الأحد 25-08-2019 18:32:29 م
الأردن من دون عقد ...
بقلم/ كاتب/خير الله خيرالله
نشر منذ: 11 سنة و 8 أشهر و 25 يوماً
الخميس 29 نوفمبر-تشرين الثاني 2007 08:02 ص
لم تكن الانتخابات التي شهدتها الأردن قبل أيام حدثاً عابراً بمقدار ما هي تعبير عن تجربة مختلفة، في المحيط العربي، مبنية على الاستمرارية القائمة منذ تأسيس المملكة.. انها استمرارية في ظل دولة المؤسسات التي بناها الملك الحسين وحافظ عليها وطورها الملك عبدالله الثاني.. استطاع الملك عبدالله الثاني القول من خلال الانتخابات لكل من يعنيه الأمر أن المملكة دولة مؤسسات، قبل أي شيء آخر،
وأن المملكة ليست بحاجة الى قمع الاسلاميين لارسال رسالة فحواها أن البديل من النظام هو التطرف الاسلامي وأن بقاء الدولة مرتبط الى حد كبير بالسماح لها بقمع الاسلاميين.. في الأردن، لا حاجة الى قمع الاسلاميين بل هناك أصرار على استيعابهم.. كل ما في الأمر أن الاسلاميين في المملكة أخذوا حجمهم الطبيعي ولا حاجة الى مزايدات من هنا أو هناك ولا حاجة الى المتاجرة بهم كما يحصل في بلدان أخرى.. وبكلام أوضح، لا حاجة للنظام الى اللجوء الى التهديد بأن البديل منه هو نظام أسلامي متطرف كي يكون العالم مدافعا عن النظام.. لا حاجة الى مثل هذا النوع من الاستعطاف الدولي ما دام النظام يستمد شرعيته من مكان آخر هو الشعب بذاته الذي أقبل على صناديق الاقتراع بكثافة، ففاز من فاز وسقط من سقط، من دون أن يعني ذلك أن التجربة الأنتخابية في الأردن مثالية وأنه لا وجود لثغرات لا بد من سدها عاجلا أم آجلا.. على العكس من ذلك هي تجربة في قيد التطوير لايزيد عمرها على عشرين عاما، علما بأن البدايات كانت في الخمسينات من القرن الماضي، لكن الظروف الأقليمية لم تساعد وقتئذ في انضاج التجربة التي كان الحسين متعلقا بها الى حدّ كبير.
في المملكة الأردنية الهاشمية، ليس في أستطاعة الاسلاميين وغير الاسلاميين المزايدة على أحد في حال كان هناك من يتحدث باسم الاسلام، فمن يحق له أن يفعل ذلك هو سليل الهاشميين عبدالله الثاني الذي لا يستطيع أحد اعطاءه دروسا في الدين الحنيف وكيفية المحافظة عليه.. انه أبن ابيه.. أبن الحسين الذي قال في أحد خطبه أن هناك كثيرين يتحدثون عن العودة الى الأسلام في حين أن علينا "التقدّم بالاسلام" الذي هو في واقع الحال دين متطور وعصري ودين التسامح.. المهم أن لا عقد في الأردن.. هذه كانت رسالة الأنتخابات وهي رسالة أثبتت أن ليس في استطاعة الاسلاميين الى أي أتجاه انتموا أعطاء دروساً في الاسلام وفي كيفية تطبيق الأسلام.
يمكن أعطاء تفسيرات مختلفة للأسباب التي جعلت الاسلاميين يتراجعون في الأردن ويحصلون على عدد من المقاعد أقل من تلك التي حصلوا عليها في الأنتخابات السابقة.. من بين الأسباب الانقسامات الداخلية التي تعاني منها الحركة الاسلامية والخطاب السياسي الذي لا علاقة له سوى بشعارات لا تنطبق على الواقع لا من قريب ولا من بعيد، وتبين مع مرور الوقت أن الشعارات الطنانة لا تطعم خبزا ولا تصنع سياسة ولا تحقق أنتصارات على العدو الأسرائيلي.
ولكن يبقى ما هو أهم من ذلك كله، وهو أن الانتخابات الاردنية تندرج في سياق الأجندة الأردنية أولاً.. أنها تعبير عن استيعاب الأردنيين لمعنى شعار الأردن أولاً. وفي حال كان مطلوبا الذهاب ألى أبعد من ذلك، يمكن ألاشارة الى أن عودة الحياة النيابية الى المملكة جاءت عام 1989 من القرن الماضي.. قرر الملك الحسين، رحمه الله، أن تكون هناك انتخابات نيابية في الأردن في وقت كان العالم فيه يتغيّر. استشف العاهل الأردني الراحل وقتذاك معنى التغيرات وعمقها وكان أول ما فعله العمل من أجل المحافظة على الأردن وحمايتها بوسائل مختلفة.. وليس صدفة أن الانتخابات جرت بعد نحو خمسة عشر شهرا من قرار فك الارتباط بالضفة الغربية.. اتخذ القرار في تموز– يوليو من عام 1988 وكان اشارة واضحة كل الوضوح الى أن المملكة الأردنية الهاشمية لا تمتلك أي أطماع في الضفة الغربية.. والحقيقة أن قرار فك الارتباط كان بمثابة حجر الزاوية لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة التي لا يزال الفلسطينيون يحلمون بها، وهو قرار لم تحسن قيادة منظمة التحرير توظيفه بما يخدم قيام الدولة لأسباب تحتاج الى أكثر من مقال وتوضيح.
 كان موعد الانتخابات الأولى التي تقتصر على الضفة الشرقية، أي على الأردن بحدوده الراهنة، في الثامن من تشرين الثاني- نوفمبر 1989 أي قبل أربع وعشرين ساعة من سقوط جدار برلين.. كان سقوط الجدار الحدث التاريخي الأبرز في السنوات العشرين الأخيرة من القرن العشرين، وكان مؤشراً الى أنهيار الأتحاد السوفياتي.. وحده الملك الحسين، استطاع التقاط ما يدور في العالم من تحولات وعمل على التأقلم معها وتوظيفها في خدمة الأردن والشعب الأردني بكل فئاته.. أراد تعويد الأردنيين وتعريفهم على العالم الجديد، عالم ما بعد انتهاء الحرب الباردة.. شاء ذلك عن طريق الانتخابات والتوجه ألى صناديق الاقتراع واقامة حياة سياسية مبنية على التعددية الحزبية كما في أي بلد متحضر في العالم.
لم تكن الأنتخابات الاردنية الأخيرة سوى حلقة في سلسلة مترابطة تصب في قيام دولة المؤسسات.. في النهاية نجحت المؤسسات في تأمين الانتقال السلس للسلطة.. عندما غيّب الموت الملك الحسين في عام 1999. حصلت عملية الانتقال على نحو أكثر من طبيعي.. ان دولة المؤسسات تعني وجود مشروع سياسي واقتصادي في الأردن وهي تعني قبل أي شيء آخر أن النظام يحمي نفسه بنفسه عن طريق الشرعية التي أكتسبها عبر الشعب وليس عبر أي نوع من الانقلابات كما في أنحاء أخرى من العالم العربي، ولذلك لا حاجة الى من يزايد على الآخر في أي حقل من الحقول أو مجال من المجالات.. من لم تعجبه نتائج الانتخابات الأخيرة عليه أن يجتهد لتحسين وضعه في الانتخابات المقبلة.. تلك هي العملية الديمقراطية التي بدأ الأردنيون التعود عليها.. انها عملية يحتاج ترسيخها الى وقت طويل.. من يتذكر أن الاقبال على صناديق الاقتراع في الانتخابات الأولى كان ضعيفا وأن الملك الحسين وقف في المؤتمر الصحافي الذي علق فيه على نتائج الانتخابات عام 1989 وقال: من لم يصوت، ذنبه على جنبه؟.. بعد ثمانية عشر عاما على هذا القول، لم تعد هناك مشكلة اقبال على صناديق الاقتراع في الأردن.. ما حصل قبل أيام كان خطوة أخرى في رحلة طويلة تستهدف تكريساً لمبدأ الانتخابات على طريق خلق حياة سياسية سليمة في الأردن الحديث.
سوء استخدام الانترنت المعارضة والهجوم الشرس
عبده سلام الطاهري
مشاهدة المزيد
عاجل :
السيد حسن نصر الله : المستجد الإسرائيلي الذي وقع الليلة الماضية في الملفين اللبناني والسوري خطير جدا جدا