الثلاثاء 19-11-2019 12:55:17 م
بوح اليراع: يهوديٌّ بـ(زنَّار) يستثمرُ صكَّ النار
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 3 أسابيع و 6 أيام و 14 ساعة
الثلاثاء 22 أكتوبر-تشرين الأول 2019 10:35 م

من المُسَلَّمَاتِ التي لا يختلف عليها اثنان مُسلَّمَةُ تربُّعُ اليهود على عرش المادية على مرِّ الزمان، وحسبنا على ذلك تَدْلِيْلاً كثرة الآيات الكريمة التي تشير إلى أن أحبارهم كانوا (يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيْلاً) آل عمران من الآية: (199)، بعكس مُتديِّني النصارى الذين وصفهم القرآن بـ(الرهبانية) التي تعني -في أدق معانيها- (الروحانية)، لكن هذا الوصف الذي كان ينطبق على الرهبان المنقطعين للعبادة في الصوامع لم ينطبق على من أتوا بعدهم بشكلٍ قاطع، فجُلُّ رهبان وقساوسة النصارى -منذ عصور تأليف الأناجيل المحرفة وما تلاها من عصور زمنية قد صاروا -بماديتهم- لغايات دنيوية أقرب ما يكونون إلى اليهود منهم إلى النصرانية، وما بقاؤهم تحت مظلة تلك الديانة المُحرَّفة إلاَّ ليتخذوا مما طالها من تحريفات وتصحيفات نكراء وسيلة غير مشروعة للإثراء.
لكن محاولتهم مجاراة اليهود في ماديتهم وتسخير قدراتهم وطاقاتهم الاحتيالية لتَكْوِيْنِ ثروات مالية ظلت قاصرةً عن اللحاق بهم بالنخب الدينية اليهودية، ويمكن اعتبارهم -في أقصى توصيف أو تصنيف لهم- (يهودًا بُدَلاء)، ومهما يكن من ماديتهم فلن يحوزوا -بسبب قصور لؤمهم عن لؤم اليهود النادر الوجود- مرتبة (اليهود الأُصَلاء)، وسيتضح الفرق بين تينك المرتبتين -بعد قراءة الحكاية التالية- بكل جلاء:
لقد ابتدعت الكنيسة البابوية في روما عام 1215م -من منطلق زعمها أن البابا ممثل الله في الأرض- بدعة بيع صكوك الغفران لكل من يريد الإعفاء الكامل أو الجزئي من عذاب النار مقابل مبالغ مالية مختلفة باختلاف الذنوب المقترفة.
وبالفعل انطلت الحيلة على عامة المسيحيين، بينما عُذِّبَ وأُحْرِقَ القساوسة المصلحين والمعارضين بتهمة العصيان، والارتداد عن الدين.
بل لقد دفع البابا وكبار القساوسة من حوله جشعهم -في المرحلة التي سبقت الثورة البروتستانتية- إلى إغراء الرعاع من الأحياء بشراء صكوكًا لذوي قرباهم من الموتى زاعمين أن تلك الصكوك كفيلة بغفران ذنوبهم الدنيوية، فتتبدل حياتهم الأخروية بانتقالهم من النار إلى الجنة، فقوبل ذلك الإغراء بالقبول والرضاء.
هذه التجارة الرابحة -كما يروى- أوحت لتاجر يهودي بفكرة جهنمية دفعته إلى مقابلة بابا روما، طالبًا منه شراء (النار) بأكملها، فتعجب البابا من أمر هذا الغبي، واعتبرها هو وقساوسته فرصة لا تُعوَّض لتكديس مزيد من الأموال ببيعهم بضاعة كاسدة يَبْتاعُ العامَّة وَهْمَ النجاةِ منها بمُعظم دخلهم السنوي، فتم تحرير صكِّ بيعٍ بـ(النار) لليهودي الذي تعامل مع الواقع الكنسي الاستغلالي بأسلوب متناقض مقابل ثمن باهظ.
فأخذ اليهودي صكَّ النار، وانطلق -من فوره- معلِنًا لعامة النصارى في جميع أنحاء قارة أوروبا أنه قد اشترى من البابا النار كاملة، مُوْعِزًا إليهم -بهدف صرفهم عن شراء صكوك الغفران- بعدم الخوف منها؛ لأنه لن يسمح لأحد بدخولها، فتوقَّف الناس عن شراء الصكوك؛ لأن النار التي كانت مصدر خوفهم قد صارت -بعد صفقة اليهودي- ممنوعة عليهم، فتعرضت الكنيسة -لأكثر من موسم- لخسائر كبيرة بسبب ذلك اليهودي الذي اعتقد باباها وقساوسته أنه مُتَخَلِّفٌ غبي، حينها اضطر البابا إلى بذل الكثير من المساعي لاستعادة صكَّ النار من اليهودي الذي توسَّم فيه الغباء والتخلف بثمنٍ مُتَضَاعِف.
فمضمون الحكاية -كما رأينا- يؤكد تواضُع مستوى مكر ودهاء رجال الدين النصارى الذين جعل منهم شغفُهم بالمال (يهودًا بُدلاء) عن مستوى مكر ودهاء (اليهود الأصلاء)، ولكم -أعزائي القراء- أن تدركوا ذلك وتلحظوه من عدة وجوه، أهمها:
1- انخداع الرأي المتعدد بالرأي المنفرد: إذ كيف انخدعت الهيئة الكنسية ذات الآراء المتعددة أمام حالة يهودية فردية دون أن تفطن إلى مغزى الشراء مع علمها المسبق أن اليهود لم يخسروا -طول المدى- صفقة تجارية أبدا؟
2- تصديقهم -تحت تأثير شهوة المال- الأمر المحال: فبالرغم من تأكد رجال الكنيسة أنهم يخدعون رعاع وعامة النصارى ويبيعون لهم الوهم، فقد تمكَّن اليهودي –بدهائه- من إيقاعهم في شرك الاقتناع بغبائه المفتعل بطريقة بديعة، وهنا مكمن الخديعة.
3- براعة اليهودي في تحويل السلبي إلى إيجابي: ففي الوقت الذي كان عامة النصارى يستجدون من أرباب الكنيسة النجاة من النار بكل ما يمتلكونه من الدرهم والدينار، استطاع اليهودي -ببعد نظره- نسف ما كان يُساورهم حيالها من تخوُّف متسبِّبًا لتجارة صكوك الغفران بالكساد والتوقُّف، ومضطرًّا رجال الكنيسة إلى منحه جزءًا من المال الذين اجتهدوا -لزمن طيل- في اكتنازه وتكديسه.
وهذا يجعلنا نتساءل الآن عمَّا يكون قد رتبه اليهود بدهائهم المعهود منذ زمان لما من شأنهم إكسابهم الرهان في ما يسمى(صفقة القرن) التي تُشَرْعِنُ لسيطرتهم -تحت ضغوط الأمريكان- على ما تبقى من فلسطين، ومرتفعات الجولان، بالإضافة إلى عشرات المليارات من الدولارات مقدمة من أجلاف الخليج على سبيل القُربان.