الخميس 22-08-2019 03:16:12 ص
من الإنحدار الحضاري والركود الفكري إلى التبعية والخضوع
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 8 سنوات و 10 أشهر و 13 يوماً
الخميس 07 أكتوبر-تشرين الأول 2010 08:25 ص
يتبنى السلفيون موقفاً معروفاً في مناهضة الفكر القومي وإنكار الهوية الوطنية، وعدم الاعتراف بالقوانين الوضعية التي ترتبط بأفكارالولاء الوطني والأمن القومي والمصالح الوطنية. وتعود جذور موقف السلفيين المناهض لهذه الأفكار الوطنية والقومية إلى كتاب (نقد القومية العربية) للشيخ عبدالعزيز بن باز، الذي صدر في ذروة الصراع بين الاستعمار والقوى الرجعية المتحالفة معه من جهة، في مواجهة حركة التحرر الوطني والقومي العربية، التي كانت تحظى بدعم وتأييد الاتحاد السوفيتي في حقبة الحرب الباردة من جهة أخرى.
في هذا السياق كان الخطاب السياسي والإعلامي والأيديولوجي للقوى الاستعمارية والقوى المتحالفة معها لا يتردد في توظيف مخزون المشاعر والمعتقدات الدينية وموروث النعرات القبلية لمواجهة المشروع القومي التحرري الذي ارتفع عالياً في عهد الزعيم القومي الراحل جمال عبدالناصر على طريق الحرية والاستقلال والوحدة، ناهيك عن قيام قوى التحالف الاستعماري الرجعي بتنظيم وشن الحملات الدعائية والتحريضية ضد القومية العربية والوحدة العربية والأفكار الثورية والتقدمية.
ولئن كان المشروع القومي التحرري العربي الذي رفعت بيارقه القوى الوطنية والقومية في العالم العربي، يعكس إرادة الشعوب العربية للخروج من نفق التخلف والتجزئة والتبعية للاستعمار الأجنبي، فإن الخطاب الديني المناهض للمشروع القومي العربي بقدر ما كان مرتبطاً بالسياسات الاستعمارية التي سعت إلى توظيف الدين في معارك الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وحركات التحرر الوطني من جهة، وبين قوى التحالف الاستعماري الرجعي من جهة أخرى، بقدر ما كان يجسد تفاقم حالة الركود الحضاري والجمود الفكري التي أفرزت خطاباً دينياً يسوِّغ الفصل بين الدين والانتماء الوطني لصالح أجندات استعمارية خارجية.
ومن المفارقات العجيبة أن القوى الاستعمارية التي أسقطت نظام الخلافة العثمانية بعد أن أصيب بالترهل والشيخوخة والعجز عن اللحاق بمسيرة الحضارة الحديثة والمجتمع الدولي الجديد، هي التي استخدمت الدين في مواجهة المشروع القومي التحرري الذي قاده الرئيس جمال عبدالناصر، وساهمت في تلبيس وتدليس خطاب سياسي رجعي يدعو الى إعادة نظام الخلافة والقضاء على النظم الجمهورية التي نشأت في سياق التأثير المتعاظم لمعطيات الكفاح القومي التحرري.
ولعل أغرب ما تضمنه الخطاب الديني المناهض لحركة التحرر الوطني والقومي العربية، الزعم بعدم وجود أمة عربية واحدة، والقول بأن الأمة الإسلامية كلها كانت قوية وموحدة في إطار نظام الخلافة العثمانية والنظم السابقة لها، فيما أصابها الضعف والانحدار بعد سقوط نظام الخلافة الاسلامية، وظهور النزعات الوطنية على إثر خروج العرب من نظام الخلافة وتشكيل جامعة عربية تضم دولاً عربية متعددة، إيذاناً بدخول المسلمين العرب طور الانحدار، بحسب ما جاء في كتاب (نقد القومية العربية) الصادر في أوائل الستينات للشيخ عبدالعزيزبن باز الذي تضمن هجوماً شديداً على الزعيم القومي جمال عبدالناصر والأحزاب القومية العربية، داعياً الى الغاء الجامعة العربية بحجة ان مقرها في «حاضرة مصر التي يحكمها جمال عبدالناصر والقوميون العرب))، واستبدالها برابطة اسلامية مؤقتة يكون مقرها في (( بلاد الحرمين الشريفين تمهيداً لإعادة نظام الخلافة بإمامة قرشية تحكم بما أنزل الله وتسترشد بمناهج النبوة ))، بحسب ما جاء في كتاب (نقد القومية العربية ) للشيخ بن باز، والذي يعتبر المرجع الأساسي لمواقف التيار السلفي المناهضة للأفكار والأحزاب الوطنية والقومية اليسارية التي دعاها المدعو عبدالعزيز الدبعي رئيس جمعية الحكمة السلفية الى التوبة، بعد ان قام بتكفيرها وإخراجها من الدين والملة في تصريحاته ومقابلاته الصحفية التي أطلقها على هامش (الملتقى السلفي العام) سيئ الصيت أواخر مايو 2009م في قلب العاصمة صنعاء.
