الإثنين 21-10-2019 07:41:01 ص
بوح اليراع: أفضلية الحبيب المصطفى على سائر الأنبياء
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 4 أشهر و 23 يوماً
الثلاثاء 28 مايو 2019 11:46 م

بالرغم من أن كافَّة الأنبياء -بما ميَّزهم الله سبحانه من سمات خَلقية وخُلقيه- هم صفوة صفوات البشريَّة، فإن الله -جلَّ جلاله- قد اختصَّ بعضًا منهم بأفضليَّة نِسبيَّة فقال -سبحانه وتعالى-: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ) البقرة من الآية: (253)، والمقصود بلفظ (تِلْكَ) بصيغة التأنيث أيْ تلك المجموعة المُصطفاة من البشريَّة جمعاء بما يحمله اللفظ من دلالة على الاصطفاء، وقريب من هذا المعنى قوله -جلَّ وعلا-: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) الإسراء من الآية: (55).

أفضلية سيدنا محمد بنص القرآن الكريم
كما تبينَّا –من الآيتين السابقتين- ما جعل الله لبعض أنبيائه على بعضهم الآخر من أفضلية نسبية، فإنه -سبحانه- قد اختصَّ سيدنا محمد -عليه صلوات ربي وسلامه- بأفضلية مطلقة وعامَّة، ويكفيه تفضيلاً أن شرَّفه الله -جلَّ في عُلاه- بتبليغ خاتمة رسالات السماء بكل ما تتسم به من الكمال مصداقًا لقول ذي العزة والجلال: (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) المائدة من الآية: (٣)، وبما يحقق لها هيمنة على ما سبقها من الرسالات السماوية، وبما توافر لها من اشتمال مصداقًا لقول العزيز المُتعال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) المائدة من الآية: (48)، فضلاً عن أنَّهُ -بسبب ما حصل عبر رسالته من اكتمال وما طرأ على النعمة من إتمام- مسك ختام الأنبياء -عليهم السلام- مصداقًا لقول ذي الجلال والإكرام: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) الأحزاب من الآية: (40).
كما أن من أدل الأدلة على أفضليته ما اتسمت به رسالته -بعكس رسائل إخوانه الأنبياء التي حصرت في أقوامٍ وأممٍ بعينها- بالعموميَّة العالميَّة، ففي الوقت الذي يُخبر الله -تبارك وتعالى- عن سيدنا نوح قائلاً: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) هود الآية: (25)، يُخاطب -سبحانه وتعالى- سيدنا محمدًا الصادق الأمين قائلاً: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ) سبأ من الآية: (28)، وفي الوقت الذي يُخبر الله -تعالى- عن سيدنا نوح بقوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ) يونس من الآية: (71)، ومثل ذلك إخباره -جلَّ من سميع- عن سيدنا إبراهيم بقوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) الزخرف الآية: (26)، ومثل ذلك إخباره-جلَّ وعلا- عن سيدنا موسى بقوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) المائدة من الآية: (20)، ومثله قوله -تبارك وتعالى- مخبراً عن سيدنا عيسى بقوله: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)الصف من الآية: (6)، إلى غير ذلك ممَّا ورد في مواضع متفرقة من كتاب الله من الصيغ القرآنية التي تدل على أن رسائل الأنبياء -عليهم السلام- كانت محصورة في أقوام، يُخاطب ذو الجلال والإكرام حبيبه محمدًا -عليه أفضل الصلاة والسلام- بقوله: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) الفرقان الآية: (1).

أفضليته في السنة المطهرة
مع كثرة النصوص القرآنية التي أكدت أفضلية الحبيب المصطفى على إخوانه الأنبياء، فقد ندرت الأدلة في السنة النبوية التي تؤكد هذه الأفضلية نتيجة ما كان يتسم به -صلوات ربي وسلامه عليه- من شدة التواضع، إذْ لم تحتوِ كتب السنة من الأحاديث الشريفة الدالة على ذلك سوى النزر القليل الذي ارتبط ببعض الأحداث والوقائع، منها الحديث المرتبط بحادثة الإسراء الذي اختتمه سيدنا محمد -في سياق سرده لكفار قريش أوصاف بيت المقدس-، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي، فحانت الصلاة، فأممتهم» رواه مسلم، ومنها حديث ارتبط بواقعة ذات صلة بتصحيح أو توضيح المفهوم عن الكتب السماوية بعد أن طالها التحريف، كي لا يقع بعض المسلمين في منزلق عقائديٍّ مُخيف، فقد روى جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما-: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ ، فَقَرَأَهُ على النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ وَقَالَ : «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتْبَعَنِي‏» رواه أحمد، وحسنه الألباني في «إرواء الغليل».
ومن أهم الأحاديث التي احتوت على ما ليس بالقليل من جوانب التفضيل قوله صلوات ربي وسلامه عليه -من حديث أبي هريرة-: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» رواه مسلم، ولعله ولعل هذا الحديث قد ورد في معرض الرد على بعض الأراجيف المشككة بصدق رسالته، كما ثبت عنهم في قوله تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) الفرقان الآية: (7).