الأحد 15-09-2019 21:12:59 م
شخصنة التاريخ والحتمية التاريخية
بقلم/ دكتور/غيلان الشرجبي
نشر منذ: 13 سنة و شهرين و 23 يوماً
الخميس 22 يونيو-حزيران 2006 08:55 ص
لست من هواة او دعاة شخصنة التاريخ فقراءاتي التاريخية المتواضعة المواكبة لتخصصي في علم النفس والارشاد النفسي تمخضت عن قناعات راسخة بأن ازمة هذه الأمة وغيرها من الأمم التي على شاكلتها تكمن بـ "ثقافة تقليدية" كافة في اللاشعور الجمعي للاعتقاد بالفارس الاسطورة الذي يرتبط به صناعة التاريخ فتلغى الادوار العامة لصالح الزعامة الحاكمة إلاَّ ان التحليل الموضوعي لصناعة الحضارة والتحولات الثقافية يؤكد على الحتمية التاريخية وان الانتقال من حقبة تاريخية الى اخرى لا يخضع للمصادفات العشوائية، وانما يتم بدقة متناهية تحكمها ظروف ناضجة فقد دلت الدراسات عبر الثقافات ان الانجازات الحضارية، والإكتشافات العلمية فيها من التقارب ما يثير الدهشة وأن(السبق العلمي) لا ينفي (ان ما حدث في زاوية من زوايا المعمورة ) تزامن مع جهود حثيثة في نفس الاتجاه في زوايا أخرى ــــ فلا يوجد ما يسمى بـ(فلتات الزمان الاعتباطية )فهذه الفلتات أنضجتها الظروف، لعقليات فذة، وعلماء أعلام، ورجالات فكر، وزعامات قيادية، برزت الى سطح الحياة الراكدة، في اللحظة المناسبة، للاضطلاع بدورها الريادي في المسيرة التاريخية .. ولانها وليدة اللحظة فقد اعتبرت (طفرة) لذلك غالباً ما توصف بعض الفلتات النادرة بأنها (سبقت زمانها) لأنها تمثل (ظاهرة فردية استثنائية) جاءت لتحرك محيطاً اجتماعياً راكداً أو لتتحرك ضد التيار ليحسب نجاحها أو فشلها بحجم قدرتها على السباحة في مياه متجمدة ، أو استنهاض عقول متبلدة، وتغيير بيئة اجتماعية تقليدية متخلفة ـــــ وايقاظ ضمائر ميتة والنهوض بشعوب غافلة.
واليمن احدى البلدان الثائرة والتي ظلت تتقاذفها رياح التغيير، وتتجاذبها تيارات التقليد والتجديد الشعاراتي في أكثر من اتجاه حتى نضجت الظروف المواتية لبروز تيار وسطي يؤمن ان التجديد سلوك ابداعي لا يقبل التبعية المطلقة ولا الحركات التقليدية المنغلقة فأخذ من الماضي اصوله الروحية ومن الحاضر قيمه الحضارية باعتماد الاسلام مرجع الحاكمية، والديمقراطية اداة للحكم، وهواليوم يمر باحدى محطات هذه المنهجية، انه يستعد لاستقبال موسم الانتخابات الرئاسية والمحلية ويتطلع الى مواصلة مسيرة التغيير.. وأمامه تصور واضح بأن (ادوات التغيير ليست عشوائية) وانها يجب ان تستند الى المفاضلة الواعية بين البدائل الممكنة فـــ( المغامرة المرتجلة كارثة) انها مضادة لـــ( الحتمية التاريخية).