والثابت أن العالم العربي دخل في طور الانحدار والانحطاط بعد أن تداعت قواه الإنتاجية والبشرية منذ قرون عديدة، وكان أبرز مظاهر هذا التداعي تدهور عدد السكان في العراق ومصر وسوريا وشمال أفريقيا، وهيمنة علاقات الإنتاج الإقطاعية البدائية ونظام الاقتصاد المنغلق، وصولاً إلى قيام الإمبراطورية العثمانية التي كانت من حيث الشكل الافتراضي (دولة واحدة وأمة واحدة)، لكن اقتصاد تلك الإمبراطورية لم يكن واحداً ومتكاملاً، وكانت موارده الأساسية تقوم على تحصيل الخراج والضرائب والزكوات، فيما كانت السوق مجزأة ومعدومة غالبا .. بمعنى أن الأسس التي ارتكز عليها نظام الخلافة الإمبراطوري كانت تتميز بتخلف اقتصادي وإنتاجي، مقابل قوة الجيش الانكشاري الذي كان يضطلع بمهمة الفتوحات بحثا عن خراج من أوروبا وغيرها، حيث جاء انفصال دول أفريقيا العربية عن الدولة العثمانية كنتيجة طبيعية للتطور الذي قضى على جزء من الأسس التي قام عليها اقتصاد الخراج في نظام الخلافة الامبراطوري القديم، بعد ان أصبح عاجزأ عن استيعاب قيم وأدوات النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي الجديد .
إلى ذلك استفادت القوى الاستعمارية من ضعف وتخلف البيئة الاقتصادية والإنتاجية لنظام الخلافة العثمانية الإمبراطوري، لبسط الهيمنة الاستعمارية المباشرة على مصر والجزائر وتونس ومراكش وليبيا والسودان وجنوب اليمن والخليج العربي قبل وبعد الحرب العالمية الأولى، ما أدى إلى استيقاظ الوعي الوطني لدى الشعوب العربية في هذه البلدان، وانتشار الأفكار القومية وانطلاق الثورات الوطنية التحررية التي تمكنت من خوض معارك كفاحية جسورة ضد الاستعمار والاستبداد، والسير على طريق الديمقراطية والوحدة، لكن التجزئة ظلت باقية ومستمرة باستثناء حالة واحدة فقط، هي تحقيق وحدة اليمن في 22 مايو 1990م، كخطوة على طريق الوحدة العربية الشاملة.
لا ريب في أن الاستعمار ترك آثارا قاسية على العلاقة التي قامت بين الغرب المستعمر من جهة والشرق العربي المتخلف من جهة أخرى، حيث تحول اقتصاد كل دولة عربية إلى اقتصاد كولونيالي تابع لاقتصادات الدول الاستعمارية لجهة تموينها بالقطن والنفط وخامات المعادن، أو شراء منتوجاتها الصناعية من جهة أخرى، وهو ما يفسر الترابط الوثيق بين تزايد التبعية للاستعمار القديم والجديد، وتعمق الجذور الاقتصادية للتجزئة التي كانت في عصر نظام الخلافة الإمبراطوري تتميز بتخلف أسلوب الإنتاج الإقطاعي، ثم اتسمت لاحقاً بالعجز عن استيعاب المفاعيل الجديدة للعلاقات بين الإنتاج والأسواق في عصر الاستعمار بوجهيه القديم والجديد، ولعل أبرز الجذور الاقتصادية للتجزئة في العالم العربي اليوم، انعدام التكامل الاقتصادي بين البلدان العربية، وضعف التبادل التجاري بين الدول العربية، مقابل المبادلات مع العالم الخارجي.
وبالنظر إلى أن الأفكار الوطنية والقومية كانت الحاضن الرئيسي لليسار الوطني والقومي في اليمن والعالم العربي، فإن العلاقة التناحرية بين القومية العربية والاستعمار والاستبداد كشفت طبيعة وأبعاد التحالف الإستراتيجي الذي نشأ بين الاستعمار والقوى الرجعية العربية المتدثرة بغطاء الدين، وما ترتب على ذلك من توظيف الفكر السلفي الديني، واستخدام رجال الدين المقيمين بصورة دائمة في الماضي، كسلاح لمقاومة الأفكار الثورية، والتصدي لمشاريع التغيير والاصلاح ذات الأبعاد الوطنية والقومية التقدمية .
