السبت 07-12-2019 07:38:15 ص
عالم يتغير:هل يمكن انقاذالوضع في غزة؟؟
بقلم/ كاتب/خير الله خيرالله
نشر منذ: 14 سنة و شهرين و 19 يوماً
الجمعة 16 سبتمبر-أيلول 2005 12:46 ص

 -من مصلحة اهل غزة كما من مصلحة الفلسطينيين عموماً استقرار الاوضاع في القطاع بعد اتمام الانسحاب الاسرائيلي منه في بحر الاسبوع الجاري. ولاشك ان انتشار رجال حرس الحدود المصريين على طول الحدود بين مصر والقطاع، يمكن ان يساهم الى حد كبير في ضبط الامور في المرحلة الآتية، وهي مرحلة اقل مايمكن ان توصف به انها في غاية الدقة. فالنجاح الفلسطيني في غزة سيعني الكثير بالنسبة الى المستقبل، كذلك الفشل. النجاح سيعني بكل بساطة ان لدى الجانب الفلسطيني مشروعاً يتحدى به الاحتلال عندئذ سيكون الانسحاب من غزة وما سبقه من تفكيك للمستعمرات خطوة اولى على طريق تحقيق قيام دولة فلسطينية مستقلة «قابلة للحياة» على حد تعبير الرئيس جورج بوش الابن نفسه اما الفشل فهو يعني بكل بساطة الاستسلام للامر الواقع، اي لفوضى السلاح، مع مايعنيه ذلك من رضوخ للمشروع الاسرائيلي الهادف الى التخلص من عبء غزة من جهة واستثمار الانسحاب في حملة علاقات عامة من جهة اخرى تستهدف حملة العلاقات العامة للعدو القول للعالم ان الفلسطينيين غير قادرين على بناء دولة ولايستحقون مثل هذه الدولة بدليل الحال السائدة في غزة التي صارت اوضاعها في غياب الاحتلال اسوأ مما كانت عليه خلاله.
إن استمرار فوضى السلاح في غزة يحمل في طياته مخاطر كبيرة على المستقبل الفلسطيني لان فوضى السلاح في عالم مابعد 11سبتمبر 2001م تعني لهذا العالم شيئاً واحداً انها تعني ان الشعب الفلسطيني غير قادر على ترجمة اثبات وجوده على الخريطة السياسية للشرق الاوسط وإثباته لهذا الوجود على خريطته الجغرافية.
هذا هو باختصار التحدي الكبير الذي يواجه الشعب الفلسطيني بكل قياداته في المرحلة الراهنة، مرحلة مابعد الانسحاب الاسرائيلي من غزة وتفكيك المستعمرات التي اقيمت في القطاع انه تحد يتجاوز الوضع في غزة، وهو وضع يتدهور يوميا، ويقود الى طرح سؤال مباشر من نوع هل من نظام فلسطيني قابل للحياة وادارة شؤون الناس في الداخل والخارج في غياب ياسر عرفات؟
لم تمض سوى عشرة اشهر على غياب ياسر عرفات في ظروف غامضة بل زادت غموضاً بعد التقرير الاخير الذي نشرته الصحف قبل ايام، حتى تبين ان الرجل خلَّف تركة يصعب على غيره حملها. وثمة بين سيئي النية من يذهب الى حد القول انه كان رجلاً غامضاً في حياته وان ظروف موته لاتشبه الا طبيعة الرجل، ذلك ان امثاله من الزعماء، -هذا اذا كان من امثال له- لايموتون في ظروف طبيعية اكثر من ذلك يقول سيئو النية ان «ابو عمار» ترك لخليفته في موقع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية نظاماً قائماً على شخصه، كان لابد ان ينهار بمجرد رحيله ولعلّ افضل دليل على ذلك ماحصل في غزة خلال الايام القليلة الماضية لدى اغتيال اللواء موسى عرفات ابن عم الرئيس الفلسطيني الراحل واحد رجالاته. ماكشفته عملية الاغتيال هذه والظروف لتي رافقتها، ان الوضع في غزة اسوأ بكثير من الظاهر. تبيّن ان في استطاعة مايزيد على مئة مسلح تطويق منزل موسى عرفات الذي لايبعد اكثر من مئتي متر عن مقرالرئاسة الفلسطينية وان يقتحموا المنزل ويشتبكوا مع حراسه ثم يخرجون صاحبه بثياب النوم الى الشارع. واعدم موسى عرفات بنحو خمس وعشرين رصاصة اطلقت عليه اين يمكن ان يحصل ذلك؟ في اي مكان آخر في العالم؟ من هم هؤلاء المسلحون الملثمون الذين يعرفهم الجميع في غزة بما في ذلك مسؤولو الاجهزة الامنية، ولكنهم لايتجرؤون على مواجهتهم او فضحهم.