وعلى ذكر المغامرة - فان الجدل المحتدم في الساحة السياسية اليمنية - قد اعاد الى الذاكرة البدايات الاولى لبروز نجم الاخ الرئيس علي عبدالله صالح ، والذي وصف تلك البداية بأنها كانت أشبه بــــ( مغامرة) واثق انها كانت (مغامرة محسوبة) وهو يعني مايقول - اذ عصف (كرسي الرئاسة) بثلاثة رؤساء على التوالي اثنان استشهدا والثالث ترك الكرسي مختاراً- استشعاراً للمخاطر المحدقة به، والتي دفعت زوجه لارتداء (ثوب الحداد)  بمجرد اسناد منصب الرئاسة الشاغرة اليه - وكأنها بهذا ترسل رسالة ممانعة صامتة، تعلن ( ان قبول هذا التكليف يعني نهايته، وان ضريبة الجلوس على هذا الكرسي باهظة الثمن) وعليه المفاضلة بين حياة اسرية آمنه، وبين مغامرة لم يعد يقوى على خوض غمارها.
فكان الضابط برتبة مقدم، المجهول لدى الكثيرين، والمحدود في الخبرة السياسية، اقدر على تقدم الصفوف لحمل الراية، في ساعة العسرة - نعم لقد كان ضابطاً مغامراً - وتلك (عقيدة عسكرية أصيلة) لــ( مباغتة جريئة تثق بالنصر، ولاتغفل الخسارات المتوقعة).
وتلك احدى المكونات الرئيسية في شخصيته .. وسمها(مغامرة - مباغتة- مفاجأة) او ماشئت.. فتكرارها يدل على أصالتها- فكان نجاحه في ظل تلك الظروف العصيبة (مفاجأة) وكان المنجز الوحدوي في ظل تفتت الكيانات الكبرى ، وتصدع النظام الدولي، وتشرذم جزئياته (مفاجأة) وظل تعامله مع الاحداث غير اعتيادي، فاثبت فعلاً انه (رجل المفاجآت المحسوبة) .. فالصدفة العشوائية لاتتكرر، وان تكررت تخيب أو تصيب وهاهو اليوم يقدم على مغامرة فاجأت الجميع، باعلان (اعتزال العمل السياسي) ليضيف (مباغتة جديدة لرصيده السياسي) لكن هذه المرة تختلف - فالبون شاسع بين من (يغامر ليتحمل المسؤولية الذاتية عن تصرفه الشخصي - نجاحاً اوفشلاً) وبين (مغامرة رهانها مصير بلد، ومستقبل شعب).. ليصدق على مغامرته هذه المثل الشعبي القائل « من دخل بشوره ، خرج بشور غيره» ورغم مااثير حول هذه المفاجأة - بين تأكيد الواثقين بمصداقيته على انه سئم المزايدات والابتزازات والمهاترات والمكايدات، وبين خصوم مشككين بدافع (الانتقام السياسي)..فانني اثق (ان المغامرة التي اقدم عليها تمثل أحد عناصر ثقافته التكتيكية)  فهي تضع المعارضة في (محك اختبار) فاما ان ترتقي الى مستوى التحدي، وتقدم نمودجاً لبدائل موثوقة، يطمئن اليها الشعب، لتؤكد انها جديرة بانضاج المشروع السياسي الذي بدأه، لاستكمال مسيرة النهوض الوطني، او تكشف عن عجزها ، وتعود لرشدها، بترشيد خطابها الاعلامي والسياسي، وتمارس دورها المعارض- بترميم بيتها من الداخل اولاً - فلا تنتقد الفساد وهي غارقة بمستنقعاته، ولاتزايد بالحديث عن الاختلالات الديمقراطية وهي مشدودة الى ماضيها الشمولي، مسكونه باوهام النكوص عن الوحده، وكوابيس التمرد على الثورة والنظام الجمهوري.. ولعله اراد باعلان رغبته بالتخلي عن حقه في الترشيح لدورة رئاسية قادمة، قبل اكثر من عام على موعد الانتخابات، ان يعطي للمعارضة متسعاً من الوقت لاثبات جدارتها - الا (ان الطبع غلب التطبع).
فالمفاجأة المتكررة - اذاً تنم عن شخصية قيادية - تعي الدور المنوط بها - ولاتستبعد التوقعات المحتملة .. ومن يمتلك حنكة القائد المتمرس على الادارة الميدنية - بعقلية تكتيكية مرنة، عمادها (المناورة المباغتة) القادرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، مع احتساب ردود الفعل المضادة - لاشك انه قد جمع بذلك (مواصفات الشخصية القيادية) المؤهلة لمواجهة تحديات المعترك السياسي.
فاستحضار الاسس السيكولوجية لسمات الشخصية القيادية، يمدنا بمفاتيح التحليل الموضوعي لهذه التجربة التي وظفت المهارات المكتسبة لاستيعاب الادوار السياسية التي لعبها الاخ الرئيس القائد علي عبدالله صالح خلال الفترة الماضية لبناء (مشروعه الوطني الذي لم يكتمل بعد) ولن يكتمل بدونه، لان البدائل المحتملة تتربص به- قولاً وعملاً- فالاخوة في (اللقاء المشترك) معارضة تحتضن قوى لاتعترف بمشروعية النظام السياسي بكامله - ليظل (المؤتمر الشعبي العام، وقيادته السياسية المجربة) فرس الرهان للمرحلة القادمة فالمراهنة الممكنة خير من رهانات غير مأمونة ..انها ليست (شخصنة) فلاعلاقة شخصية او مصلحة لي - لا بالسلطة ولا بالمعارضة - واتحدى من يدعي غير ذلك - لكن حسابات مستقبل الأجيال القادمة ، تلح بالترفع عن تصفية الحسابات الضيقة لاستقبال الحدث الذي على مداميكه الراسخة تتشكل معالم المستقبل .. لذلك اجد بمواصفات الاخ الرئيس (حتمية تاريخية) انضجته الظروف، فكان رجل المرحلة .. ومن يستعرض (سيرته الذاتية) بحيادية ،لا بد ان يشهد له بالتميز القيادي - مقارنة بالاسماء والمسميات السائدة- ويكفي ان تجربته تحركت في فضاءات العمل الجماعي، الذي ينفي (الشخصنة التقليدية).. فالشخص الذي يحتفظ بأصالته فينتصر لارادة التوحد، بالتغلب على نزعة التفرد، الشخص الذي يستلهم مفردات بيئته الاجتماعية المتواضعة، ونشأته العسكرية المبكر، فيعيد تركيبها لاستخلاص (منظومة القيم البديلة) بدمج اجمل ما في الموروث بافضل ثقافة العصر، لا يمكن الا ان يكون جماهيرياً - به وبالجماهير تصنع الاحداث - وبارادة شعبية لا شخصية يتحرك - واسقاط هذه الخصوصية على الواقع يؤكد ان هذه المكونات الاصيلة ظلت حاضرة وبعمق، فكانت المادة التي شكلت حياته.
فالقائد الذي (اجاد المناورة الميدانية لا بد ان يتقن فن المحاورة) وتجلى ذلك بـ(الحوار الوطني) ليظل للتحاور اولوية في (ادارة الازمات) و(من يجيد المباغتة لا شك جدير بالمفاجأة).
والعقلية المجهزة بملكة المرونة التكتيكية يستحيل ان تندفع لاتخاذ قرارات طائشة، او ردود افعال مرتجلة، والنظرة القيادية الاستراتيجية تصقل الخبرة للتفريق بين أزمة مفتعلة واخرى فعلية، وبين تحدٍ يستوجب المواجهة العاجلة وآخر قابل لمعالجات مؤجلة، وتمييز تلك التي تهدف الى الاستدراج لصراعات جانبية، ومعارك هامشية.. او استنفاد القدرات بمناوشات ليست استراتيجية.. فلا غرابة - اذاً - ان تتجلى هذه الاخلاق القيادية، التي توازن بين ضرورات الحسم في القضايا الكبرى - والتسامح تجاه المنغصات اليومية، بما تفرضه من مساومات الى حد الاغراء.. لتصبح الاثارة تقليداً ادمن عليه البعض لمزيد من الامتيازات على حساب المعايير الموضوعية، وتلك احد مصادر الفساد المستشري، والذي تحول الى مادة خصبة لتحريض اعلامي وسياسي، يقف على رأس مثيريه اولئك المستفيدون منه، فالاغراء يفتح الشهية.. والتي لم يعد يشبع نهمها الريال، فدفعها جشعها للبحث عن مصادر اخرى، تدفع بالدولار.. وتلك احدى الفروق بين قيادة سياسية، تطبعت على الاخذ بمبدأ (ادفع بالتي هي احسن) وبين اصوات نشاز تلهث خلف المزاد، والاحسن لديها من يدفع اكثر.
ولتوسيع دائرة المفاضلة، يقتضي التأكيد على ان الاخ الرئيس استطاع تمثل خصوصياته لتعزيز مفهوم الولاء الوطني - لهذا ظلت شخصيته متوازنة - بينما راح خصومه بين (عصرنة الحديث لاحتواء التحديث).. انه الفارق بين عقليات واخرى تصطفي من تجاربها الحياتية ما يثري الحياة العامة - لتصطبغ سياسات (المؤتمر الشعبي العام) بكاريزما مؤسسة، فاستوعب كافة الوان الطيف قبل الوحدة، وظل شريكاً لها رغم المشروعية التعددية، وهي مواصفات يستحيل ان يجسدها أي من فرقاء العمل السياسي المشترك، فلكل اجندته الخاصة التي لا تبعث على الاطمئنان -ان لكل مشروعة الخاص، لفتح الساحة اليمنية على مصراعيها، لاستقبال كافة الاحتمالات، لاستفحال صراعات وحدوية- انفصالية، تيارات انفصالية لكل منها مشروع دويلة مناطقية تصفية حسابات مذهبية، تتنازعها ولاءات متصارعة، سلالية تؤسس لـ (ملكية دستورية) واخرى (لامامة اثنى عشرية) وثالثة (طالبانية سنية) وقوى علمانية وقومية مضادة، وفي اوساطها من يرفع شعار (الفدرالية على الطريقة الامريكية في العراق، والذي يحمل بذرة قابلة للمماثلة).. الخ - والوضع لن يختلف كثيراً - ان لم تكن اشد كارثية - فالحياة المدنية في العراق كانت اكثر رسوخاً منها لدينا.. وعليه فليس امام علي عبدالله صالح الا ان يضحي برصيده الوطني، فيخرج من السلطة كما دخلها، لندفع معه ضريبة ثلاثة عقود من اعمارنا - او ان ينتصر لمشروعه الوطني، وباستطاعته على المدى المنظور استكماله - وذلك بتفعيل (قانون الاحزاب واصلاحيات لجنة الاحزاب) لتشذيب وتهذيب التجربة التعددية - فمن لا يؤمن بالآخر والحزب الذي لا يمارس الديمقراطية الداخلية لا يستحق مشروعية العمل السياسي التعددي والتنظيم الذي تحكمه ايديولوجية شمولية غير جدير بالتبادل السلمي للسلطة - كما يستطيع الاخ الرئيس تجذير القيم الوحدوية بالاحتكام لدولة المؤسسات المدنية، ليتساوى الناس في الحقوق والواجبات.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
فريق المصالحة.. رهان الانتصار
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: نزعة إماراتية جنونية لنصرة الصهيونية
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
كلمة  26 سبتمبر
أمريكا وبريطانيا .. مَنْ يدين مَنْ!!
كلمة 26 سبتمبر
مقالات
ماذا سيقول فخامة الرئيس لشعبه؟
عثمان محمد الصلوي
شعبية الرئيس
علي سيف العودي
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةالرئيس الصالح
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد