الجمعة 24-05-2019 16:29:55 م
اليمن في مواجهة أحلام التجزئة
بقلم/ كاتب/نصر طه مصطفى
نشر منذ: 10 سنوات و 11 شهراً و 26 يوماً
الإثنين 26 مايو 2008 10:49 م
احتفل اليمنيون أمس (الخميس) بالعيد الوطني الثامنَ عَشَر لإعادة توحيد شطري بلادهم بعد ما يقرب من ثلاثة قرون من التمزق السياسي، إلا أنهم يحتفلون هذه المرة وشيء من القلق يساورهم على مستقبل وحدتهم الوطنية بسبب ما جرى منذ أوائل العام الماضي من احتقانات سياسية ناتجة عن مشكلات اجتماعية بالأساس، تطورت حتى كادت أن تصبح عقدة سياسية مستعصية لولا بعض الحلول السريعة التي اتخذتها الحكومة اليمنية وفي مقدمتها إعادة ما يقرب من سبعة وثلاثين ألف ضابط متقاعد إلى الخدمة وتسوية أوضاعهم القانونية. فمشكلة المتقاعدين العسكريين منذ حرب صيف 1994م برزت عند بدء تنفيذ استراتيجية الأجور الجديدة في يوليو/ تموز 2005م وما صاحبها من ارتفاع في أجور موظفي الدولة مدنيين وعسكريين وكذلك من سيتم تقاعده في ذلك التاريخ وما بعده من دون إجراء أي معالجات في ذلك الحين للمتقاعدين قبل تنفيذ الاستراتيجية. وبسبب ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة ونتيجة لذلك أخذت أصوات العسكريين الذين قاتلوا في إطار وحدات الجيش التي كان يسيطر عليها الحزب الاشتراكي اليمني إبان حرب صيف 94م ترتفع مطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية، خاصة أنهم يعتبرون أنهم تقاعدوا لأسباب سياسية بعد الحرب رغم أن معظمهم كان قرارهم طوعياً فيما عاد من أراد منهم للعمل في صفوف الجيش دون مشكلات تذكر. وفي الحقيقة فإن الحكومات السابقة لم تتعامل مع مطالبهم بجدية باعتبارها مخالفة لجوهر قانون التقاعد واستراتيجية الأجور، إلا أن هذه القضية المطلبية أخذت تتصاعد وتزداد حدة مع مرور الوقت حتى كادت أن تتحول إلى قضية سياسية، ووجدت الحكومة اليمنية نفسها معنية بسرعة المعالجة، وبالفعل فقد أسفرت المعالجات كما سلف عن إعادة سبعة وثلاثين ألف ضابط إلى العمل وتم إنهاء أزمة المتقاعدين والتي كانت الأزمة الأخطر منذ صيف 94م رغم أنها ذات طابع اجتماعي أكثر منه سياسي.
يمكن القول بوضوح إن هناك تياراً سياسياً ينتمي معظم أعضائه إلى المحافظات الجنوبية تشكل من عدد من الأحزاب السياسية والمستقلين تمكن من ركوب موجة المتقاعدين ليدفع بما يمكن تسميته تجاوزاً (المسألة الجنوبية) إلى الواجهة منادياً بالتراجع عن الوحدة والعودة إلى الأوضاع الشطرية التي سبقتها. وفيما تواجه هذه الدعوة معارضة واسعة من جميع القوى السياسية اليمنية بما فيها الحزب الاشتراكي اليمني الذي كان يحكم جنوب اليمن قبل الوحدة، فإن هذا التيار السياسي أخذ ينشط في تأجيج مشاعر المواطنين في المحافظات الجنوبية مستفيداً من الارتفاع العالمي في أسعار السلع الغذائية وسوء الأوضاع المعيشية بسبب تدني الأجور، موحياً لهؤلاء المواطنين أن الوحدة اليمنية هي سبب معاناتهم، مذكراً إياهم بأنهم كانوا يعيشون مكتفين ذاتياً في العهد الاشتراكي. وفي الحقيقة فإن هذا النوع من الأطروحات وإن أثار شجوناً إلا أنه لم ينطل تماماً على الناس خاصة أن هذا التيار السياسي لم ينجح في التمدد أفقياً على امتداد الشارع في المحافظات الجنوبية. فهذه المحافظات مازالت تتذكر معاناتها السياسية والاجتماعية والأمنية في ظل التشطير، كما أن ما شهدته من طفرة تنموية عقب حرب 94م في مختلف الاتجاهات أعطى نظام الرئيس علي عبدالله صالح الكثير من المصداقية، إذ إن أكثر من 58% من موارد التنمية عقب الحرب توجهت إلى المحافظات الجنوبية التي كانت تعيش أوضاعاً بائسة للغاية بسبب طبيعة النظام اليساري الذي حكمها حوالي ربع قرن حيث كانت معظم موارده مخصصة للسلاح ولتوفير المواد الغذائية للمواطنين على الطريقة الاشتراكية المعروفة، بينما لا توجد مخصصات حقيقية للتنمية سوى ما كانت تقدمه دول المنظومة الاشتراكية من مساعدات محدودة.
ووجد هذا التيار السياسي أنصاراً له من بعض اليمنيين المقيمين في الخارج ليبدو المشهد على قلة عدد الممثلين فيه وكأنه تيار كبير مؤثر، ورغم مراهنة هذا التيار على دعم من بعض الدول الغربية والخليجية إلا أن دول الغرب ودول الخليج على السواء تعتقد أن وحدة اليمن هي ضرورة استراتيجية وسياسية لاستقرار المنطقة، وتدرك يقيناً أن تشجيع أي تيار انفصالي أو تمزيقي في اليمن سيقود إلى صراع لا ينتهي في هذا البلد وسيؤدي إلى تمزيقه لعدة أجزاء وليس إلى شطرين كما كان عليه الحال قبل عام 1990م. ولذلك فإن دول الخليج ومعها الدول الرئيسية في الغرب زادت من دعمها الاقتصادي لليمن بصور وأشكال مختلفة في مقدمتها دفع الاستثمارات الخليجية إليه بكثافة غير مسبوقة، ناهيك عن تعاطف واضح مع اليمن في مواجهته للإرهاب بشقيه القاعدي والحوثي، ولا شك في أن هذا الموقف السياسي الخليجي والغربي قد أحبط تيار التجزئة الذي لم يعد لديه ما يراهن عليه سوى أخطاء قد يرتكبها النظام في اليمن يمكن الاستفادة منها في إنعاش حركته.
ومن المهم الإشارة إلى خطوتين إيجابيتين اتخذهما الحكم في اليمن مؤخراً ستسهمان بالتأكيد في امتصاص قدر غير قليل من الاحتقان السياسي الذي كان قائماً في المحافظات الجنوبية، الأولى كانت انتخاب محافظي المحافظين في خطوة هي الأولى من نوعها على مستوى المنطقة العربية، وفي الحقيقة فقد شكلت هذه الخطوة على ما شابها من بعض القصور حالة من الارتياح في المحافظات الجنوبية تحديداً باعتبار أن كل محافظة انتخبت أحد أبنائها ليدير شؤونها وهو الأمر الذي كان يراهن تيار التجزئة على أن الحكم لا يمكن أن يقدم عليه. أما الخطوة الثانية فقد كانت زيادة حصة المحافظات الجنوبية في الحكومة من خلال التعديل الذي أجراه الرئيس صالح على حكومة الدكتور علي مجور وهو جنوبي بالمناسبة الأمر الذي ترك ارتياحاً كبيراً في تلك المحافظات. ويبقى الوضع الاقتصادي هو التحدي الأكبر من خلال تحسين الأوضاع المعيشية للناس وتوفير المزيد من فرص العمل وهو أمر مرهون بتحسين أجواء الاستثمار وسرعة حل مشكلات الأراضي المعقدة والجدية في خطوات تحجيم الفساد وتجفيف منابعه، ورغم أن الحكومة اليمنية شرعت في مواجهة تلك التحديات إلا أن طبيعة التحديات السياسية ومراهنات المعارضة تفرض عليها الإسراع في خطواتها وتفعيل إجراءاتها لتفويت الفرصة على من يراهنون على تجزئة البلاد!
*الخليج الاماراتية
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: طبول حرب أمريكية بكلفة خليجية
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
كلمة  26 سبتمبر
وحدة الشعب
كلمة 26 سبتمبر
مقالات
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةالمنطق الأجوف!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
استاذ/وليد عبدالله المعافاالفرصة الضائعة !!! في انتخاب المحافظين
استاذ/وليد عبدالله المعافا
كاتب صحفي/عبدالله الصعفانيحالات احتباس.. مواقف التباس..!!
كاتب صحفي/عبدالله الصعفاني
مشاهدة المزيد