الإثنين 19-08-2019 12:14:01 م
آخر الحروب تبدد آخر الأوهام
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 9 سنوات و 11 شهراً و 7 أيام
الخميس 10 سبتمبر-أيلول 2009 12:42 م
 في سياق الحملات التعبوية المناهضة للحكومة اليمنية درج البعض على وصف التمرد الحوثي في اقصى الشمال بالقول: انه «اختراع» من السلطة, هي التي دعمت «الشباب المؤمن» في مواجهة جماعة الراحل مقبل الوادعي, وهي التي تحصد اليوم نتائج ما فعلت, فقد كبرت الظاهرة وصارت عدواً للدولة, وفي سياق الحرب الدائرة في صعدة درج آخرون على القول: السلطة كانت قادرة على تصفية التمرد لكنها لم تفعل و استخدمته فزاعة في مواجهة المعارضة ذلك انها أي السلطة تصطنع الازمات ومن ثم تعرضها على الملأ للتخويف والحكم من خلالها.

 لاقيمة سياسية جدية لهذا النوع من الاتهامات المبنية على سوء الظن المطلق فهي لو كانت صحيحة لاشاعت الاضطراب في اجهزة الدولة ولربما تلقفها الاجانب للضغط على الحكومة ولمساءلتها وربما استخدموها في وسائل اعلامهم لوصف ما يدور في اقصى الشمال اليمني وهو ما لم نلمس اثره في اية تغطية اعلامية اجنبية محايدة.

 الواضح أن هذا النوع من التعبئة ينطلق من مقدمات نصف صحيحة ليصل الى نتائج خاطئة تماماً, فالقول ان الدولة وفرت الدعم للحركة الحوثية في بداية انطلاقتها يتوجب وضعه في سياقه التاريخي,ذلك ان الحوثيين كغيرهم من المجموعات السياسية اليمنية انطلقوا الى النشاط العلني الشرعي مع اعتماد الديمقراطية في البلاد وبالتالي كانوا كغيرهم جديرين بمباركة الدولة او تسامحها, فالديمقراطية لا تتحمل التفريق بين مجموعة سلفية او ماركسية او قومية عربية يمكن السماح لها بالنشاط السياسي ومجموعة حوثية معرضة للحظر والا صارت التعددية قاصرة على فريق واستبعاد آخر وفي هذه الحالة تفقد مشروعيتها والغرض من العمل بها.

 والمعروف أن الدولة لم تكن تشرط على الحوثيين شيئاً غير العمل تحت سقف الشرعية والدستور ولم تكن لتقاتلهم لو لم يخرجوا عن الشرعية, وقد افصحت السلطة عن هذا الامر في مناسبات عديدة لا بل ذهبت الى حد التعايش مع مواقعهم المدشمة ايديولوجيا وعسكرياً ومذهبياً واعتبارهم جماعة ترغب في العيش معزولة عن غيرها وعلى طريقتها ووفقاً لاوهامها بيد انهم جعلوا تلك المواقع قواعد انطلاق للسيطرة على مناطق يمنية مجاورة ثم ابعد وابعد الى ان وصلوا الى مشارف العاصمة وقد ترافق ذلك مع انعقاد رهانات خارجية وداخلية على حركتهم بوصفها مصدراً لتهديد الدولة اليمنية والتلاعب بمصير اليمنيين فكانت الحرب الاخيرة والمستمرة للعودة بهذه الجماعة الى حجمها الاول والى انتزاع التزام صريح من عناصرها بالنقاط الست التي تفي بهذا الغرض, هذا منطق الدولة وهو لا يختلف عن منطق اية دولة في العالم تتعرض سيادتها لتحد وتهديد جدي من فريق داخلي.

اما عن القول: إن السلطة كانت قادرة على «محو المتمردين عن وجه الارض» كما يزعم احد المعلقين وانها لم تفعل ذلك لاستخدامهم فزاعة لغيرهم فهو ينطلق أيضاً من مقدمة صحيحة ليصل الى نتيجة خاطئة, والصحيح ان الدولة تملك الوسائل الحربية التي تتيح ابادة الحوثيين تماماً وهي قادرة على حرق مزارعهم وتدمير بيوتهم وقطع الطرقات التي يسيرون عليها وتدمير الآبار والبنى التحتية وتخريب بيئتهم تماماً وجعلها غير قابلة للعيش والحياة العادية.