كان موسى عرفات، الذي خطف الذين قتلوه نجله منهل ثم مالبثوا ان اطلقوه رمزاً للفساد والافساد. وهذا على الاقل ماكان يقوله بعض الذين كانوا في الدائرة الصغيرة المحيطة بياسر عرفات، لكن ذلك لم يمنع ابو عمار من التمسك به حتى النهاية وابقائه في موقع امني كبير.
في النظام الذي اقامه ياسر عرفات كانت الاولوية للولاء الشخصي، كان مسموحاً للذين يدينون له بالولاء ان يفعلوا اي شيء مادام ليس لديه شك بهم، كان الشك كافياًللقضاء على المستقبل السياسي لأحدهم. كان الولاء الشخصي اهم من الكفاءة ونظافة الكف، وكان هذا الولاء يسمح لياسر عرفات بأن تكون لديه طريقته الخاصة في ادارة الشؤون الفلسطينية، كانت كل المسائل مرتبطة بشخصه، كان هو القضية وكانت القضية مختصرة بشخصه, هذا هو الواقع الذي كشفته عملية اغتيال موسى عرفات وما تلاها من عراضات مسلحة لانصاره الذين نزلوا بدورهم الى الشارع يتوعدون بالثأر، ياله من واقع مؤسف اظهر مدى افلاس السلطة الوطنية الفلسطينية على الرغم من مشروعها السياسي الواقعي الذي يشكل احراجاً حقيقياً للمشروع الاسرائيلي.
تبين للسلطة الوطنية ان مشروعها لايواجه مشكلة اسمها سلاح «حماس» وطرحها السياسي الذي يدعم الطرح الاسرائيلي فحسب، بل هناك ايضاً مشكلة في بنيتها يجعل من المفيد طرح سؤال عما اذا كان في الامكان الحديث عن مؤسسات فلسطينية في غياب ياسر عرفات؟ من يسيطر على «فتح» في غياب ابو عمار؟ من يحافظ على توازن معين بين الاجهزة الامنية؟ من يحرك هذه الاجهزة التي وقفت تتفرج على المسلحين الذين اقتحموا منزل موسى عرفات ثم اعدموه في الشارع، كما لو ان القانون الوحيد المعمول به في غزة هو شريعة الغاب؟ من يعرف استخدام المال وتوظيفه لضبط الوضع الأمني والعلاقات بين العائلات الكبيرة التي يحسب لها الف حساب وحساب خصوصاً في غزة؟ من يحسن استخدام المال في كل صغيرة وكبيرة؟ لاشك ان «ابو مازن» يكره مثل هذه الادوار التي لا يستطيع لعبها كونها تتناقض مع طبيعة شخصيته، ولكن ماالعمل اذا كانت جزءاً لايتجزأ من تركة ياسر عرفات؟
ماحصل ويحصل في غزة ليس سهلاً، انه نموذج لنوع جديد من التحديات التي تواجه السلطة الوطنية الفلسطينية التي عليها ان تواجه فوق ذلك كله وربما قبل ذلك كله، العراقيل الاسرائيلية. الاكيد ان ثمة حاجة اولا الى اعادة نظر في الاسترتيجية الداخلية للسلطة الوطنية الفلسطينية من دون خوف من التساؤل هل مازال في الامكان انقاذ الوضع في غزة ام ان القطاع حال ميؤوس منها وان ياسر عرفات كان الوحيد القادر على التعاطي معها وان الحلول غابت مع غياب الرجل، في كل الاحوال والظروف، ان اي حل، -اذا كان لايزال من حل- لايمكن ان يبدأ من دون معالجة فوضى السلاح هل هذا امر ممكن؟