السبت 22-02-2020 22:15:53 م
الحكومات العربية بين النقد الحريص والمغرض
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 11 سنة و شهرين و 4 أيام
الخميس 18 ديسمبر-كانون الأول 2008 08:29 ص
عادت بعض الاصوات الهجومية للارتفاع مجددا ضد الحكومات العربية. والهجوم اليوم كما الهجوم بالامس يتناول الحكومات دون تمييز بين حكومة وأخرى. فحكومة البلد الثري هي تماما كحكومة البلد الفقير بنظر الاصوات العالية النبرة. وحكومة البلد المستقر في ظل دولة مستقرة ومعمرة منذ قرون هي كحكومة البلد غير المستقر الذي عرف الدولة منذ زمن قصير
وغالبا بعد الاستعمار الذي رحل عن بلادنا منذ نصف قرن او اقل حيث الدولة لم تكن موجودة وهي ما برحت تتلمس طريقها نحو الوجود. وتساوي الاصوات المذكورة بين حكومة البلد المحتل وحكومة البلد الذي يناهض الاحتلال. ولا تقيم الفرق بين حكومة البلد التي تستمد تأييدها الشعبي من اصرارها على الدفاع عن المصالح الوطنية من خلال اقتصاد وطني وترفض وصفات البنك الدولي وصندوق النقد وحكومة البلد الذي يشرع الاقتصاد الوطني امام كل من هب ودب من اللصوص الدوليين. وتساوي الاصوات المذكورة بين حكومات حطمت بلدانها وقادتها نحو الخراب والحروب الاهلية وحكومات تمكنت من تجنيب بلدانها مخاطر الهلاك. وتساوي بين حكومة وحدت بلدها بعد طول تشطير وانقسام وحكومة غامرت ببلادها في مجاهل الفدرلة والمذهبية والتصدع الوطني.
هكذا قررت الاصوات المذكورة تعسفا ان الحكومات العربية سواسية كأسنان المشط وانها تستحق جميعها الاوصاف اللاذعة لانها مسؤولة عن تردي اوضاع الامة العربية وعن الصعوبات التي تعترض النهوض العربي.
الواضح ان الاساس الذي ينطلق منه تصنيف الحكومات في خانة واحدة هو ممارسة الحكم وليس كيفية هذه الممارسة. وهذا المقياس عشوائي بامتياز ليس فقط لانه يهمل كيفية ممارسة الحكم ولكن ايضا لانه يهمل ظروف البلد وموقعه في خارطة العلاقات العربية -العربية وخارطة العلاقات الاقليمية والدولية.
وعليه من الصعب القبول بمساواة الدور العربي بين جيبوني ومصر لان المساواة تظلم مصر وتظلم جيبوتي في الان معا..تماما كالمساواة بين جزر القمر والمغرب الاقصى.
يستدعي ما سبق سؤالا حول الغاية المرجوة من الحملة الهجومية على الحكومات العربية ولعل الاجابة تقودنا الى ظروف الحملة السابقة التي استهدفت البلدان العربية دون تمييز بين بلد وآخر.
 من المعروف ان الحملة السابقة تزامنت مع الغزو الامريكي للعراق ومع تقارير التنمية العربية الصادرة عن الامم المتحدة التي خصت العالم العربي دون غيره من العوالم بمثل تلك التقارير المنحازة والقصدية التي برأت “اسرائيل” من كل مسؤولية عن انهاك العالم العربي واهملت الاثر التركي المدمر على حالة العرب في مطالع القرن العشرين فضلا عن النهب الاستعماري لثروة العرب ومقدراتهم.
 لقد بدا من خلال التقارير المذكورة ان معديها يريدون القول للجزائر التي استعمرت طيلة 130 عاماً ولعدن التي استعمرت طيلة 129 عاماً لقد اخفقت في التنمية لاسباب عربية وليس لاسباب استعمارية اجنبية. او كانها تقول لحكومة تصرف اكثر من نصف مدخولها الوطني على التسلح الدفاعي بمواجهة اسرائيل لقد اخفقت لأسباب عربية وليس بسبب كلفة الصراع الباهظة مع الدولة العبرية.
لقد اصبح معروفاً ان الحملة الهجومية المذكورة قد وفرت التغطية الضرورية لاجتياح العراق باعتباره مدخلاً لقلب الحكومات العربية ولبناء شرق اوسط جديد على هوى واشنطن ومحافظيها الجدد، واصبح معروفا ايضا حجم الفشل الكبير الذي اصاب مشروع الاحتلال ومشروع الشرق الاوسط الكبير، الامر الذي ادى الى انهيار الحملة الهجومية المذكورة على الحكومات العربية والى الكشف عن مقاصدها واهدافها حيث تبين ان القسم الاكبر من الاصوات الهجومية يعبر عن الهوى المذكور وقد نعت هؤلاء بمثقفي “المارينز” ولم يكن هذا النعت ظالما او متجنيا.
 بيد أن اقلية مجردة من كل علاقة مباشرة بالمشروع المذكور شاركت في الحملة الهجومية ربما من موقع “المحب” للاصلاح والنهضة العربية ومن موقع الحرص على المصالح العربية والمستقبل العربي، والمؤسف ان جهود هذه الاقلية قد استخدمت في سياق المشروع نفسه ولم يميز احد بينها وبين الاكثرية فكان ان لحق الاذى المعنوي بالطرفين معا.
واليوم تعود بعض الاصوات لاستئناف الحملة الهجومية على الحكومات العربية دون راع ودون مشروع واضح ودون تمييز فتبدو وكأنها عاجزة عن استخلاص الدروس المفيدة من الحملة السابقة من جهة ومن جهة اخرى يظهر اصحابها وكانهم قد تركوا على قارعة الطريق لايدرون ما يفعلون فاذا بهم يطلقون العنان لحناجرهم بطريقة آلية مثيرة للشفقة بعد ان كانت من قبل تثير الامتعاض والاشمئزاز.
ليست كل الحكومات العربية بمنأى عن النقد وبعضها يستحق اوصافاً قاسية ربما تفوق بقساوتها ما قيل، لكن حكومات أخرى ظلمت دون ذنب او تقصير بل ان بعضها ما كان يجب ان توضع اصلا في صف الحكومات المتهمة بالتقصير في الدعوة لنهضة العرب ورفع شأنهم.
وليست حال العرب مثالية ويمكن الحديث طويلاعن اداء بعض الحكومات السيء ودورها السلبي في ما وقع ويقع للعرب لكن من الصعب جلد الذات حصرا دون التعرض ولو بالاشارة الى ادوارالاخرين فيما وقع لنا ويقع في فلسطين وغيرها من مناطق العالم العربي المستهدفة من قوى دولية واقليمية شريرة.
يبقى القول ان الاصوات المخلصة في نقد الحكومات العربية من اجل تصويب ادائها تستحق الترحيب والاشادة اما الاصوات التي تريد تحطيم الحكومات العربية من اجل خدمة الاجنبي ومشاريعه فهي لا تستحق التقدير والاحترام.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
انتصارات استراتيجية شاملة
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عقيد/ جمال محمد القيز
محطات :صنعاء.. بالتأكيد بعيدة .. بعيدة !!
عقيد/ جمال محمد القيز
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة : ماذا لو تعاملنا مع اسباب مشاكلنا ؟.!
كاتب/ احمد ناصر الشريف
مقالات
كاتب/خير الله خيراللهنحو سياسة أميركية أكثر عقلانية؟
كاتب/خير الله خيرالله
الاندفاع نحو الأراضي الزراعية في بلاد الغير
فاروق لقمان
كاتب/عبدالقيوم علاوقافلة العيد ومحطاتها
كاتب/عبدالقيوم علاو
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةعندما تُغيَّب حقوق المواطن
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
دكتور/عبدالعزيز المقالحعن أي حقوق إنسان يتحدث الغرب؟
دكتور/عبدالعزيز المقالح
مشاهدة المزيد