لم تعتمد الدولة هذه الاستراتيجية للقضاء على المتمردين لاسباب مبدئية من بينها ان الجماعة الحوثية ليست مؤلفة من مقاتلين فقط فهي تضم عائلات واطفالاً ونساءً وهؤلاء لا يتحملون مسؤولية ما أتاه ويأتيه المقاتلون وبالتالي لا يجوز تعريضهم للاذى ومحوهم عن وجه الارض كما يريد البعض, فالدولة لا تتعاطى مع مواطنيها بالكيد ولا تساوي المذنب مع البريء انطلاقاً من علاقة القرابة او الجيرة, والدولة مسؤولة عن البنى التحتية في صعدة وبالتالي لا يليق بها تدميرها واخيراً لم تمارس الدولة اليمنية الابادة الجماعية في كل التجارب الماضية فهي مقيدة بالقوانين والدستور الذي يلزمها بتقديم المجرم الى العدالة وليس ابادته واخيراً لا يحكم اليمن حزب شمولي ليتخلص من اعدائه وخصومه بالابادة الجماعية, اما اتهام الحزب الحاكم بالشمولية فهو من باب المبالغة والكيد والخصومة السياسية التهويلية.

لقد فضلت الدولة خلال الحروب السابقة إضعاف الحوثيين وحملهم على التراجع وفي كل مرة كانت توقف الحرب إذ كانت تحظى بتعهد من المتمردين بالتزام الشرعية وتعود للحرب كلما عادوا ونكثوا تعهدهم وسعوا الى التوسع, نعم الدولة قادرة على ابادة الحوثيين جميعهم لكن هذا ليس دورها و تلك ليست المهمة التي وجدت من أجلها.

اكبر الظن ان الحرب الراهنة التي تشهدها صعدة قد تكون آخر الحروب مع هذه الجماعة,فالاستراتيجية التي تعتمدها الدولة تقوم على فرض حصار طويل الأمد على مناطق المتمردين وقطع الامدادات عنهم وحملهم على الخروج من مواقعهم المحصنة والقتال في اماكن مكشوفة وغير مأهولة و توفير الفرصة لمن رغب منهم بالقاء السلاح واستخدام سلاح الجو في تدمير مواقعهم العسكرية البعيدة عن السكان, وتترافق هذه الاستراتيجية مع خلو منطقة التمرد من القسم الاكبر من الاهالي ومع عزلة شبه تامة وتأييد شعبي ملحوظ للدولة وقواتها المسلحة وآخر عناوينه اجماع علماء اليمن على ادانة التمرد وتأييد الدولة في تثبيت سلطتها على كافة الاراضي الوطنية ناهيك عن الدعم الخارجي الواسع الذي يرد الى الحكومة اليمنية يوما بعد يوم لا بل يمكن القول ان احدا في العالم لا يؤيد هذا التمرد ما خلا بعض المرجعيات الايرانية والعراقية وهو امر ينعكس سلباً على معنويات المتمردين وربما حملهم على التراجع والالتزام بشروط وقف الحرب ووقف التمرد مرة واحدة والى الابد, كل ذلك يتيح التوقع بان صعدة ربما تشهد اليوم آخر الحروب ومعها آخر وهم بعودة الامامية الى الحكم في اليمن. 

 
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
عدن الحزينة في أغسطس 2019 م (ما أشبه الليلة بالبارِحة)
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: بلوغ عدوانية التحالف مرحلة التكاشُف
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
أستاذ/ الفضل يحيى العليي
بوادر النصر
أستاذ/ الفضل يحيى العليي
مقالات
بروفيسور/سيف مهيوب العسليالاقتصاد العادل
بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
كاتب/نصر طه مصطفىزعم الفرزدق!!
كاتب/نصر طه مصطفى
مشاهدة المزيد