الإثنين 19-08-2019 12:15:44 م
بوح اليراع: أهميَّة القِدوَة في مجال الدعوَة
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: شهرين و 7 أيام
الثلاثاء 11 يونيو-حزيران 2019 09:46 م

من نافلة القول أن الغاية من تَنَزُّلِ الشرائع السماوية هي إصلاح حال البشريَّة في حياتها الدنيويَّة، ولما يضمن للمهتدين منها السعادة الأخرويَّة، وفي ذلك يكمُن التفسير المنطقي لما أوْلَتْهُ كافَّة الشرائع من عناية بالجوانب السلوكية والمعاملاتيَّة وجعلتها ذروةَ السمات الإنسانية، وليس أدلَّ على ذلك من قول العزيز الحكيم في وصف النبي الكريم -عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم-: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم الآية رقم: (4)، وَالخُلُقُ العَظِيمُ مُفْضٍ -بطبيعة الحال- إلى سلوك قويم يحمل صاحبه على المعاملة الحسنة التي تعكس حقيقة ما ينطوي عليه جوف صاحبها من قلبٍ سليم، وهما –السلوك والمعاملة- جوهر الدين الذي ارتضاه رب العالمين لعباده الصالحين.
ممَّا سبق نستخلص أمرًا هامًّا وهو أن الدعوة الناجحة ليست -كما يعتقد بعض السُّذَج- ذلك الخطاب المُعتمِد على الصخب والضجيج على سبيل الترويج، كما لو كان الدين سلعة تجارية تعتمِد -للفت الانتباه إليها وجذب الناس للإقبال عليها- على البراعة التسويقية، بل إن الدعوة الناجحة ترتبط بالسلوك الشخصي السوِّي وبالمعاملة الحسنة الودودة اللذين يُسطران للفرد منَّا سيرة محمودة، فمتى ما تمتَّع الشخص -طلية فترة إقامته في أوساط مجتمع لا يدين بدينه- بهاتين الخصلتين الحميدتين، واتخذ منهما دستور حياة كان -من خلال ممارساته الحياتية اليومية المتسمة بالمصداقية- داعية ناجحًا في ما يحسنه من معاملته، وكان بصدقه وأمانته سببًا قويًّا في جذب الناس إلى اعتناق ديانته.

