الإثنين 22-07-2019 00:58:07 ص
بوح اليراع: الوصاية الأمريكية على منطقتنا العربية
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 4 أشهر و 23 يوماً
الثلاثاء 26 فبراير-شباط 2019 09:38 م

لا أظن أن أيًّا منَّا يجهل أنَّ الغرب الإمبريالي منظومة واحدة، وأنه -برغم ما يدعيه من التسامُح تحت يافطة التقدِّميَّة- ما يزال مُتخندقًا -وبشكلٍ غير معلن- في خندق الحروب الصليبية، ولأنه كذلك فقد انتقل حقُّ التنفُّذ البريطاني والفرنسي إلى الطرف الأمريكي، وإن بقي لأيٍّ من الطرفين السابقين أيَّة هيمنة فبتنسيق وبموافقة أمريكية وباقتناع كافة الأقطار الأوروبية.
وتماشيًا مع متغيرات العصر الراهنة فلم تقتصر أمريكا على ما كان سائدًا لدى سلفيها المُعاصرين من أسلوب السيطرة العسكرية الباهظة التكلفة، بل جنحت إلى التنويع في أساليب الوصاية تبعًا لما تقتضيه مصالحها ومصالح حلفائها من قُطْرٍ إلى آخر، ومن أهم أساليب الوصاية الأمريكية ما يلي:
1- الاحتلال أو التواجد العسكري المباشر:
ولا يُلجأ إلى هذا الأسلوب المباشر الذي يحتمل بعض المخاطر إلاَّ إذا كان الهدف الإطاحة بالأنظمة القائمة ومن ثَمَّ استبدالها بأنظمة حكم أشدِّ تبعية والتزامًا في تبنِّي السياسات والأجندات الأمريكية وبتناسُبٍ عكسي مع مقتضيات المسالك القُطرية والشعور بالانتماء إلى الهويَّة الوطنيَّة، ومن الأقطار التي طُبقَ فيها هذا النمط من الوصاية الآتي:
‌أ- العراق: وقد غُزيَ عام 2003م بعد 13عامًا من الحصار، فتحققت على ثراه الكثير من الأهداف الإمبريالية، وفي مقدمتها إذكاء جذوة الطائفية التي دفعت بأبناء الشعب العراقي -على مدى أعوام عديدة- إلى الاقتتال وتبادل الاغتيال على الهوية مذهبية كانت أو عرقية.
‌ب- الصومال: وقد غُزيَ هي الأخرى- نظرًا لأهمية موقعه الجغرافي الاستراتيجي- بعد أن طُبقت فيه نظرية (فرق تسُد)، ومع ذلك فقد أخفق الغزو الأمريكي المباشر في تحقيق أهدافه على الأرض الصومالية، لأن الصوماليين -خلافًا للتوقعات- تجاوزوا ما كان بينهم من خلافات وجعلوا دحر الغزو الأمريكي أولوية وطنية مطلقة، فلم يلبث البلد- بعد أن نالت أمريكا على سوء صنيعها (الْجَزَاءَ الأَوْفَى)- أن تماثل- ولو بِبُطْءٍ- للشفاء.
‌ج- سوريا: إذِ استغلت أمريكا الأوضاع التي نجمت في القُطر السوري عن أحداث ما أطلق عليه (الربيع العربي)، فسارعت- بالإضافة إلى ما أسندت إلى بعض أنظمة الخليج من دور تخريبي- إلى إرسال طلائع قوات عسكرية أمريكية بهدف إسقاط النظام ومن ثمَّ إدخال البَلَد في أتون حرب أهلية تجعل الأطراف المتصارعة- بعد أن يصيبها الإنهاك وتُشارف على الهلاك- تتهافت على خطب ودِّ ربيبة الإمبريالية الغربية (الدولة الصهيونية).
لكن التدخل الروسي الذي لم يكن للأمريكان في الحسبان أفشل مُخططهم الجهنمي ودفعهم -مؤخرًا- إلى الإعلان عن الانسحاب التام في غضون عام أو عدة أعوام.
2- الوصاية بواسطة أنظمة عميلة:
وهذا النمط من الوصاية يكاد يكون مطبقًا في الأقطار العربية بشكلٍ عام وبتفاوت نسبي في درجات إذعان الحكام وصولاً إلى إشهار بعضهم تبعيته -وبما يشبه الاستعراض بأعلى وسام- عبر وسائل الإعلام، ومن أهم الأقطار المؤطَّرَة في هذا الإطار ما يأتي:
أ‌- معظم الأنظمة الخليجية: ويتصدَّر تلك الأنظمة في إتقان هذه المهمة وبلوغ حدِّ الغواية بما تُمارسه عليها أمريكا من وصاية نظاما السعودية والإمارات اللذان غالبًا ما يُبادران إلى التقرب إلى أمريكا بما لا تطلبه منهما مُبَرْهِنَيْنِ بذلك على المبالغة القصوى بتقديم فروض الطاعة والولاء، وما أكثر ما يبديان -في معرض تبنِّيْهما سياسة أمريكا تجاه ربيبتها- من صنوف ما لا يخطر على بال، فيُواليان -دومًا- من يُواليها ويُعاديان من يُعاديها.
ب‌- النظام المصري: فعادةً ما يتجاوز هذا النظام -في التودد إلى الكيان الصهيوني- المضمون المتشدد لاتفاقية (كامب ديفيد) التي صيغت لمصلحة الدولة اليهودية تحت الضغوط الإمبريالية الغربية، لكونها من حيث النشأة خطيئة بريطانية، لم تلبث أن صارت ربيبة أمريكية.
3- الوصاية عن طريق الأشخاص والقوى:
فما أكثر ما تتبنَّى دول الغرب -بإيعاز من أمريكا- أشخاصًا مأجورين وتُسلط عليهم الأضواء صباح مساء، حتى إذا حققوا ظهورًا إعلاميًّا كافيًا، اسْتُخْدِمُوا أسواطًا لجلد الأنظمة الحاكمة، وبالمثل القوى السياسية العميلة التي غالبًا ما تصنَّف أقلية عرقية أو دينية أو مذهبية والتي تحظى -بهدف إحداث التشَظِّي أو التشطير- بدعم أمريكي إمبريالي منقطع النظير، ثُمَّ تستغل لتشويه سمعة الأنظمة وإضعافها حتى في الأوساط الجماهيرية، ثمَّ يأتي دور الأمريكان لمحاصرة البلدان وصولاً بها إلى مستوى من مستويات الاختناق، فلا تلبث الشعوب -نتيجة سوء الأوضاع المعيشية- أن تتجمهر بحُسْن نيَّة مطالبة بإسقاط أنظمتها الوطنية بصورة علنية محققة للغرب الإمبريالي متمثلاً بالطغيان الأمريكي كلَّ ما كما يريد, بل وفوق ما يُريد، وليس السودانُ عنَّا ببعيد الذي يُوشك شعبه -إذا ما دخل في أتون حرب أهلية- أن يُعاني ما تُعانيه شعوب بلدان الربيع العربي من صنوف القتل والتجُويع والتشريد.