الأحد 19-01-2020 04:38:34 ص
باريس.. استراتيجية العصا والجزرة في مواجهة الشبان الغاضبين
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 14 سنة و شهرين و 6 أيام
الخميس 10 نوفمبر-تشرين الثاني 2005 09:26 م
بعد مضي 12 يوما على الاضطرابات التي وقعت في الضواحي الفرنسية الغاضبة لجأ رئيس الوزراء الفرنسي دومينيك دو فيلبان إلى قانون للطورايء كانت باريس قد سنته في 3 ابريل ـ نيسان عام 1955 لمواجهة انتفاضة الاستقلال الجزائرية.ينص القانون على إجراءات خطيرة من نوع: تقييد حرية الصحافة والإعلام. اللجوء إلى الجيش. نقل الصلاحيات القضائية إلى السلطات العسكرية في حالات معينة. فرض حظر التجول ليلا على فئة من المواطنين في أحياء معينة أو على كامل الأراضي الفرنسية. اللجوء إلى الاعتقالات في أي وقت ودون الحاجة إلى استنابة قضائية فضلا عن بنود أخرى مشابهة.
من حسن الحظ أن هذا القانون لن يطبق كاملا فقد أوضح رئيس الحكومة أن تطبيقه يقتصر على بند منع التجول في كل المناطق التي يرى المحافظ أو رئيس البلدية أن أوضاع حيه أو منطقته تستدعي حظر التجول فيها على القاصرين أو على الراشدين من فئة عمرية معينة أو على عموم السكان. ويراد من هذا التطبيق المرن حصر هذا البند القانوني بأحياء ومدن شهدت أو يمكن أن تشهد أعمال شغب.
ومن حسن الحظ أيضا أن الحكومة ملزمة بالعودة إلى الاجتماع بعد 12 يوما من تاريخ العمل بالقانون لتقرر بموافقة مجلس النواب ما إذا كان يتوجب تمديد العمل به أو التوقف عن استخدامه.ما يعني أن هذا الإجراء محصور بزمان وربما بأمكنة معينة أو هكذا توحي على الأقل قراءة المعنيين له.ويلاحظ هنا أن نسبة كبيرة من الفرنسيين باركت استخدام قانون الطواريء للرد على أعمال الشغب فقد أظهر استطلاع للرأي نشر بعد ساعات على إقراره أن 73 بالمئة من المستفتين يؤيدون تطبيقه بحزم على الضواحي المتمردة.وإذا افترضنا أن هامش الخطأ يبلغ 4 بالمئة في مثل هذه الاستطلاعات السريعة فيبقى أن غالبية ساحقة من الفرنسيين لا تحبذ التسامح مع انتفاضة الضواحي الغاضبة وترى وجوب التعامل معها بحزم ما يعني أن تصدعا كبيرا استقر بين الضواحي الملونة ومحيطها الفرنسي.
 والملفت في هذا الصدد أن جان ماري كولومباني رئيس تحرير جريدة لوموند الرصينة عبر في مقال افتتاحي عقب نشر القانون في الجريدة الرسمية عن ذهوله جراء عدم التناسب بين أعمال الشغب والرد عليها بقانون الطواريء الذي صمم لمواجهة الجزائريين الذين كانوا يطالبون باستقلالهم فإذا به يستعاد لمواجهة أحفادهم الذين يعيشون في ضواحي البؤس.
لكن كولومباني ينتمي إلى أقلية من الفرنسيين الذين يتفهمون غضب المهاجرين الأجانب وأبنائهم ذلك أن الدعاية التي يبثها اليمين العنصري المتطرف منذ أكثر من عقدين ضد المهاجرين يبدو أنها تركت تأثيرا ملحوظا على وعي السكان وتمكنت من مشاعرهم المناهضة للمهاجرين الأجانب وأحيانا للفرنسيين من اصل أجنبي.
بيد أن آخرين يرون وجوب عدم النظر إلى القانون بعين واحدة فقد ترافق مع سلسلة من الإجراءات التي أعلنها الوزير الفرنسي الأول في المجالات التربوية والعمرانية والاقتصادية والاجتماعية والتي من شأنها إذا ما طبقت أن تؤدي إلى تنفيس الاحتقان المتراكم وبالتالي بعث الأمل من جديد في الضواحي الملتهبة بأمكانية الخروج من مأزقها على المديين المتوسط والبعيد.