ومما له دلالة أن نشوء الأفكار الوطنية والقومية وانتشار الميول نحو الاستقلال لم يكن فقط محصلة للصدام مع الاستعمار الأوروبي، بل كان يتصل أيضا بالهيمنة شبه الاستعمارية للدولة العثمانية التي أتبعت سياسة التتريك ضد الشعوب العربية، ومارست هيمنة ذات أبعاد استعمارية على مقدرات الشعوب العربية، وهو ما نجد تحليلاً معمقاً له في أبحاث المفكرين القوميين العرب الرواد أمثال : ساطع الحصري وميشيل عفلق ومنيف الرزاز وشبلي العيسمي وصلاح البيطار وسعدون حمادي وغيرهم، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول موقع الاستعمار في التاريخ، والعلاقة بين الاستعمار والقوى الرجعية من جهة، وبين حركات التحرر الوطني والقومي ضد الاستعمار والاستبداد من جهة أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن جميع الأبحاث والمؤلفات التي نشرت حول الفكر القومي وحقوق القوميات في القرن التاسع عشر كانت تنحصر على الشعوب الأوروبية ولم تشمل شعوب آسيا وأفريقيا، لأن معظم المفكرين الأوروبيين من مختلف المدارس الفكرية باستثناء الاشتراكيين الديمقراطيين في الأممية الأولى والأممية الثانية، كانوا يزعمون بأن شعوب آسيا وأفريقيا ليست متأخرة فحسب، بل ولا تملك القابلية للتمدن والتقدم أيضاً، ولذلك فهي لا تستحق الحقوق القومية التي يطالبون بها للشعوب الأوروبية !!!.
والحال أن انتشار الأفكار القومية بين الشعوب الآسيوية والأفريقية جعل الأوروبيين والأمريكيين يدركون في وقت لاحق خطورة حصر الحقوق القومية في حدود بعض الأمم دون غيرها، حيث انتهوا إلى التسليم بضرورة تعميم هذه الحقوق على جميع الأمم، والاعتراف بحقوق الأمم في تقرير مصيرها بين الحربين العالميتين وعلى الأخص بعد الحرب العالمية الثانية التي خرج منها الاتحاد السوفيتي متتصراً وشريكاً للقوى العظمى التي وضعت بصماتها على ميثاق هيئة الأمم المتحدة غداة التوقيع على اتفاقية (يالطا) بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا، كبديل عن (عصبة الأمم) التي أسسها المنتصرون في الحرب العالمية الأولى.
وعليه يمكن القول بأن القرن التاسع عشر كان عصر القوميات بالنسبة للشعوب والأمم الأوروبية فقط، وأما القرن العشرون فقد صار بحق وبفضل وجود الاتحاد السوفيتي وحركات التحرر الوطني وانتشار الأفكار الوطنية والقومية عصر الاستقلال والتحرر الوطني والقومي، وهو ما يفسر نزوع بعض المفكرين القوميين العرب إلى التأكيد على أن الاستعمار وإن كان ظاهرة تاريخية أخذت أشكالا مختلفة، منذ العصور القديمة التي شهدت ما يعرف بالاستعمار الفينيقي والإغريقي والروماني والهكسوسي إلا أنه اكتسب شكلا خطيرا في العصر الحديث، وبالذات عقب ظهور الثورة الصناعية والاكتشافات العلمية والجغرافية، حيث أدت الاكتشافات العلمية إلى اختراع الآلات الميكانيكية وزيادة الإنتاج بشكل هائل، فيما أدت الاكتشافات الجغرافية إلى التوسع الاقتصادي والعسكري في مختلف القارات، ما جعل الدول الصناعية تضطر إلى البحث عن أسواق لتصريف منتجاتها، واستيراد المواد الأولية الضرورية لتغذية مصانعها، والسيطرة على طرق الملاحة والتجارة الدولية، وكان الاستعمار أقصر الطرق وأضمنها لتحقيق هذه الأهداف، لأن الدولة الاستعمارية تستطيع أن تفرض على مستعمراتها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تضمن تبعيتها لدول المتروبول، كما تستطيع في الوقت نفسه احتكار جميع مواردها وأسواقها.
يقيناً أن التاريخ الواقعي ليس جامداً بصورة استاتيكية، بل هو صيرورة تاريخية متجددة.. فتاريخ المجتمع الأوروبي والعالمي منذ قيام الثورة الصناعية في القرن الرابع عشر الميلادي، هو تاريخ الرأسمالية والاستعمار، أما الأفكار الوطنية والقومية فهي لم تهبط من السماء ولم تنشأ في الفراغ، بل نبعت من العالم الواقعي . وقد عرفت البشرية علوماً عديدة أسهمت في توسيع وإغناء الفضاء المعرفي لحضاراتها في مختلف العصور، لأن علم التاريخ هو أهم هذه العلوم.. أما الأيديولوجيا بصرف النظر عن لباسها وماهيتها فلا تعدو أن تكون سوى تجريد التاريخ من قيمته، وإفراغه من معانيه ودلالاته . وقد لاحظ كثير من المشتغلين في علم التاريخ، إن تاريخ أوروبا وأممها ولغاتها واقتصادها وعلومها واستعمارها ليس مجرد تداول أدوار ارتقاء وأدوار انحطاط، بل هو صيرورة تاريخية تتسم بالتحول المستمر. ونحن بحاجة إلى أن نقرأ ونكتب تاريخنا بعقل علمي نقدي يساعد على معرفة أسباب غياب النمو والتقدم في التاريخ العربي والإسلامي منذ قيام الدولة العربية الإسلامية وحضارتها، وصولاً إلى حالة الانحطاط التي تكاد أن تكون شاملة ومستمرة على امتداد قرون عديدة، منذ ان بدأت بسقوط حضارة اليمنيين الذين بنوا سد مأرب العظيم، في وقت كان فيه تسعة أعشار البشرية يعيشون حياة همجية، بينما أصبح اليمنيون اليوم في التقارير الدولية مثالاً للتخلف والفقر، وانتهاءً بسقوط دولة الخلافة العباسية تحت أقدام خيول المغول الذين كانوا حينها يعيشون حياة بربرية وهمجية في أواسط آسيا!! .
إن صعود وتراجع الحضارات يعلمنا أن الجغرافيا لا تعلل التاريخ، كما أن التاريخ لا يمكن تعليله بدون الجغرافيا، بيد أن القاسم المشترك بين الاثنين هو عمل الإنسان الصالح والمنتج في مجال إعمار الأرض على نحو ما جاء في قول الله تعالى : ( هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) ( هود 61) وبقوله جل وعلا : ( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) ( التوبة 105)، ولا يمكن أن نفهم شيئا عن العمل الصالح والمنتج الذي يقوم به الإنسان في مجال الإعمار وإنتاج وتوفيرالاحتياجات المادية والروحية للمجتمع البشري، بدون تعليل صلته بالأرض وبتاريخ الأرض، واستبيان رصيده من العمل الصالح والمنتج في مجال إعمار الأرض وانتاج وتسويق ما يحتاجه الانسان من غذاء وكساء ودواء وغير ذلك من مستلزمات الحياة الكريمة والمتحضرة عملا بقوله تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) ( الأنبياء 105) وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) ( البقرة 62) .. بمعنى أن تاريخ العلاقة بين الإنسان والأرض والعمل يتضمن بعدين أساسيين غير قابلين للفصل، وهما تاريخ الأرض والبيئة المحيطة بها من جهة، وتاريخ الإنسان وعمله المنتج والصالح من جهة أخرى .
ويبقى القول ان الجغرافيا والبيئة الطبيعية تلعبان دورا مهما في تحديد مسار تطور أو ركود البشر، وإن نشوء الحضارات الأولى في وديان الأنهار الشرقية لم يكن مصادفة، كما أن انتقال مركز التاريخ العالمي من منطقة إلى أخرى كان بالضرورة نتاجا لظروف تاريخية معقدة لا يمكن إغفال تأثير البيئة الجغرافية عليها، حيث كانت أدوات وطرائق الإنتاج والتسويق تلعب دورا مهما في تحريك أحداث التاريخ وصياغة تاريخ الإنسان والأرض والعمل .. والدليل على ذلك أن الظروف الجغرافية تكاد أن تكون ثابتة نسبيا ً منذ آلاف السنين، لكن المجتمع البشري يعيش حركة تغير سريعة ومستمرة تضفي على البيئة الجغرافية قيما وأبعادا ً مختلفة ومتجددة في مختلف مراحل تطور الإنتاج منذ اكتشاف أدوات الإنتاج الحجري والخشبي والحديدي والحيواني، مرورا باكتشاف الكهرباء واختراع تقنيات الإنتاج والتسويق والتمويل الصناعية والميكانيكية عبر الفضاء البري والجوي والبحري، وانتهاء ً باكتشاف النيوترونات واختراع تقنيات الإنتاج والتسويق والتمويل الإليكترونية والرقمية التي مهدت للإنفجار المعرفي والفتوحات العلمية بدلا من الحربية عبر الفضاء الطبيعي والكوني بواسطة ثورة الاتصالات والمعلومات .
