الأحد 15-12-2019 11:26:08 ص
حروف تبحث عن نقاط:من قادحة الماء إلى القادة والمسؤولين
بقلم/ استاذ/عباس الديلمي
نشر منذ: شهر و 9 أيام
الثلاثاء 05 نوفمبر-تشرين الثاني 2019 09:39 م

ما دفعني لكتابة هذه الاسطر هي واقعة لم تبتلعها بئر الماء التي حدثت فيها بل دفعت بها إلى السماء لينشغل بها الكثير من الفلاسفة والمفكرين حتى عصرنا هذا ومن روى هذه الواقعة هو الفيلسوف اليوناني افلاطون العظيم حيث قال: “كان طاليس- أول فلاسفة اليونان- يمشي ذات يوم مشدود البصر إلى النجوم فتعثر فوقع في بئر, فرأته فتاة.. فضحكت منه وقالت ساخرة: إنك لحرصك على معرفة ما يدور في السماء لا تدري ماذا يجري عند قدميك”.
انتهت رواية افلاطون عن طاليس والفتاة أو قادحة الماء التي سخرت منه وجعلت من ذلك محط سخرية من الفلاسفة كونهم يهتمون بالغيبيات وما هو بعيد ويجهلون شؤون ديناهم بما فيها الاشياء الصغيرة كأن ينظر إلى الطريق التي يسلكها.
ولكن أفلاطون إنبرى للدفاع عن نفسه وعن زملائه ومما قاله لمن يسخر من الفلاسفة إن عدم اهتمام الفيلسوف بما يدور حوله يعود لاهتمامه بما هو كبير بما ينظم ويسير شؤون الناس, بما ينبغي ان تكون عليه علاقة الإنسان بالإنسان ومن حوله وهذا أيضا مما يدل على أن الفيلسوف حر أو مالك لحريته لا تعنيه الشؤون الصغيرة في حياة الناس ولا يهتم بمن يتحكمون في تلك الأمور من ملوك وأمراء واثرياء.. ولهذا فقد تنزه عن مجاملتهم والتقرب منهم.
إنه موضوع فلسفي يطول الحديث عنه, ولهذا نجد من أعجب به واسقطه على كل من يتفرغ لشيء كبير وعظيم كالشعراء والعلماء في مجالات مختلفة وهذا ما جعلني اسأل نفسي بالقول: لماذا لا نضيف إليهم من يتصدرون المشهد من قادة وسياسيين تقدموا ليحملوا على كواهلهم شؤون البلد والناس في مختلف المجالات (من الأمن إلى السيادة الوطنية).
لماذا لا نرى إليهم كذلك ونعذرهم عندما غابوا وابتعدوا عن شؤون الممارسات اليومية للناس ومعيشتهم ونقول أنهم منشغلون بما هو كبير وعظيم.. وهذا التفسير هو ما جعلني اتجنب إحراج الإجابات المفصلة على اسئلة طرحها علي أحد الأخوان حول بعض القيادات والزعامات المتصدرة للمشهد وهو يلح في معرفة لماذا لا يقوم فلان بالعمل الفلاني ويوجه بصرامة في الموضوع الفلاني كونها من الأمور الملاصقة لمعيشة الناس وشؤونهم اليومية, إذا قلت له هناك ما هو أكبر من ذلك يشغلهم عن مثل هذه الأمور التي تبدو لهم صغيرة..
وهناك مناسبة أخرى جعلتني أفكر في إضافة من يتصدرون المشهد من قادة وساسة ومسؤولين كبار إلى قائمة المنشغلين بما هو كبير والمنصرفين عما هو صغير في أعينهم فقد كنت مع أحد الأصدقاء على سيارته التي يقودها بنفسه بعد أن كان له سائق ومرافق وفي أحد الشوارع حدث ما لم يعد عجباً فقد كان هناك أكثر من سيارة مخالفة (على الخط المعاكس) ومثلها واقفة بطريقة مستفزة وشرطي المرور يتعامل مع الأمر كمن لا حول له ولا مكانة.. فحدث الاختناق المروري الذي جعل كل سائق يبحث عن مخرج وان بطريقة ما حينها سمعنا صوت عجلة سيارة مخالفة تقع في حفرة دائرية لم ينتبه لها سائقها المتعجرف.. وحين لفتنا إلى تلكم السيارة رأينا عليه مسؤولا من اصحاب القرار- كما يقال- فقال لي صاحبي الحمد لله ما دام هذا المسؤول قد شاهد ما يحدث من فوضى مرورية وان عجلة سيارته قد وقعت في هذه الحفرة ثم سأله ترى هل سيعمل من أجل اصلاح هذا الاختلال؟ قلت لا أعتقد قال: لماذا؟ قلت لانه مشغول بما هو أكبر من هذه الأمور التي تبدو له صغيرة.. فصمت صاحبي وشاركته الصمت وأنا أتذكر حكاية الفتاة قادحة الماء وهي تقول للفيلسوف طاليس: ان اهتمامك بما يدور في السماء جعلك لا ترى ما يجري عند قدمك وكيف برر افلاطون لنفسه ولزملائه هذا الابتعاد عما يرونه صغيراً وكيف ان التأمل يجعلنا أحيانا نتدرج بما هو صغير إلى ما هو كبير من فتاة تقدح الماء إلى القادة والساسة والمسؤولين الكبار.
إنها مجرد خاطرة تجرنا إلى القول بغرض النكتة لو كان طاليس نظر إلى وجه هذه الفتاة ولم ينظر إلى السماء لما وقع في البئر ولدار بينهما حديث كذلك الذي دار بين من صادف عند بئر اسناف في ريف سنحان وبين فتاة تقدح الماء فقال لها:
يا قادحة عند بير أسناف
من كوزش البارد اسقيني
فردت عليه بالقول:
والله لوما إخوتي سبعة
لاحط واسقيك من عيني
فرد عليها بقوله:
ياسين علي عينش الكحلا
الحبل والدلو يرويني

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: سيسيٌّ تاجر بالبحر والبر
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: موجة اغتيالات لتبييض صفحة الإمارات
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الاحداث:شراكة بطعم المحاصصة..!
كاتب/ احمد ناصر الشريف
مقالات
د. إبراهيم سنجابثورة البركان النائم (2)
د. إبراهيم سنجاب
مشاهدة المزيد