الجمعة 13-12-2019 06:24:35 ص
حروف تبحث عن نقاط:من قابوس إلى البردوني
بقلم/ استاذ/عباس الديلمي
نشر منذ: 4 أشهر و 6 أيام
الثلاثاء 06 أغسطس-آب 2019 11:37 م

“ مخدمون ولم تخدم أوائلهم
مخولون وكانوا أرذل الخول”
هكذا وصف الأمير قابوس الزياري من رآهم يجلسون على عرش امارته التي انتزعت منه, لقد صار لهم خدم وحشم وهم من لم يخدم آباءهم بل كانوا خدما لغيرهم كما اصبحوا مخولين في شؤون العباد والبلاد, وهم من كانوا ارذل الخول – أي الخدم في القصور- ولكنه غدر يد الزمان وتقلبه أما لماذا انتزعت منه امارته على جرجان وطبرستان.. فيعود السبب إلى وفائه الذي ضاعف منه اعجابي به, وخلاصة الأمر أنه بعد أن انقلب على فخر الدولة البويهي شقيقاه وأبعداه عن ملك ابيه, لجأ إلى الأمير قابوس الذي أجاره ورفض مغريات تسليمه, وخاض الحروب من أجله إلى أن فقد ملكه وفر إلى نيسابور..
ولكنه استعاده بعد ثماني عشرة سنة من المعاناة والتشرد وجلس على مقعد امارته وقد استفاد الكثير من التجارب منها عدم سماعه لمن يظهرون عكس ما يبطنون وفتكه بالفاسدين والمفسدين ومن نسميهم في عصرنا بمراكز القوى والمتنفذين وإن كانوا من أقرب الناس إليه, فقد نفذ فيهم أحكاماً قاسية بما فيها الأعدام وأولهم حاجبه الخاص نديم لاختلاسه شيئاً من أموال الدولة فتمرد عليه اتباع أولئك الفاسدين والمفسدين, وهاجموه في قصره واودعوه السجن ونصبوا ابنه الخاضع لهم ولنفوذهم, وظل قابوس في سجنه متمسكاً بمبدئه إلى أن توفاه الله, ولم يجرؤ أحد على إنصافه حتى في ما يتعلق بشعره وبلاغته.. بل هناك من لامه على ذلك وجعل من اعدامه للمتنفذ الفاسد الحاجب نديم خطأ وجريمة لا تغتفر.
هكذا ظلم على وفائه وعلى محاربته للمفسدين والمتنفذين, كما ظلم بعدم انصافه كمبدع ورجل علم وثقافة.. لم ينصفه إلا القليل وبعد سنوات بل عقود على وفاته ومنهم عبدالرحمن بن علي اليزدادي, الذي جمع رسائله إلى علماء وأدباء وفلاسفة عصره في كتاب اسماه “كمال البلاغة” وللاختصار نكتفي بشي مما قاله اليزدادي عن قابوس شمس المعالي حيث قال: إذا ما كان بين فطاحل السجع والبلاغة في القرنين الرابع والخامس الهجري اعلام مثل بديع الزمان الهمذاني, وأبي بكر الخوارزمي والصاحب بن عباد وابن العميد وابي اسحاق والصابي وغيرهم فإن قابوس تفوق عليهم جميعاً.
من اللافت للنظر أن قابوس بعد ان استعاد ملكه لم يشهر سيف الانتقام والشك في الآخرين بل استقطب إلى بلاطه العلماء والادباء والفلاسفة والفلكيين حتى صار بلاطه, كما قال احد الباحثين المحدثين احد المراكز الأربعة لنشر الثقافة والعلوم في القرنين الرابع والخامس الهجري, أما الدكتور فكتور الكك استاذ الدراسات العليا في الجامعات اللبنانية.. فقد قال: هاني ان تتناسا برامج تدريس الأدب العربي في الجامعات شخصيات أمثال قابوس وابوحيان التوحيدي والصاحب بن عباد مع أنهم يفوقون من تدرس آثارهم ولا يقلون عن الجاحظ وابن المقفع وبديع الزمان..
نكتفي ونقول: ليس قابوس وحده من ظلم بسبب التقلبات السياسية أو التشدد الديني أو التعصب المذهبي أو الغيرة والحسد والنفاق.. فهناك الكثير من اعلام الثقافة العربية الذين ظلموا – قديماً ولا حقاً- عن عمد أو عن جهل والذين لو حصرناهم لكانت أمامنا قائمة طويلة تبتدئ بابن الرومي وأبي نواس, وتنتهي بعبد الله البردوني وغيره وغيره..
كثرهم الذين ظلموا – لاسباب ذكرناها تبتدئ بالسياسة وتنتهي بالنفاق – وهذا الظلم لا ينحصر على العظماء من ادباء وعلماء ومفكرين ولكنه يشمل غيرهم من ساسة وزعماء وعسكريين, إلا أن العدل انصفهم وجعل حضورهم بين أهل العقول والمعرفة مقابل حجبهم عن العامة والدهماء والقاصرين عن البحث.