والظاهر أن الاستراتيجية التي اعتمدها رئيس الحكومة تنطوي على التلويح بالعصا من خلال قانون الطواريء وبالجزرة من خلال التلويح بإصلاحات اجتماعية واقتصادية وعمرانية.ولعل هذه الاستراتيجية المتحركة تتوافق مع تشعب الأزمة التي تعيشها الضواحي. فإذا كان صحيحا أن مشاكل المهاجرين والفرنسيين من أصول عربية وإسلامية هي في الأصل مشاكل اجتماعية وتستدعي حلولا اجتماعية فالصحيح أيضا أن هذه الحلول المطلوبة ليست ولن تكون سحرية ولا يمكن بالتالي أن تطبق خلال شهر أو شهرين ومع تطبيقها تنتهي الأزمة.. إذن لابد بحسب رئيس الحكومة من عودة الهدوء واختبار النوايا الحكومية على المديين الطويل والأطول.
مشكلة هذا المنطق انه ليس مقنعا في أوساط المهاجرين والغاضبين لأنهم اختبروا من قبل الكثير من الوعود والمشاريع والخطب الجميلة لكنها جميعها لم تترجم بخطوات عملية خلال ثلاثين عاما شهدت حكومات يسارية ويمنية على حد سواء وبالتالي من الصعب حملهم على الهدوء بالكلام المعسول وحده الأمر الذي يعني أن على المنتفضين أن يختاروا بين مواصلة التمرد والتعبير عن غضبهم وفي هذه الحالة يصعب على المجتمع الفرنسي تفهم ما يريدون طالما أنهم لم يتقدموا حتى الآن بمطالب واضحة ومحددة وليس معروفا تحت أية راية يعملون وما هو السقف الذي يعملون تحته. أو اللجوء إلى التهدئة وفي هذه الحالة يصعب تصور كيف يمكن أن يتم ذلك وتحت أية شروط ومن يقرر ولماذا؟
والراجح أن استمرار المواجهات قد يؤدي إلى وقوع ضحايا مدنيين من الطرفين ومع وقوع الضحايا وغياب الجهة التي تتحمل مسؤولية الانتفاضة فان الرأي العام سيلقي بالمسؤولية على مجمل العرب والمسلمين ما يعني أن التباعد بينهم وبين المجتمع يمكن أن يصل إلى حد القطيعة والصراع المفتوح الذي ينطوي على خطر حرب أثنية بين الطرفين.
وفي غياب معرفة واضحة بهوية الجهة أو الجهات التي تحرك الانتفاضة وإذا ما افترضنا أنها عفوية فهذا يعني أن حظر التجول والاعتقالات الكثيفة قد تؤدي إلى التخفيف من حدتها وربما وقفها وقد لوحظ انحسار في أعمال العنف فور تطبيق قانون الطواريء لكن يبقى الحكم على مستقبل التمرد مرهونا بحجم ونوع ردود الفعل في أوساط المتظاهرين خلال الأيام المقبلة. فإذا ما تبين أن الأمور عادت إلى نصابها الطبيعي فهذا يعني أن المنتفضين يستجيبون مكرهين أو مختارين لاستراتيجية العصا والجزرة التي وضعها رئيس الوزراء إذا ما تبين أن أعمال الشغب آخذة بالاتساع فمعنى ذلك أن فرنسا تعيش تمردا من النوع الطويل الذي يتعذر حله بالاستراتيجية المشار اليها وفي هذه الحالة لنا حديث آخر.
 تصويب
ورد في مقال العدد الماضي التباس بين مائة عام وألف عام والمقصود ألف عام لذا وجب التوضيح والاعتذار
عودة إلى مقالات
مقالات
كلمة  26 سبتمبرتقدير دولي لليمن
كلمة 26 سبتمبر
الولعه
سماح علي سريع
كاتب/نصر طه مصطفىالرئيس في البيت الأبيض
كاتب/نصر طه مصطفى
بروفيسور/سيف مهيوب العسليهـل تنجح سوريا فيما فشل فيه العراق؟!
بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
كلمة  26 سبتمبراليمنيون والعيد
كلمة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد