الجمعة 28-02-2020 09:12:29 ص
نافذة على الاحداث: الشعوب العربية لم تعد رقماً مفقوداً
بقلم/ كاتب/احمد ناصر الشريف
نشر منذ: شهر و 29 يوماً
الإثنين 30 ديسمبر-كانون الأول 2019 09:04 م

والعالم يدشن يوم غد الأربعاء الموافق 1 يناير 2020 م بداية العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين نعتقد جازمين بأن الوقت قد اصبح مناسباً أكثر من أي وقت مضى بالنسبة للأحزاب والجماعات الاسلامية التي تمارس السياسة تحت شعارات دينية في العالمين العربي والاسلامي للتخلي عن هذه الشعارات ودغدغة عواطف العامة من خلالها بهدف اكتساب شعبيتها وذلك بعد ان تم الاعتراف بها من قبل الأنظمة والحكومات كقوى سياسية فاعلة على الساحات الوطنية ووصول العديد منها الى الحكم بإرادة شعبية بفضل التغيير الذي احدثه الشباب عام 2011 م في الوطن العربي واعادوا الإعتبار لهذه القوى بعد ان ظلت محاربة عشرات السنين ولايسمح لها بممارسة العمل السياسي منذ تأسيس جماعة الاخوان المسلمين في مصر على يد الشيخ حسن البنا عام 1928م بمباركة بريطانية .. وكان لجوء هذه الجماعات حينها الى رفع الشعارات الدينية له مايبرره كون العالم العربي والاسلامي مستعمراً من قبل دول اجنبية كانت تعمل على هدم الدين ومحاربة تعاليمه السمحاء.
صحيح انه بعد خروج الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والأسباني بفضل مقاومة الشعوب والتصدي له في مختلف الدول العربية والاسلامية التي كان متواجداً فيها - ودفعت الشعوب ثمناً غالياً مقابل ذلك حيث ضحت بالملايين من ابنائها بدليل ان ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي قدمت أكثر من مليون شهيد لتحرير الشعب الجزائري - وصلت الى الحكم قوى وطنية وقومية بالإيدولوجيات السياسية الخاصة بها فكانت هذه الأحزاب والجماعات الاسلامية تعتبرها قوى علمانية وملحدة فدخلت في صراع معها وتعرض الكثير من قياداتها للسجن والاغتيالات وبعضهم حكم عليهم بالاعدام كما حصل في مصر مع جماعة الاخوان المسلمين وفي دول عربية واسلامية اخرى وهو الأمر الذي جعلها تتمسك بشعاراتها الدينية منطلقة من رؤيتها ان الذين يحكمون لافرق بينهم وبين الاستعمار من حيث محاربتهم للدين وهذه نظرة بولغ فيها كثيراً واستغلت استغلالاً غير لائقاً اساءت للأنظمة والحكام وللشعوب وأظهرتهم وكأنهم غير مسلمين وان هذه الأحزاب والجماعات الاسلامية قد جاءت لتعيد اليهم دينهم من جديد وتطلب منهم التوبة.
وقد استغل بعض الحكام هذه الظاهرة وشجعوا على انتشارها من خلال استقطاب علماء أطلق عليهم علماء السلطة وكان لهم تواصلهم مع هذه الجماعات ودعمها من اجل تعميق الخلافات بين ابناء المجتمع الواحد بالاضافة الى اثارة النعرات المذهبية والطائفية بهدف اشغال الشعوب بها حتى تأمن الأنظمة والحكام مقاومتهم للظلم .
ومن المفارقات العجيبة والغريبة ان هذه الاحزاب والجماعات الدينية التي ترفع شعاراً واحداً يتمثل : في الاسلام هو الحل .. تختلف فيما بينها وكل منها يفسر تعاليم الدين الاسلامي الحنيف بالطريقة التي تخدم توجهها بل وصل الأمر في حالات كثيرة الى درجة ان كل جماعة تكفر الأخرى لمجرد اختلافها في الرأي وكأنه لايوجد مسلم في هذا العالم المترامي الاطراف الا هذه الجماعة نفسها التي اختصرت الدين وتعاليمه في الشكل والمظهر وتناست الأساس والجوهر .
ولذلك فقد ظل الخلاف محتدماً بينها من جهة وبين الأنظمة والحكام من جهة ثانية الى ان جاءت احداث العام 2011م التي فجرها من تونس الشاب المظلوم محمد البوعزيزي وامتدت شرارتها الى مختلف الدول العربية لتلهب الشعوب فقامت بثورات ضد الحكام المستبدين واستطاع الشباب الذين تزعموا هذه الثورات وكان الفضل لتضحياتهم في نجاحها ان يسقطوا اربعة حكاما مع انظمتهم في عام واحد وان يجبروا حكام آخرين على اتخاذ خطوات اصلاحية كانت تعتبر بالنسبة لهم قبل قيام ثورة الشباب من المحرمات كما اجبروا حكاما آخرين على التنحي وزج ببعضهم في السجون .. وقد وجدت الاحزاب والجماعات الاسلامية في هذه الأحداث فرصتها التي لاتعوض فتفاعلت معها وفكت من خلال مشاركة اتباعها فيها الحصار عن نفسها وركزت بشعاراتها الواعدة على أهمية الاصلاحات وخدمة الدين ودغدغة عواطف الجماهير وكسبت بذلك الجولة الأولى حيث كانت الشعوب اكثر تعاطفاً معها فاوصلتها الى سدة الحكم وكان المؤمل عليها بأنها ستحدث ثورة في حد ذاتها بمجرد تسلمها الحكم وتدرك تماماً انها اصبحت تتعامل مع شعب بأكمله يوجد فيه كل الوان الطيف من ديانات ومذاهب مختلفة واتجاهات سياسية متنوعة قد تختلف معها في الفكر والعقيدة وستنجح فيما فشل فيه من حكم قبلها من قوميين وليبراليين وعسكر .. لكن مع الأسف فقد خيبت هذه القوى آمال الشعوب كما حدث في مصر لأن نظرتها لم تتغير ولم تشعر بأنها اصبحت مسؤولة عن ولاية عامة تتطلب منها التعامل مع الجميع والوقوف من كل فئات الشعب بمسافة واحدة وخدمة قضاياه الوطنية وتحقيق ماكان يتطلع اليه من استقرار معيشي وأمني وهذا ما لم يتحقق ربما لحداثة خبرتها في الحكم واعتمادها على عناصرها التي لاتفقه سوى التعامل مع لون واحد من الناس هم اتباعها ممن تعودت منهم السمع والطاعة وكأنهم مبرمجون على توجه معين ويحركون بالريموت كنترول .
وما حدث بعد ذلك من تذمرات في مصر العربية وفي تونس وفي ليبيا وحتى في اليمن التي لم تتحقق فيها اهداف ثورتها كاملة دليل على ضيق الشعوب وقواها السياسية المختلفة من تصرفات الأحزاب والجماعات الاسلامية كونها مازالت تستخدم اسلوب المعارضة من طرف واحد كنهج للحكم فاختصرت الشعب بأكمله في اتباعها وانصارها ولذلك أختفت من المسرح السياسي في غمضة عين وكأن وصولها الى الحكم كان بمثابة حلم أستيقظت لتراه أمامها سرابا فكانت صدمتها كبيرة .. وهو مايذكرنا بذلك الإسلوب الذي كان يتبعه الحكام المطاح بهم شعبيا الذين كانوا يختصرون الشعوب والأوطان في اشخاصهم فوجبت الثورات ضدهم وخلعهم الى غير رجعة بعد تحويلهم الجمهوريات العربية الى جمهوريات وراثية وعائلية .. ولانستبعد ان تكرر الشعوب العربية ممثلة في شبابها هذا المشهد اذا ما وجدت ان الحكام الجدد لم يحسنوا التعامل مع قضايا الشعوب والأوطان وانهم ماجاءوا الى الحكم الا ليصنعوا ديكتاتوريات جديدة ولكن بإسلوب آخر حيث استخدموا تحركات الشباب سلماً للصعود عليه وعندما وصلوا الى كرسي الحكم نسوا تماماً في غمرة سعادتهم بهذه النتيجة انهم مراقبون شعبياً وان الشعوب قد اصبحت قادرة على اسقاطهم كما اسقطت من حكموا قبلهم كون القرار انتقل اليها وجعل منها المرجعية الشعبية للحكم .