الأربعاء 19-06-2019 02:00:47 ص
نكبة وطن (2-2)
بقلم/ عبدالوهاب الضوراني
نشر منذ: 5 أشهر و 4 أيام
الأحد 13 يناير-كانون الثاني 2019 01:18 ص

نحن نعلم علم اليقين والعالم يشاركنا أيضا هذه الحقيقة الناصعة والساطعة سطوع الشمس في رابعة النهار ان الرئيس الشهيد ابراهيم الحمدي دفع حياته ثمناً لمؤامرة دنيئة وقذرة بكل المقاييس والمؤشرات قام بتنفيذها أقرب الناس إليه الذين كان يثق بهم وبإخلاصهم وولائهم وانتماءاتهم الوطنية ثقة عمياء والقتلة معروفون ولهم باع وذراع في ارتكاب العديد من جرائم القبل والاغتيالات التي طالت في منتصف القرن الماضي كوكبة من كبار الشخصيات الوطنية والوحدوية وكبار رجالات الدولة بدءاً بالحمدي في صنعاء وانتهاء بالقاضي عبدالله الحجري رئيس الوزراء في عهد القاضي عبدالرحمن الإرياني في لندن والشهيد الأستاذ محمد أحمد نعمان المستشار السياسي في حكومة القاضي الارياني في بيروت.. الذين امتدت إليهم أيادي الغدر والخيانة الواحد تلو الآخر داخل الوطن وخارجه، شماله وجنوبه، والتي سجلت تلك الحوادث والاغتيالات وللأسف ضد مجهول ولم يطل القتلة والمتآمرون القصاص العادل حتى اليوم.. وأنا لا أريد هنا أن أحدد أسماء أوأتهم أشخاصاً معينة بالضلوع في ارتكاب تلك السلسلة من الجرائم والاغتيالات لان المتهمين- كما أسلفنا- معروفون وملفاتهم الجنائية موجودة داخل أجهزة الدولة ومراكز التحقيقات سواء الذين قاموا باغتيال الحمدي داخل الوطن أو الذين تم تصفيتهم جسدياً الواحد تلو الآخر خارجه، حيث كان آخر تلك الجرائم والتصفيات المحاولة الفاشلة التي تعرض لها الرئيس اليمني الأسبق على عبدالله صالح في مسجد الرئاسة.. التي أدت الى استشهاد كوكبة من خيرة أبناء الوطن وعلى رأسهم الأستاذ عبدالعزيز عبدالغني الذين تم العثور عليهم أشلاء وجثثاً متفحمة تحت الأنقاض.
الرئيس الحمدي.. كما نعرف كانت له بعض التحفظات مما كان يعرف في ذلك الوقت بـ»سلطة المشايخ المزدوجة» واسعة الانتشار داخل الجهاز الاداري ومؤسسات الدولة الذين كان يتهمهم بالمركزية والقفز فوق القانون والشرعية.. وكان يدعو دائما في خطاباته وفي معظم المناسبات، المواطنين لمقاطعة نشاطاتهم المشبوهة وغير المشروعة وسحب البساط من تحت أقدامهم وقال في إحدى تلك الخطابات وبالحرف الواحد «ان الوقت قد حان ويجب أن تستعيد فيه الدولة هيبتها واستقلاليتها وقرارها السياسي وأن نعمل جميعا بتفانٍ ومسؤولية مشتركة من أجل تجفيف منابع الفساد وتطهير أجهزة الدولة ومؤسساتها من تلك العناصر والخلايا ووقف استهتارهم وعبثهم بالمال العام وثروات الشعب التي تذهب هباءً ولا يستفيد منها سوى تلك الشرذمة من البلاطجة والمتنفذين بينما معظم أبناء الشعب يتضورون جوعاً».
الحمدي.. كان يعتزم القيام بزيارة مفاجئة وغير مسبوقة للعاصمة الجنوبية عدن والتي تعتبر الأولى من نوعها التي يقوم بها رئيس يمني للشطر الجنوبي من الوطن بينما كانت الزيارات قبل الوحدة المباركة تقتصر على تنقل أبناء الشطرين فقط ووسط إجراءات أمنية مشددة أيضا, وعندما علمت السعودية بأمر تلك الزيارة وموعدها وترتيباتها التي كانت حيز التنفيذ جن جنونها وهاجمت صحفها الحمدي بشدة وقالت في افتتاحياتها وبالحرف الواحد «ان الحمدي بتلك الزيارة الجريئة والمستفزة والتي كانت لا تخطر على البال قد فتح على نفسه باباً من أبواب جنهم، كما دق آخر مسمار في نعش نظامه الذي أصبح مثيراً للمتاعب وأوجاع الدماغ والذي جاء الوقت المناسب لتأديبه وتقليم أظافره».
السعودية كانت ترى في النظام المتشدد والقائم في جنوب الوطن بأنه نظام شيوعي ومتطرف ولا ينتمي لا من قريب ولا من بعيد الى الاسلام ومبادئ وأحكام الشريعة الاسلامية, وأن الحمدي الحاكم الوحيد في اليمن الذي شب عن الطوق وكسر هذه القاعدة ووضع يده في أيدي الحكام الماركسيين في الجنوب وأن الوحدة لو تحققت وسطع نجمها يوماً في سماء الوطن معناه القضاء والى الأبد على نفوذها ومصالحها الحيوية في اليمن بصفة خاصة وفي المنطقة عموماً.
هذا من جهة ومن جهة أخرى.. سوف يؤد التقارب المفاجئ الذي طرأ على العلاقات بين الشطرين في عهد الحمدي وفي أسوأ الاحتمالات أيضاً الى سقوط وتفكك عروش وإمبراطوريات دول منطقة الخليج التي ستتهاوى الواحدة تلو الأخرى تحت وطأة الزحف الأيديولوجي والماركسي القادم من اليمن وعلى رأسها السعودية فبذلت قصارى جهودها من أجل إعاقة الزيارة والزج بملف الوحدة المزعج والمثير للجدل الذي لطالما كان الحمدي يلوح به كثيراً في حياته وسبب لها في الماضي متاعب جمة وإشكالات لا أول لها ولا آخر وكان يتأبطه في زيارته المفاجئة والجريئة تلك والقذف به ثانية داخل الأدراج المغلقة ليلفظ فيها أنفاسه والى الأبد والتي لن تسقط تلك الجريمة أو غيرها من جرائم الاغتيالات التي لا حصر لها بالتقادم وتعاقب السنين وسينال القتلة جزاءهم العادل عاجلا أم آجلا طال الوقت أم قصر.
ولا يفوتني هنا التذكير ونحن بصدد إعادة فتح هذه القضية الجنائية وتنفيض ما اعتراها من غبار التهميش والانكماش داخل أحشاء الملفات والأدراج المغلقة من جديد بأن الوطن شهد خلال فترة ولاية الحمدي القصيرة الأجل والتي لم تتجاوز الأربع سنوات نهضة تنموية وخدمية منقطعة النظير، شملت مختلف الأصعدة والعديد من مواقع العمل والإنتاج خصوصاً الاقتصاد الوطني الذي استرد ولأول مرة عافيته بعد أن كان يحتضر ويكاد يلفظ أنفاسه.
تغمد الله شهيد الوطن والوحدة إبراهيم الحمدي وكل شهدائنا الأبرار بواسع رحمته وشآبيب مغفرته ورضوانه وسيظل شذى ذكراهم وسيرهم العطرة وتضحياتهم عابقا حتى يرث الله الأرض ومن عليها..