نماذج دعوية عفوية
1- الأكوع والطفلة اليهودية نجاة النهاري: نجاة النهاري مهندسة يهودية من أصول يمنية ولدت في اليمن وعاشت طفولتها في صنعاء القديمة، وهي من أشد المناهضين للعنصرية الصهيونية، وقد حملها حنينها إلى مسقط رأسها ومرتع طفولتها على التحدث –بشغف- عن أنموج دعوي يمني عفوي قائلةً: (الأكوع علمني الصدقة، فأضحكته سذاجتي،وأبكاه رحيلي)، ثمَّ تعمِد إلى سرد بعض الوقائع المعاملاتيَّة الحسنة التي تتذكرها لذلك الرجل الذي لا أشك أنه قد انتقل -قبل عقود زمنية إلى جوار ربه- مؤكدة أنها -بسبب ما كانت تلمسه من حسن معاملته لها وإحسانه إليها وإشفاقه عليها- ما تزال تتذكره تذكرًا مفعمًا بكل معاني المحبة، وفي تلك المعاملة لتلك الطفلة غير المسلمة أنموذج دعوي مثَّل حالةً جديرةً بالاقتداء لما يمكن أن تسببه -إذا أذن الله- للضال من اهتداء.
فقد تركت تلك المعاملة الحسنة في نفسها أبلغ الأثر، لذلك ما تزال تستحضرها من وقت إلى آخر، ولولا ما يعكسه مسلمو اليوم عن الإسلام من قبيح الصور، لكانت بالإسلام أجدر، وما كان لمثلها أن تتأخر.
2- إبراهيم التركي وجاد الفرنسي: قبل خمسة عقود في مكان ما في فرنسا وقبل ما يقارب الخمسين عاماً، كان هناك مسلم تركي خمسيني اسمه إبراهيم يعمل في محل لبيع الأغذية، وكانت تسكن بالقرب منه عائلة يهودية وكان لها ابن عمره 7 أعوام اسمه (جاد) كان يشتري منه الاحتياجات المنزلية بصفة يوميَّة، وكان عند خروجه يستغفل العمَّ إبراهيم ويسرق قطعة شوكولاته، في أحد الأيام نسي «جاد» -عند خروجه- أن يسرق قطعة شوكولاتة، فناداه العمُّ إبراهيم وأخبره بأنه نسي أن يأخذ قطعة الشوكولاتة التي يأخذها يوميًّا.
أصيب «جاد» بالرعب، لأنه كان يظن أن العم إبراهيم لا يعلم بسرقته، وأخذ يناشده بأن يسامحه، وأخذ يعده بأن لا يسرق قطعة شوكولاته مرة أخرى.
فوعده العمُّ إبراهيم أن يكتم سرَّه إن هو وعده -من ناحيته- أن لا يسرق أي شيءٍ في حياته، ووعده العمُّ إبراهيم -وبنبرة مفعمة بالحميميَّة- أن يعطيه كل يوم عند خروجه قطعة الشوكولاتة مكافأةً على تحلِّيه بالصدق والأمانة».
فلمس جاد حسن معاملته وأنس لمصداقيته، فصار موضع ثقته إلى حد أنه الوحيد الذي كان يطلعه على أخصِّ مشكلاته.
وقبل أن يموت العمُّ إبراهيم لم يجد وسيلة للتعبير عمَّا يحبه لـ(جاد) من الخير سوى الإيصاء له بصندوق مغلف أهم محتوياته نسخة من المصحف.
فلمَّا مات إبراهيم حزنه (جاد) حزنًا شديدًا، ثمَّ لم يلبث -لفرط حبه وشدة تأثره به أن أعلن إسلامه، وأطلق على نفسة تسميَة (جاد القرآني)، ثمَّ عكف من فوره على تعلم العربية وقراءة القرآن ليصبح في فترةٍ قياسيَّة من أكبر الدعاة في القارة الأوروبية، فهدى الله به الآلاف.
3- (صفوان مسكين) و(أونوريه أوديلون): صفوان مسكين مهاجر مسلم من تونس كان يملك مخبزًا في باريس تزوج أم الطفل (أونوريه أوديلون) المسحيين بعد وفاة أبيه، فالتزم بإعالتهما أشد الالتزام، وتعامل معهما بكل ما تتطلبه الحياة الأسرية من الحب والاحترام، ولم يمارس أية ضغوط لإكراههما على اعتناق الإسلام، فأحبه الولد أكثر ممَّا كان يحب أباه.
وقد لفت نظر (أونوريه أوديلون) ما كان يولي زوج أمه مشروع إفطار الصائم عامًا بعد عام من اهتمام، فلما انتقل –يرحمه الله- إلى جوار ربه، حمله فرط حزنه عليه وما كان يوليه من عطفه وحبه على مواصلة ما كان يقوم به من دعم ذلك المشروع بكل غبطة وسرور، وكأنه بات قاب قوسين أو أدنى من الاهتداء إلى ما أنزل الله على خاتم النبيين من الهدى.

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
عدن الحزينة في أغسطس 2019 م (ما أشبه الليلة بالبارِحة)
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: بلوغ عدوانية التحالف مرحلة التكاشُف
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
أستاذ/ الفضل يحيى العليي
بوادر النصر
أستاذ/ الفضل يحيى العليي
مقالات
كلمة  26 سبتمبر رسائل قوة وسلام
كلمة 26 سبتمبر
الكاتب/وائل وليد الشرعبيبنو سعود .. مسمار جحا الغرب
الكاتب/وائل وليد الشرعبي
الكاتب/وائل وليد الشرعبيتنظر في خيبتهم وتنقذهم من الورطة..
الكاتب/وائل وليد الشرعبي
مشاهدة المزيد