وبالنسبة لتاريخنا العربي وبضمنه تاريخ اليمن، فقد شهدت مجتمعاتنا تقدما اجتماعيا كبيرا بعد الفتوحات الإسلامية الحربية، ثم بدأ الانحدار الذي لا يمكن فهمه بدون التحليل الموضوعي لظاهرة نمو الإقطاعيات العسكرية والقبلية في التاريخ العربي والاسلامي، والصراع القومي بين العرب والموالي، والاستقطابات الحادة بين الأغنياء من الملوك وأمراء الجيوش والنبلاء الاقطاعيين والقضاة ورجال الدين الذين كانوا يستأثرون بالسلطة والجاه وعلو الشأن، ويكنزون الذهب والفضة والعبيد والجواري، وبين فقراء مثقلين بالجوع والحاجة والخراج والضرائب، ومجبرين على ترك ونسيان نصيبهم في الدنيا، والإلتهاء بالتزيُّد في العبادات والتفرغ للآخرة، وصولا إلى المقاربة الموضوعية لأسباب ظهور النفوذ العسكري المملوكي والشركسي والتركي، وانتقال مراكز الحكم إلى الأطراف من خلال دويلات ملوك الطوائف، وخروج الولايات العربية والأفريقية من دولة الخلافة العباسية، وتحول نظام الخلافة الاسلامية الامبراطوري في المشرق إلى دولة عربية فارسية تركية مهدت الطريق لظهور المزيد من الانقسامات، وتأسيس العديد من الدويلات والكيانات السلاطينية والطائفية والقبلية.
ومما يثير الدهشة أن انتصار الأتراك العثمانيين وسقوط الطابع العربي عن دولة الخلافة الإسلامية، ارتبطا بمفاعيل الحملات الصليبية وغزو المغول والتتار، والدمار الهائل الذي أصاب قوى الإنتاج البشرية والمادية، وقيام حكم المماليك واستفحال الفوضى في نظام الخلافة وتفاقم الطابع الوراثي الاستبدادي للحكم نتيجة لغياب الشورى، وما ترتب على كل ذلك من تزايد الصراعات والفتن والثورات الداخلية، وفقدان الأمن والاستقرار، وانتشار التصحر، وانتقال التجارة وتحول خطوط التجارة البرية والبحرية العالمية إلى أيدي البرتغاليين وغيرهم من الأوروبيين.. وقد أدت هذه العوامل إلى خراب التجارة وتدهور الإنتاج الزراعي وانخفاض متزايد في الثروة القومية و تناقص عدد السكان، على امتداد ثمانية قرون متواصلة .. وبينما كانت أوروبا الغربية تنتقل من النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي عبر نظام الاقتصاد البضاعي، كان العالم العربي والإسلامي يتقهقر من نظام الاقتصاد البضاعي إلى نمط خاص من النظام الإقطاعي المتخلف.
وقد كانت محصلة هذه الحركة الحلزونية تراجعات مستمرة الى الخلف، وصلت ذروتها بوقوع العالم العربي تحت سيطرة الاستعمار والنظم الاستبدادية المتخلفة التي كانت تحكم شعوبها باسم الدين وتستعين برجال الدين لإضفاء طابع كهنوتي على هذه النظم، من خلال الإدعاء بأنها تحكم باسم الله وبما أنزل الله على نحو ما أوضحناه وفندناه في حلقات سابقة.
لكن هذه الحركة الحلزونية، تعرضت لضربة قوية بعد ظهور حركة التحرر الوطني والقومي العربية وانطلاق الحركات والثورات الوطنية التحررية المعاصرة وبضمنها الثورة اليمنية (26 سبتمبر 14 أكتوبر) التي دكت معاقل الاستعمار والاستبداد في اليمن، وأخرجت شعبنا من الظلام إلى النور.. ولا تزال مسيرة هذه الثورة تتجه بأهدافها العظيمة وانجازاتها المتعاظمة صوب ذرى التاريخ، بما هو تاريخ العلاقة بين الانسان والأرض والعمل الصالح .
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
إلى هنا وكفى!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
المحرر السياسي
هل تُسقِط تعز رهان العدوان وتنتصر للمشروع الوطني؟
المحرر السياسي
مقالات
كاتب/نصر طه مصطفىالسلطان...
كاتب/نصر طه مصطفى
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةمن أجل مصلحة الوطن العليا
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد