ثقافة الغلو والتطرف
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
دكتور/عبدالله الفضليتحية اكبار لقواتنا المسلحة
دكتور/عبدالله الفضلي
مشاهدة المزيد